الرئيسية / فلسفة / نبوءة ملحد

نبوءة ملحد

المقدمة 

في كتابه “سقوط العالم الإسلامي : نظرة في مستقبل أمة تحتضر.” الصادر سنة 2010، طرح الكاتب المصري «حامد عبد الصمد» فكرة استلهمها من كتاب “سقوط الغرب” للكاتب الألماني «أوزفالد شبنجلر».

تقول الفكرة أن الحضارة لا بد و أن تمر بثلاثة مراحل، الولادة و الطفولة و الشيخوخة، كما قال «إبن خلدون» و «شبنجلر».
و دعم فكرته بأنه كان يرى في العالم الإسلامي شيخوخة متقدمة جدا أودت به إلى حالة من الجمود و الركود و عدم الإنتاج، المادي و الفكري، و إهمال كل قضايا الحياة السياسية و الإجتماعية الأساسية، حتى أصبحا الخبز و اللعب شغله الشاغل، فبات يهرب من واقعه و شيخوخته إلى الطفولة التي يجد فيها قوته فيحن إلى تمجيدها و تعظيمها و راح يبحث عن تبريرات تدعم تهالكه و شيخوخته. و في صفحات متقدمة من كتابه، طرح «عبد الصمد» أهم الأمراض التي أودت بالعالم الإسلامي إلى الشيخوخة.

حب السلطة و مرض الإسلام 

يقول «عبد الصمد» أن تحالف غير مقصود قد أعاق كل الحركات الإصلاحية التنويرية. تحالف بين تيار الأصوليين من جهة و رجال السلطة من جهة أخرى ضد هذه الحركات. كان الحكام يمارسون ضغوطات على المفكرين المستشرقين و يضايقونهم حتى الإستسلام أو الرحيل، لأنه ليس من مصلحتهم توعية المجتمع، فذلك يعني ثورة شعبية تؤدي بهم إلى فقدان السلطة و النفوذ.

أما الأصوليون، فقد كانوا يكفرون كل مستشرق و مفكر يدعوا للتجديد، من أجل السلطة أيضا، و كان الحشد من المجتمع يساندهم و يقف معهم ضد هؤلاء المفكرين لأنهم يبرهنون مواقفهم بالنصوص القرآنية ‘الثابتة و المقدسة و التي لا جدال حولها’ كما يزعمون.

أما المفكرون فهم الذين لا حول لهم و لا قوة، فينهزمون في المعركة، و الخاسر ليس هم، بل الشعب ‘المضحوك عليه’ فيخسر في كل مرة خطوة إلى الأمام، نحو الحداثة و التقدم… و هذا يصنع من الشعوب ما أسماه «عبد الصمد» ب ‘فراخ الوزارة’ التي لا تقاوم و لا يهمها سوى ما يملأ بطنها.

فسر الدكتور «حامد» وقوف عامة الناس مع الأصوليين ضد المستنيرين بضعفهم و خوفهم الذي يجعلهم يعودون للدين فيتمسكون به و يوكلون إليه مصائبهم، لأن العودة إليه تقوي إيمانهم فيزيل عنهم الهم و الغم و ينسوا مشاكلهم.
تحدث «عبد الصمد» عن مرض أسماه “مرض الإسلام”، و دعم فكرته بأطروحة الكاتب التونسي «عبد الوهاب مدب» الذي نشر كتابا إنتقد فيه فكرة “أسلمة الحل” و هي عودة المسلمين للإسلام في كل حادثة، فيقولون أن الحل هو العودة إلى الإسلام و أن مشكلتنا هي الإبتعاد عن الدين. كان هذا، حسب «عبد الصمد»، سببا في تخلف المسلمين لأنهم يحاولون حل المشكلات بفكر متحجر لا يتماشى مع روح العصر و لا يجيب على أسئلته.

ديناميت اسمه التاريخ 

كتب «عبد الصمد» عن مرض تنامى و تفشى في الدول العربية الإسلامية أسماه “ديناميت إسمه التاريخ”، و قال أن العرب لا يجيدون قراءة التاريخ أو أنهم لا يريدون أن يقرؤونه قراءة منطقية. كل الأنظمة العربية تريد أن توصل فكرة واحدة للشعوب و هي أن الغرب كافر و شيطان و لا يأت الخير منه أبدا و أنه هو المسؤول عن تأخرهم. و في مقابل ذلك، فإن العربي هو دائما مسالم و خلوق.

