الرئيسية / أدب / قصة / الضياع في زمن الحرب

الضياع في زمن الحرب

ليلة القصف

  (1) 

في فجر ذلك اليوم من أيام رمضان وبينما كان أغلب الناس على وشك الأنتهاء من تناول وجبة السحور     الرمضانية في هدوء يشبه هدوء ذلك الليل الصيفي من شهر تموز الشديد الحرارة. لم يكن أحد يتصور أن الحال

سينقلب فجأة ويتحول إلى جحيم مخيف على الرغم من أن الخطر لم يكن بعيداً عنهم على مرور الأيام السابقة

وطوال أكثر من سنة مضت .فجأة وبدون سابق إنذار تنقلب الأجواء الهادئة إلى ساحة معركة وأي معركة الرصاص في كل مكان قنابل المدفعية تسقط كالمطر يفزع الكثير من الناس يحاولون معرفة ما يجري لا أحد

يستطيع أن يخرج ليستبين الأمور على حقيقتها من شدة النيران والتي أستهدفت منازلهم التي لم تعد آمنة كما في السابق. ينهض حسن مهرولاً تجاه ولده الوحيد فلاح .الولد يسأل والده عما يجري . فيجيب الأب غير مقتنع بالأجابة إنه تعرض مثل سابقاته وسينتهي الامر عند هذا الحد . لكن الأبن يعود ليسأل والده الرصاص والقنابل في كل مكان وكأنه يعي خطورة الموقف .علي الخروج لمعرفة ماذا يحدث وأنت ألزم البيت ولا تقترب من النوافذ هذا ما قاله الأب لولده . أنطلق حسن خارجا ووجد صعوبة كبيرة في التحرك لكنه صادف عدد من الشباب متجهين نحو القطعات العسكرية من الجيش والشرطة لتقديم أي مساعده ممكنه بادرهم حسن بالسؤال

ماذا يجري هل هو تعرض .؟ أتاه الجواب كالصاعقة إنه هجوم وقد تمكن العدو من عبور النهر من  موقعين وهم على مسافة كيلو متر لا أكثر من مكاننا هذا .ذهل حسن وعاد مسرعاً نحو البيت كان جل تفكيره في ذلك الوقت

ولده فلاح عليه إخراجه إلى مكان آمن .

يقول الأب أسرع علينا الخروج العدو على وشك الوصول إلى هنا. رأيت الناس يتركون منازلهم علينا الأسراع الوقت ليس في صالحنا. الأبن ولكن توجد قوات أمنية ستتصدى لهم . الأب نعم يابني وقد ذهب الكثير من المدنيين لتقديم المساعدة لهم . الأبن وأنت يا أبي ألا يفترض بك أن تكون معهم ؟

الأب واجبي الأول هو حمايتك ليس لك أحد في هذه الدنيا غيري وقد وعدت والدتك قبل وفاتها بالحفاظ عليك.

أسرع يابني لنجمع مانحتاج أليه لكن يجب أن لانثقل أنفسنا بالأحمال الكثيرة سنأخذ ما نحتاجه فقط .

الأبن أن كنت تقصد المال فنحن لا نملك الكثير .الأب لدينا مايكفي لخروجنا وهذا يكفي المهم أن لا نتأخر أسرع ولا تكثر الكلام . يخرج حسن وولده فلاح تحت أزيز الرصاص وقنابل المدفعية والتي تسقط في كل مكان دون أن يكون لها هدف محدد . ينتقل الأب وأبنه في طرق بين البساتين لأن الطرق لم تعد آمنة فهي ببساطة أصبحت تحت مرمى النيران .. هناك الكثير من العوائل خرجت علىى عجل من أمرها أطفالاً وشيوخاً ونساءاً تاركين كل شيء خلفهم . فجأة وبعد أن قطع الجميع مسافة لا بأس بها يأتي أحد أفراد الشرطة المحلية ليطلب من الجميع التوقف وعدم التقدم في هذا الطريق لأنه أصبح غير آمن . ولكن أين نذهب وأي طريق نسلك يسأل أحد كبار السن . في الحقيقة لا يوجد أي طريق آمنة الطريق الأكثر آماناً الذي نحن فيه طريق البساتين يجيبه رجل الشرطة.. يقرر الجميع التوقف لفترة وحتى تصبح الطريق سالكة.

