الرئيسية / الطبيعة / جهود الإدارة المصرية للنهوض بأوضاع المجتمع فى مصر العثمانية

جهود الإدارة المصرية للنهوض بأوضاع المجتمع فى مصر العثمانية

قرار الحكم العثماني عام 1518

في عام 1518م أُصْدِرَ قرارًا في طليعة الحكم العثماني بقتل الكلاب في كافة شوارع القاهرة وأحيائها وقانون نامة مصر 1525م قد ألزم الحاكم بمتابعة أمر النظافة ومقاومة التلوث الناتج عن إهمال كنس الشوارع بانتظام ورشها بالمياه بل إنه ينص صراحة على قيام الأهالي بها ومن لم يقم منهم بتنظيف مكان في عهدته ويتركه ملوثًا يعاقب أشد العقاب ([1]).

مكافحة تلوث المياه

وفي مجال مكافحة تلوث مياه الشرب والذي كان يسبب عددًا من الأمراض الوبائية تبرز محاولة “مقصود باشا” في عام 1643م في جرف وتطهير الخليجين المصري بالقاهرة والناصري بالإسكندرية من جميع الإرسابات (طمي ونفايات، فضلاً عن الفضلات؛ حيث كان يستخدم كمصرف صحي طيلة العام) وخاصة في ظل تتابع سنوات الشراقي منذ عام 1640م.

معاقبة المتهاونين بالعمل

لما كان العمل لا يسير بانتظام وبعناية كافية، فإن إشراف “مقصود باشا” على كافة إجراءات الجرافة والتطهير بنفسه يومًا بيوم، ومعاقبة المتهاونين في الأمر حتى أتمَّ جرف ستة أذرع ونصف ذراع بالخليج المصري، وذراع ونصف بالخليج الناصري (والاختلاف في نسبة الجرافة هنا يُعزى إلى ارتفاع كثافة السكان بالقاهرة عن الإسكندرية)– يُعد من هذه الزاوية محاولة فريدة، ولا سيما أن كافة المصادر التاريخية المعاصرة عن هذا الحدث والتأكيد على أنه سبَّب مشقة بالغة أثناء عمليات الجرافة، يعكس ضآلة الإجراءات المعتادة التي كانت تتخذ بشأن جرافته، والتي من المؤكد أنها كانت شكلية، وخاصة إذا ما قيست بما أنجزه هذا الباشا([2]).

مسألة دفن الموتى انتشار مرض الطاعون

أما عن مسألة دفن الموتى إبان الأزمة الطاعونية حيث كان قد أصدر بيورلديًا (*) بإبطال الكشف على الأموات وأن كل من مات له ميت يدفنه من غير كشف وهو الإجراء الذى كان يُحدُّ من تفاقم تفشى الوباء، كما كان يخفف من متاعب السكان إبان تلك الكوارث، حيث كان من الشائع عن ملتزمي بيت المال وربما إمتناعهم عن التصريح بدفن الموتى قبل حصر تركات المتوفين والمغالاة في فرض الرسوم. وقد يمضي يومًا أو يومين فتتعفن الجثث وتتزايد احتمالات نشوب العدوى أو تفاقمها إن كانت منتشرة، وفي عام 1695م لم يكتف إسماعيل باشا بنقل الموتى إلى المغسل السلطاني وتكفيينهم على نفقة بيت المال والتي أجمعت المصادر على بلوغها 20 كيسًا (000و500 بارة) بل نجده يُشيد لهم تربًا عديدة عُرفت بترب الغرباء وحين انتهى الطاعون، أقام الوزير حفلاً عامًا بمناسبة ختان ولديه، لإدخال السرور على جميع الأهالي الذين نُكِبُوا بذلك الوباء([3]).

إنارة الشوارع

أما إنارة الشوارع تعود إلى نحو عام 1650م خلال العهد العثماني، فكانوا يشعلون القناديل في الأسواق وفي الشوارع وصدرت التعليمات أثناء الإحتلال الفرنسي بإشعال قنديل أمام كل منزل، وقنديل آخر أمام كل ثلاثة دكاكين، وهي تعليمات تتوافق مع القواعد السارية، حيث تم التركيز بها في عامي 1814 و1817م، وتنص حجة وقف سبيل “عبد الرحمن كتخدا” 1744م على تخصيص النفقات اللازمة لإنارة قنديل واحد أمام باب السبيل خلال العام وثلاثة قناديل خلال ليالي شهر رمضان([4]).