فيقول أن العرب إذا قرأوا تاريخهم القديم مع الغرب، فإنهم لا يقرأون إلا عن الحروب الصليبية و ينسون غزواتهم التي يسمونها ‘فتوحات مباركة’. و إذا قرأوا تاريخهم الحديث معهم فهم لا يقرأون سوى عن الإستعمار و إحتلال فلسطين و العراق و ينسون أحداث الحادي عشر من سبتمبر و العديد من التفجيرات و العمليات الإرهابية….
طرح «عبد الصمد» هذه الفكرة و إستنتج منها أن الأنظمة العربية الإسلامية تريد أن تزرع الحقد و الكراهية في شعوبها لتبرر تأخرها.

في هذا السياق، شبه الدكتور «حامد» كتاب التاريخ بقصيدة عربية من العصر “الجاهلي” ، فيقول أن الجزء الأول من الكتاب مخصص لتمجيد و تعظيم الدولة الإسلامية و الإفتخار بالغزوات التي يسمونها ‘فتوحات مباركة’، و هذا الجزء شبيه بأبيات البكاء على الأطلال في القصيدة و الإفتخار بالنسب… و يخصص الجزء الثاني من الكتاب لدراسة الحروب التي أطلقوا عليها إسم “الحروب الصليبية” رغم أن كلمة “الصليبيين” لم تكن معروفة في تلك الفترة، بل كان العرب يسمون الغزاة الغربيين ب”الفرنجة”، لكن المؤرخين العرب بدلوها ب “الصليبيين” لكي يجعلوا الخلاف دائما ديني لا عرقي، و هذا الجزء من الكتاب يشبه الجزء الذي يمدح حبيبة الشاعر و يذم كل من يعاديها و يعادي أهلها.

برهن الدكتور «حامد» إستنتاجه بأن الحملة التترية على العالم الإسلامي كانت أكثر خرابا و دمارا من الحملات الصليبية. فقد دمر المغول كل المكتبات و أحرقوا الكتب و أختطفوا أمهر الحرفيين إلى آسيا، و مثلت الهجمة المغولية نهاية للعصر الذهبي، العصر العباسي. و رغم ذلك، فإن كتاب التاريخ لا يخصص لهذه الهجمة سوى صفحة و نصف، فيما يخصص للحملات “الصليبية” إثنان و خمسون صفحة رغم أنها كانت أقل دمارا و تأثيرا.

فسر «عبد الصمد» هذه المفارقة بأن ليس للمغول وجود حقيقي في هذا العصر، فلا داعي لأن ندرس تاريخهم معنا لأننا لا نستطيع أن نحقد عليهم و نوجه لهم إتهامات تبرر تخلفنا، على عكس “الصليبيين” الذين مازالوا موجودين و يمكننا أن نحقد عليهم و نوجه لهم أصابع الإتهام.

إستنتج الدكتور «حامد» في النهاية أن العرب لا يحسون بوجودهم إلا إذا كان العدو موجود، و شبه هذه الحالة بتجربة الخجل التي تحدث عنها «جون بول سارتر» و قال أن العرب في فترة ما، لم يكونوا يحسون بالتخلف و لا النقص و لا شيء حتى أطل عليهم «نابوليون بونابارت» بجيشه و إحتل مصر، و أمسكهم بجهلهم و تخلفهم متلبسين، حينها بدأ العرب يحسون بالتخلف و العار و كانت نظرات جنود “بونابارت” تذكرهم بجهلهم… فيزداد كره العرب للغرب و حقدهم عليهم.

هنا، لام «عبد الصمد» عن الأنظمة العربية و قال أنهم لا يجيدون التعامل مع الماضي. و علق أن البريطانيين إذا إستعمروا بلدا فإنهم يهتمون بإستغلال موارده و إستعباد شعبه و لا يقومون ببناء المدارس و لا الطرقات و لا ينشرون علمهم و ثقافتهم كيلا يستفيد منهم العرب فيحتج العرب و يلومون عليهم بخلهم و أنانيتهم… على عكس الفرنسيين الذين يقومون ببناء المدارس و إنشاء الطرقات فيلومون عليهم أيضا بحجة أن الغرب يريد أن يدنس الحضارة و التعاليم الإسلامية. في كل الحالات، يظل العرب يتباكون على الماضي و يوجهون كل الإتهامات للغرب أنهم المسؤولين على تخلفهم.