يساعد الشباب كبار السن من الرجال والنساء على الجلوس بعد أن أنهكهم المسير الطويل والخطر والصيام في حر تموز شديد الحرارة.

 هروب الناس من منازلهم                                             

         (2)

 فلاح – أبي لماذا يحدث كل ذلك وما الذي يريده هؤلاء لماذا يهاجموننا ؟

حسن- يدعون أنهم قادمون لخلاصنا.

فلاح – ولكن ممن يخلصوننا ؟ وهل قصف البيوت وأخراجنا منها بهذه الطريقة وقتل الصغير والكبير خلاص لنا.

الأب – الأمر أكبر من أن تفهم يابني.

بينما جلس الجميع بأنتظار أن تصبح الطريق سالكة وآمنة تبدأ الأحاديث والتفسيرات والأستنتاجات كل حسب طبيعة فهمه وأدراكه لمجريات الأحداث.

تتحدث إحدى النسوة فتقول إن العدو دخل بأعداد كبيرة جداً . بينما ترد الثانية لديهم أسلحة لا يمتلكها حتى الجيش والشرطة . وهنا تصيح إحداهن ولدي إنه هناك يقاتل مع الشرطة هل مازال على قيد الحياة هل تمكن من الخروج؟ يجيبها أحد كبار السن إتكلي على الله هو الحافظ وبيده خلاصنا . يرتفع صوت أحد أفراد الشرطة إن لم يكن لديهم أحد يساعدهم من المنطقة فسينتهي أمرهم خلال ساعات قليلة. تعترضه إحدى النساء سينتهون لقد وصلوا إلى منازلنا وتقول سينتهون ؟! يصرخ أحد الشباب . إنظروا هناك عربات للجيش والشرطة في طريقها إلينا . ينهض الجميع تقترب القطعات يبدء الناس بالسؤال . ماذا حصل ؟ أين وصل العدو ؟ هل تم التصدي لهم؟ لا جواب الكل مشغول وأجهزة الأتصال الخاص بالقوات الأمنية تعمل بشكل مستمر . العدو قرب النهر نحتاج إلى الأمدادات . يأتي الجواب من أحد ضباط الجيش . الأمدادات في طرقها أليكم إصمدوا لبعض الوقت فقط . يتفائل الجميع القوات الأمنية القادمة ستضيف زخماً جديداً للمعركة لن يطول الأمر أكثر من بضع ساعات وينتهي كل شيء . لكن هناك من يرى غير ذلك ممن خبر الحروب أيام شبابه ..

بينما يجلس جمع الناس منتظرين ساعة الفرج ومن بينهم حسن وولده فلاح . يأتي صوت من بعيد . حسن حسن أبو فلاح . ينتبه حسن بإتجاه الصوت إنه كريم صديقه وجاره .

كريم هذا أنت منذ متى وأنت هنا . منذ الفجر خرجنا مع جمع الناس يجيب كريم .

حسن- وماذا عن عائلتك أين هم ؟

كريم – الأم والأطفال وزوجة مصطفى هناك مع النسوة.

حسن- وماذا عن ماهر ألم يخرج معكم ؟!

كريم – ماهر ذهب إلى أخيه مصطفى ليوصل له طعام السحور وحدث الهجوم وهو الآن هناك ولا نعرف عنه أي شيء حاولت مراراً الأتصال بهم لكن كما تعلم أصبح الأتصال الهاتفي شبه مستحيل .

