الرئيسية / أدب / قصة / تذاكر إلى الكابوس

تذاكر إلى الكابوس

قصة آدم وسارة وهما على متن باخرة

حوار بين (آدم وسارة) حول غرق سفينة التاتينك

(سارة.. هذه تذكرتك احتفظي بها جيداً ولا تدعيها تضيع منكِ).

حجز آدم تذكرتين واحدة له وأخرى لزوجته سارة للسفر إلى نيويورك عبر المحيط الأطلسي، وهذه السفرة هدية آدم لسارة بمناسبة الذكرى الأولى لزواجهما.

صعد آدم وسارة على متن الباخرة في السادس من نيسان وبعد أخذهما قسطاً من الراحة صعدا على سطح الباخرة ليستمتعا بمنظر المحيط، كان قلب سارة يؤلمها منذ لحظة صعودها على متن السفينة، وذلك بسبب شعور الفقدان الذي أصابها وتخلل بين ثنايا قلبها ولكنها لم تظهر شيء لآدم.. أثناء جلوسها معه وضعت رأسها على كتفه لتجلب ذبذبات الطمأنينة إليها ثم دار بينهما الحوار التالي:

آدم: هل تعلمين يا سارة أن سفينة (التايتنك) كانت وجهتها من لندن إلى نيويورك كسفينتنا تماماً وعبرت هذه المياه أيضاً؟

سارة: حقاً ….. ظننت أنها غرقت في المحيط الهادي.. أي أنه في قعر هذا المحيط العديد من التذاكر الغارقة… يا ترى هل كان هناك عرب بالتايتنك؟.

آدم: نعم… نعم يا جميلتي كان هناك بما لا يقل عن مئتي عربي، وأغلبهم كانوا في الدرجة الثالثة بالسفينة.. قصص العرب بالتايتنك تؤلم القلب يا سارة.

سارة: لم أكن أعلم أن التاتينك كان بها عرب! لماذا لم يُلقى الضوء عليهم؟

آدم: بلى…. كان أغلبهم من اللبنانيون والسوريون، وقد وثقت أسماؤهم في اللائحة الرسمية للركاب، أما قصصهم قد رواها أحفادهم وبعض الناجين من الكارثة… كما وهناك بعض الكتب تحدثت عنهم، ومن أبرزهم كتاب (اللبنانيون على التايتنك) للصحافي ميشيل كرم وكتاب (الحلم فالكابوس) لامرأة أمريكية سورية الأصل تدعى (ليلى سلوم إلياس) وكتاب (تذكرة على متن التايتنك) لصحفية مصرية تدعى ياسمين سعد.

سارة: حدثني عنهم يا آدم.

آدم: حسناً يا عزيزتي سأحدثك ولكن إذا رأيت دموعك تفر منك سأتوقف عن الكلام، لا أريد لهذا الوجه الملائكي أن يحزن.

سارة: موافقة.

قصص عن ضحايا عرب غرقوا في سفينة التايتنك

أطفأ آدم سيجارته وألقاها في المحيط ثم قال لها: غرق التايتنك كان أسوأ كارثة عرفتها بحار القرن الماضي، معظم من فقدوا حياتهم كانوا من الدرجة الثالثة، منهم من مات غرقاً، ومنهم من توفي نتيجة إطلاق النار عليه من ضباط السفينة، ومنهم من مات بسبب برودة مياه المحيط، فكانت درجة الحرارة في ذاك اليوم اثنين تحت الصفر.

حجزوا تذاكر للذهاب إلى أحلامهم ولم يخطر على بالهم أنهم على موعد مع الكابوس، هناك العديد من القصص التي وصفت حال الضحايا والناجين ولكن سأروي لك يا سارة ما علق بذاكرتي منها…

من أبرز الضحايا كان شاباً من بيروت وسيم الوجه طويل القامة أنيق المظهر يسمى فارس شهاب، وكان فارس أميراً لبنانياً لا يتجازو التاسعة والعشرون من العمر، وسبب سفره إلى أمريكا هو الهروب من اليأس والحزن .. فقبيل سفره بأيام قليلة اكتشف خيانة زوجته له فطلقها ثم طلق وطنه، وبعدها بعدة أيام حجز تذكرة على متن التايتنك ليهرب إلى عالم آخر ولكنه لم يعلم أنها ستكون سفرته الأخيرة، وعندما بدأت السفينة بالغرق قال الأمير فارس شهاب لمن حوله (شدّوا الهمة يا شباب! عيب نموت بدون دبكة) فأخذ هو في العزف على العود بينما اصطف الآخرون ليرقصوا الدبكة في مشهد يجمع الفرح والحزن ليودعوا من خلاله الحياة.