تعليم أم إرهاب!

مرة أخرى، بعد أن إنتقد كتاب التاريخ، عاد «عبد الصمد» لينتقد المناهج التعليمية في الدول العربية و يؤكد على أنها باعثة للحقد و الكراهية و قال أن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر طالبت الأمم المتحدة الدول العربية ب “تطهير” مناهجها التعليمية من الحقد لأنها تصنع إرهابا و إرهابيين.

إنتقد الدكتور «حامد» الأساليب التي تبنتها الأنظمة العربية أثناء “تطهيرها” لمناهجها التعليمية، فهو يرى أن مراجعة هذه الدول للبرامج الرسمية كانت سريعة و ذلك بسبب تسابق الدول العربية لتلبية طلب الأمم المتحدة و الولايات المتحدة الأمريكية فكانت النتيجة تنقية جزئية، ليست كلية، للكتب الصانعة للإرهاب. و برهن إستنتاجه بتقرير نشرته الأمم المتحدة سنة 2006 كانت قد إستعارت فيه نصوصا باعثة للعنصرية و التطرف لم أعد أتذكرها. لكن في نفس السياق، أتذكر أمثلة كان قد إستعارها الدكتور «سيد محمود القمني» من كتاب التوحيد في السعودية في مناظرة بينه و بين الدكتور.

في برنامج “الإتجاه المعاكس” حول ضرورة تغيير المناهج التعليمية سنة 2004. يقول النص الأول “إبغض في الله، المخالفين و المعرضين عن أوامر الدين الصحيح”، يقول النص الثاني “الفرق المخالفة من جهمية و معتزلة و أشاعرة و صوفية قلدوا من قبلهم من أئمة الظلال فظلوا و انحرفوا و هي فرق ظالة..”

و يقول النص الثالث و هو أسوأ مثال و أخطرهم من بين التي تم ذكرها حيث قال فيه «القمني» (يعني شق البلد نصين بالكلام ده..) الإحتفال بمناسبة المولد النبوي تشبه بالنصارى يحتفل به جهلة المسلمون و العلماء المظلون الأكالون..” و علق «القمني» قائلا ” إيه يقلي أبغض في الله، أنا أعرف أن ربنا ده حب، محبة… آه هو بالمناسبة عنده فرصة إنك تحب الله، أقلك، محبة الله لها علامات، منها العزة على المخالفين و الكافرين و أن يظهروا لهم الغلظة و الشدة. يعني عايز تحب ربنا، إكره خلقه.” طيب ده كلام يدرس و نسأل هو الإرهاب جاء منين ؟؟؟ ما هو الإرهاب أهوه…”

كانت هذه الأمثلة التي إستعارها «القمني» من كتاب التوحيد مشابهة تماما للأمثلة التي ذكرها «عبد الصمد» في كتابه و التي إستعارها من تقرير الأمم المتحدة بعد مراجعتها للمناهج التعليمية “المطهرة من الإرهاب و الحقد”.
زيادة على ما سبق ذكره، إنتقد «عبد الصمد» كيف أن معظم دول الخليج قد إستشارت خبراء غربيين في مجال التكنولوجيا لإظفاء صبغة تكنولوجية في مدارسها مثل إستعمال “الآي بود” و الحواسيب ليصبح التعليم رقمي لكنهم لم يسمحوا للخبراء بالتدخل في البرامج الرسمية فذلك يعتبر مس لهيبة الدولة و خرق لسيادتها.

قصة طفلة إسمها «وفاء» 

ما أعرفه شخصيا عن الدكتور «حامد» أنه معارض جدا لعادة و ظاهرة ختان البنات. فقد قرأت له نقدا لهذه العادة في روايته الأولى “وداعا أيتها السماء” و ها أنا أجده يكرر إنتقاده لهذه العادة في هذا الكتاب “سقوط العالم الإسلامي” و يكتب بمرارة عما تعرضت له «وفاء» إبنة أخته التي إختتنت مرتين بعد أن تعرضت لنزيف في المرة الأولى.