حسن- يحفظهم الله لا تقلق مصطفى ضابط قديم في الجيش ولديه من الخبرة في المعارك الكثير فلا تقلق.

كريم – ماهر ما زال شاب صغير هو طالب جامعي لا يعرف شيء عن القتال والحروب وهو الآن هناك معهم وسط النيران .

مخيمات المهجر داخل الوطن

   (3)

 توكل على الله يابني فهذا كله إمتحان يأتي الصوت بالقرب منهم حيث يجلس رجل في العقد الثامن من العمر.

ولكن ياعماه ألا ترى ما نحن فيه لا نعرف شيء عن أولادنا وتركنا منازلنا وكل ما نملك يجيبه كريم.

الشيخ – أعلم يابني ولكن إن أردنا الأستمرار فعلينا بالتضحيه.

وهل من العدل أن يضحي قسم منا لينعم غيرنا. يرد حسن ويظهر عليه عدم الرضى.

الشيخ- هذه علامات لو إننا أمعنا النظر من خلالها لفهمنا المغزى . سأعطيك مثالاً ولكن أخبرني ماهو عملك؟

يجيب حسن وهو غير مكترث. مزارع لماذا تسأل؟

الشيخ- وهذا ما خمنته . لو إنك وأتناء عملك في الحقل تعرضت لوخزة من الأشواك طبيعي ستشعر ببعض الألم

ولو لوقت قصير لكن سرعان ما تنسى ذلك الألم لتعود إلى ممارسة عملك لكن ستكون هذه المرة أكثر حذراً

من السابق . أليست الوخزة التي تعرضت لها علامة؟.

كريم – ولكن ياشيخي هذه الوخزة مؤلمة اولادي لا أعرف عنهم شيء هل هم أحياء أم أموات .وأنت تتحدث عن الأمر بكل بساطة ..

الشيخ- يوماً ما ستفهمون كلامي أنا أعلم إنكم الآن في ضياع أفكاركم مشاعركم كلها مرتبكة لكن عندما تحاولون قراءة وفهم ما يحيط بكم ستفهمون نعم ستفهمون كل شيء. وأرجو أن لا يحدث ذلك بعد فوات الآوان

. ليس من المعيب أن نخطأ لكن من المعيب أن يتكرر نفس الخطأ. ( والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين).

خلال هذا النقاش وبينما جمع الناس ينتظر يأتي صوت أحد أفراد القوات الأمنية وهو يمسك بمكبر صوت.

ليعلن للجميع أنه أصبح بأمكانهم التحرك لكن من خلال مجاميع صغيرة لتفادي الخطر.

ينهض كريم ويأخذ بيد الشيخ ومعهم حسن وإبنه فلاح لينطلقوا في رحلة المجهول . رحلة قد لا تكون بعدها عودة . لا أحد منهم يعلم وجهته الحقيقية كل ما يشغل تفكيرهم هو الخروج والأبتعاد عن الخطر.هي رحلة مغامرة ومستقبل في منتهى السواد . سلبت منهم حياتهم منازلهم مزارعهم دون ذنب يذكر . هل يعقل أن يحدث ذلك كله بين ليلة وضحاها . ماذا بعد الفرار من الموت . وهل يكون الموت أهون مما تخفي الأيام القادمة هل سيقول من هرب ليتني لم أكن ولم أشاهد كل ماحصل والأمر منه المجهول في الأيام القادمة . هل تنتهي حكايتهم ل ولكن ياعماه ألا ترى ما نحن فيه لا نعرف شيء عن أولادنا وتركنا منازلنا وكل ما نملك يجيبه كريم.

هل تنتهي حكايتهم لمجرد هروبهم أم ستبدأ فصول حكاية أخرى في مخيمات المهجر داخل الوطن؟! مجرد هروبهم أم ستبدأ فصول حكاية أخرى في مخيمات المهجر داخل الوطن؟!

فيديو قصة  الضياع في زمن الحرب