ومن الضحايا أيضاً شاب يسمى (ضاهر شديد) لم يتجاوز التاسعة عشر من العمر.. سبب سفره هو الهروب من العقاب، فقبيل سفره كان يلعب ببندقيته في قريته اللبنانية (عبرين)، ثم خرجت من البندقية رصاصة بالخطأ وللأسف قتلت هذه الرصاصة الطائشة فتاة من القرية، شعر ضاهر بخوف شديد من أهل الفتاة.. وعندما علم عمه المغترب بالأمر، بعث له مبلغ مناسب وطلب منه أن يغادر لبنان ويأتي إلى بنسلفانيا حيثُ يقيم، ثم سافر ضاهر سريعاً إلى فرنسا، ومنها بالقطار إلى ميناء “شيربورغ” الذي كان اللبنانيون يبحرون منه إلى بلاد الاغتراب، وفيه صعد إلى التايتنك، حين رست هناك لتقلهم قبل أن تعود ثانية إلى مرفأ بالجنوب البريطاني لتتوجه منه إلى نيويورك، وللأسف بعد الكارثة التي أصابت السفينة عثروا على ضاهر جثة طافية مهترئة.

أما أكثر الضحايا كانوا من قرية لبنانية تدعى (حردين)، وأشهرهم شاب يدعى (طوني يزبك) وزوجته (سيلانة) وقد سافرا إلى نيويورك لقضاء شهر العسل، وأثناء غرق التايتنك صعدت سيلانة إلى قارب النجاة، أما زوجها لم يسمحوا له بالصعود وذلك بسبب قوانين الملاحة التي تنص على إنقاذ النساء والأطفال أولاً، غرق طوني ونجت سيلانة التي بكيت على زوجها لسنوات طويلة، أما (زهيّة) صديقة سيلانة رفضت الصعود إلى القارب والنجاة بمفردها دون زوجها (بطرس)، فغرقا معاً، والناجي الشاب الوحيد من قرية حردين يُسمى (مبارك حنا) والسبب في نجاته هو اختباءه تحت ثوب فضفاض لامرأة أجنبية وقيل تزوجها عند نجاتهم من الكارثة، ونقلا بالتواتر عمن نجا من اللبنانيين الذين كانوا على متنها إن 11 من أبناء قرية حردين تجمعوا في ركن بالسفينة عندما تأكدوا بأن الموت في طريقه لينال منهم، ثم راحوا يرددون أبياتا ارتجلها أحدهم بأسلوب الشعر الشعبي اللبناني، المعروف باسم الزجل، وقالوا وهم يغرقون:

ابكي ونوحي يا حردين…..عالشباب الغرقانين

غرق منك حدعشر شاب….. بسن الخمسة وعشرين

منهم سبعة عزابي…..والبقية مزوجين

ما فيهم واحد شايب….. كلن بالخمس وعشرين

ومن العرب الذين نجوا أيضاً فتاة تدعى (آديل نجيب قيامة) من بلدة الشوير لا تتجاوز سن الرابعة عشر، كان والدها يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما علم الأب بسفر قريبة له تدعى (لطيفة) إلى أمريكا طلب منها اصطحاب آديل عنده وقبيل غرق التايتنك بقليل صعدت آديل على قارب النجاة مع لطيفة، وعند صعودها تذكرت ليراتها الذهبية التي نسيتها في غرفتها فخرجت من القارب باتجاه غرفتها التي كانت في قعر السفينة ثم أخذت أموالها وأمتعتها وعادت إلى مكان القارب بسرعة وحينما عادت وجدت القارب قد امتلأ، بكت وصرخت إلا أن قام أحد الضباط بالإشفاق عليها فأخذ جميع أمتعتها وألقاهم في المحيط ثم قال لها اقفزي إلى هذا القارب القريب من الباخرة لعلكِ تنقذين نفسك من الموت…..

نظر آدم إلى سارة أثناء كلامه فوجد دموعها تقف على طرف أهدابها تكاد أن تتفلت فقال لها: أنا أراقبك يا سارة إذا هطلت هذه الدموع لن أكمل الحديث.

قالت له سارة: لا تخف هي تحت السيطرة.. أكمل.

أكمل آدم كلامه قائلاً: الدرجة الأولى في التايتنك كانت تشمل على نبلاء فاحشي الثراء من مختلف الجنسيات الأوروبية، وكان من بينهم رجل عربي واحد فقط وهو مصري الجنسية يسمى “حمد حسب” يلقبونه بالرجل الغريب وذلك لأنه كان قليل الكلام مع من في السفينة، وسفرته إلى التايتنك كانت هدية من صديق له يدعى “هنري هاربر” الذي تعرف عليه من خلال عمله كمترجم سياحي في مصر، وقد تعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وأثناء عمله كون صداقة قوية مع الزوجين الأمريكيين “هنرى هاربر” و”ميرا”، وقد  استضافهم “حمد” أكثر من مرة في القاهرة، ثم قرر “هنري هاربر” أن يردَ له الجميل، فأرسلوا له دعوة للتنزه على ظهر السفينة تاتنيك، وقبيل غرق السفينة بقليل سمع “حمد” صوت اتصال لاسلكي صادر من غرفة القيادة يؤكد وجود كارثة، فأسرع وأحضر القارب رقم 3 وحمل فيه صديقيه “هنري” و”ميرا”، وعند صعودهم القارب نسيَ هنري قبعته فهمّ لجلبها من السفينة ولكن زوجته لم تدعه يعود، ثم تحرك “حمد” يحارب أمواج البحر، وكان عمره في ذاك الوقت 27 سنة، وقد نجا لبر الأمان… قيل أن حمد فقد الذاكرة بسبب صعوبة الحادث وتفاصيله، وما عاشه من أهوال ومخاطر، واستضافته أسرة لبنانية، ثم تماثل للشفاء وعاد لعائلته بعد 3 سنوات.