يقول أنه عاد من ألمانيا لزيارة أهله في مصر، و ذهب عند عائلة أخته فإذ به يتفاجئ بمشهد إستفزه و أثار غضبه، «وفاء» إبنة أخته ملقاة على سريرها تنظر إلى السقف لا تستطيع أن ترى غيره و لا تستطيع التحرك… عرف «عبد الصمد» أنها إختتنت و علم من العائلة أنها تعرضت لنزيف فزاد غضبه.

و قرر أن يعقد مؤتمرا في القرية دعا فيه أطباء و شيوخا من جامعة الأزهر و صحفيين و دعا والده بصفته شيخ القرية و إمام المسجد لطرح الموضوع و نقاشه من وجهة نظر دينية و علمية… كان «عبد الصمد» فخورا بالقيد الذي تجاوزه و طرحه هذا الموضوع للنقاش لأول مرة في القرية و كان عدد هائل من نساء القرية قد تسللن لحضور المؤتمر.

و لكن ما أساء غضبه في المؤتمر أن الحاضرين لم يقتنعوا برأي الطبيب الذي ندد بختان الإناث و قال أن له نتائج سلبية على صحة و جسد المرأة و صدقوا و صفقوا لشيخ الأزهر إذ قال أن الختان قد أوصى به النبي “صلعم”. فعلق غاضبا “لما تحصل لبناتكم حاجة، يبقى خدوهم لشيخ الأزهر يداويهم”. و أضاف أن ختان الإناث عادة سابقة للإسلام. إستوردها المصريون القدامى من الصومال حيث كانوا يختتنون الإناث لأنهم يعتقدون أن الشيطان يسكن في رحم المرأة و قد ورثها اليهود عن المصريين، و ورثها المسلمون عن اليهود.

كان الدكتور «حامد» قد وعد «وفاء» بأن يأخذها معه لأمانيا لمواصلة تعليمها هناك، لأنها كانت متميزة في دراستها و متفوقة في مجال اللغات خاصة. لكن والدها كسر حلمه و حلمها بتزويجها في سن الرابعة عشرة لتصبح أما في سن الخامسة عشرة.
حصل كل هذا و الدكتور «حامد» لم يكن على علم به.

تعقدت الأمور و ساءت الوضعية، لأن «وفاء» لم تستطع العيش مع حيوان بشري لا يحترمها كإنسان و لا يحترم أحاسيسها و مشاعرها، بل لا يراها سوى أداة للجنس و المتعة و خدمته فقط. هجرت «وفاء» بيت زوجها و أبت أن تعود للعيش معه و أبى هو أن يعترف بإبنه و يسجله في دفتر الحالة المدنية إن لم تعد للعيش معه…هكذا إذا، تدمر مجتمعاتنا العربية الإسلامية نساءنا و بناتنا بتزويجهن في سن مبكرة جدا. فينقطعن عن الدراسة و تصبح المرأة خادمة زوجها و أداته لإشباع رغباته الجنسية فقط..و قصة «وفاء» في هذا الموضوع، قياس للكثير من نساء و بنات العالم العربي الإسلامي.

 الطبيعة تهدد حياتنا 

ختم الدكتور «عبد الصمد» كتابه بحديثه عن الكوارث الطبيعية المتوقع أنها ستهدد العالم العربي الإسلامي في المستقبل، الجفاف و التصحر يزداد عاما بعد عام. و عليه، فإن الدول العربية الإسلامية تخسر في كل سنة هكتارات من الأراضي الزراعية و لهذا تأثير سلبي على إقتصاد هذه الدول.

زد على ذلك، تؤكد معظم الدراسات أن آبار النفط و الغاز التي يرتكز عليها إقتصاد الكثير من الدول العربية الإسلامية لن تستمر لأكثر من ثلاثين سنة، و لهذا أيضا تأثير سلبي على الإقتصاد. لذلك يؤكد أن على الدول الإسلامية التوجه للطاقات البديلة كحلا مستقبليا كيلا تنهار و تسقط في مربع المجاعة تحت خط الفقر.

تحياتي إلى الكاتب الدكتور «حامد عبد الصمد» و إلى كل إنسان جريء لأن يتقبل عيوبه و يواجهها.

فيديو مقال نبوءة ملحد

 

أضف تعليقك هنا