الموارد الغذائية

وفي أثناء مجاعة، وطاعون 1784م اضطر “إبراهيم بك” الهرب إلى الصعيد، وأيضًا في عام 1789م أدى التناحر بين البكوات وندرة المواد الغذائية إلى إرتفاع جسيم للأسعار أما “محمد المهدي” الذى كان صديقًا “لإسماعيل بك” استفاد من وباء 1790–1791م لكى يضع يده على التزامات أصبحت شاغرة([5]).

الجوع عند الفلاحيين

وتحدث “الجبرتي” عن هذه الأمور فوصفها بقوله: “وجلت الفلاحون من بلادهم من الشراقي والظلم، وانتشروا في المدينة بنسائهم وأولادهم يصيحون من الجوع ويأكلون ما يتساقط في الطرقات من قشور البطيخ وغيره ، فلا يجد الزبال شيئًا يكنسه، واشتد بهم الحال، حتى أكلوا الميتات من الخيل والحمير والجمال، فإذا خرج حمار ميت تزاحموا عليه وقطعوه وأخذوه ومنهم من يأكله نيًّا من شدة الجوع، ومات الكثير من الفقراء بالجوع، هذا والغلاء مستمر والأسعار في الشدة وعز الدرهم والدينار من أيدى الناس”([6]).

وباء الطاعون

أما في عام 1618م جاء الوباء الكبير بالطاعون وغيره ودام بمصر نحو ثلاثة أشهر وتصرف “جعفر باشا” في هذا البلاء العظيم بالإحسان على المصابين بما أوجب كسب قلوبهم وتخفيف أحزانهم([7]). فكان من الحكام الصالحين.

مغادرة قبطان باشا القاهرة 

وما ان غادر “قبطان باشا” القاهرة، بعد أن ترك فيها بعض المماليك الذين يحكمون باسم السلطان. ويفترض فيهم أن يمنعا عودة “مراد بك” و”ابراهيم بك” حتى انتهى الوضع نهاية مملوكية عجيبة اذ “خامر” الذين في القاهرة مع الشقيين “مراد وابراهيم” وفتحوا لهما القاهرة.. فدخلوها.

الطاعون سبب بموت عدد كبير من الأمراء

كان الطاعون قد حل مشكلة توفير مكان للوافدين إذ أصبحت القاهرة تتسع للجميع. فمات عدد كبير من الأمراء المقيمين في القاهرة، وفي نفس الوقت مات عدد كبير من نساء الأمراء الذين كانوا منهزمين هاربين في الصعيد فتزوج العائدون أرامل الهالكين. وكانت أكثر البيوت التي كان بها الأمراء الهالكون بالطاعون وبقي بها نساؤهم ومات غالب نساء الغائبين فلما رجعوا وجدوها عامرة بالحريم والجواري والخدم فتزوجوهن وجددوا فراشهم وعملوا أعراسهم. ومن لم يكن له بيت دخل ما أحب من البيوت وأخذه بما فيه من غير مانع وجلس في مجالس الرجال وانتظر تمام العدة إن كان بقي منها شيء وأورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم وأزواجهم وسكن “مراد بك” بيت “إسماعيل بك” وكأنه كان يبنيه من أجله وكانت هذه الحوادث مؤرخه لعام 1791م([8]).