أنهى آدم كلامه بقوله: “التايتنك السفينة التي قالوا عنها لا تغرق ولا تحرق أصبحت في قعر المحيط!”

وضعت سارة يدها على قلبها، ثم أغمضت عينيها بخوف، فقال لها آدم: ما بك يا حبيبتي هل أنت بخير، فقالت له: نعم، لا تقلق، ثم أمسكت يده ووضعتها على بطنها وقالت له: أنا حامل يا آدم، فرح آدم كثيراً بل الدنيا لم تسعه من الفرحة.

آدم وسارة يواجهان حادثة تايتنك أخرى

في صباح اليوم التالي وهو آخر يوم لهم في الباخرة استيقظ آدم باكراً ولم يجد سارة بجانبه، بحث عنها في كل مكان إلا أن وجدها على سطح السفينة، اقترب منها وقال لها: سارة لماذا لم توقظيني معكِ؟ التفتت إليه سارة وعيونها مليئة بالدموع … شعر آدم بالتوتر وقال لها: ما بكِ يا سارة؟ ما سبب هذا الحزن في عينيكِ؟ قالت له وهي تنظر إلى المحيط: حاولت الحفاظ على التذكرة، حاولت… ثم قال لها: لم أفهم عليكِ يا حبيبتي، ماذا تريدين القول؟ فقالت له: أشعر بصداع قوي يا آدم، أرجوك أجلب لي مسكّناً لأتناوله ويفضل أن يكون من النوع الخفيف لكي لا يؤثر على الجنين.

ذهب آدم إلى الطابق الأول حيث غرفتهما هو وسارة ليجلب لزوجته مسكّناً، ثم طلب من النادلة وجبة فطور خفيفة لزوجته لكي لا تتناول المسكن على معدة فارغة، وأثناء كلامه مع النادلة سمع صوت انفجار عظيم على سطح الباخره، صعد بأعلى سرعته ليرى ما جرى على سطح السفينة وإذ به لم يستطع الصعود بسبب النار الكثيفة التي اشتعلت نتيجة الانفجار.

بعد محاولات الإطفاء والسيطرة على الوضع كشفت التحقيقات وجود رجل من الجماعات المتطرفة قام بتفجير نفسه على سطح السفينة، وقد مات كل من كان بجواره.

بدأ آدم يبحث كالمجنون عن سارة ويسأل عنها كل من يراه أمامه حتى أنه سأل الجدران والمقاعد، ولكن جميع محاولاته في البحث قد باءت في الفشل، قال له ضابط بريطاني: لم لا تبحث عنها بين ضحايا التفجير؟ فقام آدم في صفعه والصراخ عليه دون وعي، لم يستطع آدم البحث عنها بين الضحايا لكي لا يتأكد من موتها لأنه يعلم أن تلك اللحظة لن تمر عليه.

رست السفينة على الميناء وعند نزول آدم منها جلس على ركبتيه.. وقد تملكه الضعف من جميع الاتجاهات ولم يعد له القوة على الحراك، منهك … تائه، كأنه دخل محراباً بالخطأ أفقده نفسه وساء اللطف به وجعل من كيانه متناثر كما تسبب في تعكير صفوه وجعل من سراجه شاحباً، شعر آدم  بوجود بركان داخله يحرق كل خلية في قلبه.

بدأ يكلم نفسه ويقول: ما الذي حدث بحق السماء؟!.. فكان هذا أكبر مطب في حياته أوقع به من سابع سماء إلى سابع أرض، وبقيَ على هذه الحالة إلى أن رأتهُ امرأة مسنة تمشي وتتكئ على عصاتها المهترئة، وقد شعرت هذه المرأة بكمية الحزن الذي يشعر بها آدم، جلست بجانبه وقالت له: هكذا هي الدنيا يا بني فلا يوجد بها سعادة كاملة ولا سكينة عارمة، ستقتلك نوبات الحنين بين الحين والآخر، ربما تظن أن هذه اللحظة هي حطامك الأخير … ولكن لا لا يا ولدي ستتعافى منها ومرور الأيام سينجيك من هذا المرار كما سينجيك من العواصف التي  تسللت إلى حياتك بكل خبث، سيبدلها الله بنسيم معطر، فالقدر سوف ينصفك وترحل هذه اللحظات إلى هاوية البؤس وحذافيرها، ثم مدت يدها لتمسك بيد آدم وتساعده في إكمال سيره.

ملاحظة: القصص التي تم ذكرها عن الضحايا والناجين العرب من غرق التايتنك هي قصص حقيقية وليست من وحي الخيال.

فيديو مقال تذاكر إلى الكابوس