صيانة الشوارع

أما عن صيانة الشوارع، كانت تنظف يوميًا، ورفع القاذورات والأتربة التي كانت تملؤها، لأن تكدس القاذورات والتراب والطين في الشوارع أدى تدريجيًا إلى إرتفاع أرضيتها، وإعاقة المرور بها، وردم الصروح والمنازل الكائنة على حافتها. إن وجود مباني وصروح مدفونة حتى مستوى نوافذها، أو التي لا يمكن الدخول إليها إلا باستخدام السلم يشير إلى خطورة المشكلة التي حاولت السلطات مرارًا علاجها عن طريق القيام بعمليات تنظيف على فترات متباعدة ، فقد أمر “محمد باشا” 1607-1611م بقطع ما مقداره ذراع من الأرض من أمام المنازل والدكاكين وكان هذا الأمر غريبًا لدرجة أن الباشا اضطر إلى التذرع بأنه يريد انتزاع طبقة الأرض التي وطأتها أقدام المتمردين الذين أخضعهم، وجرت عمليات من نفس النوع قام بها قرة “محمد باشا” 1699-1704م، و”علي أغا” في عام 1711م، وكان والى القاهرة يتولى صيانة الخليج [القناة] الذي يعبر القاهرة والذي يُستخدم كمجرى مياه خلال فيضان النيل، وكمصرف، ويُنفق على صيانته من الأموال العامة ومن مساهمات يدفعها المقيمون على ضفافه. ولكن هذا العمل لم يكن منتظمًا تمامًا فقد كانت هذه القناة مهددة بالردم، ففي نحو عام 1643م قام “مقصود باشا” بنزع ما مقداره ذراع ونصف (حوالي المتر) من الطين([9]).

الشفاء من الطاعون

إلا أن كان هناك بعض الإشارات البالغة الأهمية في تأكيد حرص الأهالي على الأخذ بالوسائل الممكنة في الشفاء من الطاعون، طالما كانت تتناسب مع دخولهم المحدودة على نحو ما حدث في طاعون ” جعفر باشا ” في نفس العام فعندما تأكد للناس أهمية شم “ثمرة النارنج” في الشفاء من الطاعون، أقبلوا دون تردد على شرائها، حتى لقد ارتفع سعرها، فبيعت ب 15 نصف فضة! بسبب شدة إقبالهم على شرائها . كذلك كان الأهالى يلجأون إلى بعض الطرق الوقائية ذات الفعالية الشديدة في مواجهة “جراثيم العدوى” وهو ما أشاد به الرحالة الطبيب “ألبانAlpin ” حين ذكر بأن تعريض المصريات لأنفسهن وأطفالهن وسائر ملابسهن ومنسوجاتهن والمواد الأخرى المنزلية للشمس، طوال شهور الطاعون، طريقة لا يجهل أى طبيب حاذق مدى أهميتها في وقاية الأجسام تماماً من الإصابة بالعدوى([10]).

([1]) ناصر أحمد سليمان: المجاعات والأوبئة فى مصر فى القرن السابع عشر، رسالة ماجستير، آداب القاهرة، 1997م، ص 121.([2]) المرجع نفسه، ص 122.
(*) بيورلدى: فعل ماضي مبني للمجهول من المصدر التركي بيورمق بمعنى أن يأمر ومعنى كلمة بيورلدي هو(أمر بـ ) تحولت هذه الصيغة الفعلية إلى الأسمية وصارت علمًا على الأمر المكتوب بالرسم الهمايوني الصادر من  الصدر الأعظم أو من أحد الولاة، كان هذا الإصلاح يطلق في مصر حتى سنة 1915م على براءات التعيين حتى الدرجة الثانية وعلى الشهادة التي يحصل عليها المتخرجون في الأزهر الشريف؛ انظر؛ أحمد السعيد سليمان: تأصيل ما ورد فى تاريخ الجبرتى من الدخيل: دار المعارف، القاهرة، 1979م، ص ص 49- 50.
([3]) ناصر أحمد سليمان: مرجع سابق، ص ص 122- 123.
([4]) أندريه ريمون: القاهرة تاريخ حاضرة، ترجمة: لطيف فرج، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، د. ت، ص 217.
([5]) أندريه ريمون: المصريون والفرنسيون في القاهرة، ترجمة: بشير السباعي، عين للدراسات والبحوث، 2001م، ص18– 20، 38.
([6]) الجبرتي: عجائب الآثار فى التراجم والأخبار، ج2، الطبعة الثانية عن طبعة بولاق، مكتبة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2014م،  ص 120.
([7]) أمين سامي: مرجع سابق، ج2، ص 41.
([8]) الجبرتي: مصدر سابق، ج2، ص301؛ محمد جلال كشك: ودخلت الخيل الأزهر، الدار العلمية للنشر، د. ت، ص 120.
([9]) أندريه ريمون: القاهرة تاريخ حاضرة ، مرجع سابق، ص ص 216- 217.
([10]) ناصر سليمان: مرجع سابق، ص 128.

فيديو مقال جهود الإدارة المصرية للنهوض بأوضاع المجتمع فى مصر العثمانية