الرئيسية / إسلام / عموميات في علم النسب

عموميات في علم النسب

علم النسب

ترددت كثيراً قبل أن أكتب في هذا الموضوع لكونه شائك ومعقد ويثير الكثير من المشاكل والحساسيات، ولكنني قررت أن أكتب فيه بشكل عام دون أن أتدخل في نسب قبيلة أو أسرة بعينها، وسأحاول ما استطعت معالجة بعض النقاط التي أثارت لغطاً كبيراً في الصفحات الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي:

النقطة الأولى: رجوع بعض القبائل في نسبها لجد واحد

النقطة الثانية: تضارب الأنساب لدى بعض القبائل

النقطة الثالثة: القبيلة تجمعات من قبائل شتى

النقطة الرابعة: عدم التكلف في ادعاء النسب

النقطة الخامسة: حديث ((كذب النسابون))

النقطة السادسة: النسب وشريعتنا الإسلامية

أولاً- رجوع بعض القبائل في نسبها لجد واحد:

تطالعنا بعض الأبحاث والمقالات والردود في طعنها وإنكارها لرجوع بعض القبائل في نسبها لجد واحد، فهم يرون استحالة تشكل القبائل من رجل واحد، وأن هذه القبائل إنما تكونت نتيجة تجمعات أسرية ومن ثم صارت قبائل.

وهؤلاء يتقمصون النظريات والأفكار التي تنكر رجوع الجنس البشري لرجل واحد وامرأة واحدة (آدم وحواء)، فهناك من يرى أن الجنس البشري كان مكوناً في الأساس من مجموعة من الرجال والنساء وان كل رجل تزوج بامرأة ومن ثم تزوج الأبناء من بعضهم بحيث لم يتزوج الأخ من أخته، أي أنهم ينكرون تزاوج الأشقاء من أبناء آدم في الطبقة الأولى من الجنس البشري.

ولعل الحاضنة الأساسية لهذه الأفكار نظرية داروين في تطور الأنواع، علما ً بأن أغلب المنادين بهكذا نظريات يرون أن الجماعات البشرية الأولى كانت تعيش حياة المشاعة الجنسية، ونسوا في الوقت نفسه أن هكذا زيجات كانت موجودة في التاريخ الفرعوني المصري والتاريخ الفارسي والتاريخ الروماني حفاظاً على العرش.

فالبشرية تعود في أصلها لجد واحد هو آدم، ومنه ومن حواء أنجب التوائم وكان ذكر كل توءم يتزوج بأنثى الآخر والعكس صحيح، ومن ثم حرم الله عز وجل زواج الأشقاء بعد ذلك، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونساء))[النساء : 1]

((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُن إليها)) [الأعراف : 189]

وبالتالي فإن انتساب القبيلة لرجل واحد صحيح وواقع في الحياة، والطعن في انتساب القبيلة لرجل واحد يقودنا للطعن في انتساب العشيرة لرجل واحد، ومن ثم الطعن في انتساب الأسرة لرجل واحد.

ولدينا من الدلائل التاريخية ما يؤكد على إمكانية انتساب القبيلة لرجل واحد:

  • فإبراهيم عليه السلام أنجب إسماعيل وإسحاق، وإسماعيل أنجب أمة متكاملة فكان ذلك استجابة من الله عز وجل لدعواهم: ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة : 128]
  • وإسحاق أنجب يعقوب الذي أنجب بدوره الأسباط الأثني عشر والذين شكلوا قبائل بني إسرائيل.
  • وبنو هاشم تكاثروا من رجل واحد، ثم من علي بن أبي طالب رضي الله عنه تناسل العلويون وشكلوا قبائل لا قبيلة واحدة، والأمر نفسه بالنسبة للعباسيين الذين تناسلوا من العباس رضي الله عنه.

ثانياً- تضارب الأنساب لدى بعض القبائل:

نلاحظ وجود تضارب في النسب لدى بعض القبائل ولا أنوي ذكر اسم قبيلة بعينها، ولكن هذا التضارب يعود لأحد أمرين:

الأمر الأول- تضارب الروايات لدى هذه القبائل فيما يتعلق بنسبها.

الأمر الثاني- إن هذه القبيلة فعلاً لا تعود في نسبها لجد واحد، بل إن كل عشيرة أو فخذ يعود لقبيلة معينة أو لجد معين، ولكن التجمع القبلي والسكن المشترك أعطاهم اسماً واحداً اتجاه القبائل الأخرى.

وهذا الأمر بدوره يقودنا للنقطة الثالثة التي نود إثارتها وهي:

ثالثاً- بعض القبائل ناتجة عن تجمعات من قبائل شتى:

هذه النقطة بالذات لا تعتبر انتقاصاً من القبيلة الجامعة لفروع تلك القبائل مادام كل فرع منها يعرف أصله، فالأمر يصير في هذه الحالة كالقرية أو المدينة التي تجمع بين أسر أو قبائل شتى، ولكن تجمعهم وحدة السكن ووحدة المصير، فيقال آل فلان أو بني فلان ويبقى كل رجل يعرف نسبه ولمن يرجع.

ولكن التجمع يفرض عليهم الاشتراك في العادات والتقاليد والتزاوج فيما بينهم والتعايش والتآلف وعدم التناحر، والأمر نفسه ينطبق على القبيلة التي تجمع في حناياها فروع من قبائل شتى، فهي أشبه بالقرية أو المدينة المتحركة.

ومن نافلة القول إن بعض القبائل العربية الصريحة التي تعود في نسبها لجد واحد قد ضمت في حناياها فروعاً من قبائل أخرى، فصاروا محسوبين عليها لهم ما لها وعليهم ما عليها، ولكن عندما تُذكر الأنساب يعود كل منهم لأصله.

رابعاً- عدم التكلف في ادعاء النسب:

هناك من يكلف نفسه فوق طاقتها في ادعاء النسب، فيحاول نسبة نفسه أو قومه لبعض القبائل وليس له أي مستند سوى تشابه في الأسماء وبعض القصص التي تحمل تأويلات مختلفة والتي غالباً ما تكون بعيدة عن الصحة والواقعية.

فقد يحاول ربط نسبه بأحد الصحابة مثلاً لمجرد أن يقال لهم بني فلان أو آل فلان وكان اسم الجد هذا المنتسبين له يطابق أحد أسماء الصحابة، ونسي في الوقت نفسه أن الكثير من الأسماء تتطابق.

ولقد سألني أحدهم مرة عن نسبي فقلت له: أنا حسيني، فقال: هل ترجع لآل البيت، فقلت له: إن نسب آل البيت يشرفني ولكنني حسيني انتسب لقبيلة عنزة الوائلية التي ترجع لربيعة العدنانية، ولا انتسب لبني هاشم الذين يعودون لمضر العدنانية.

فهل يمكن أن ادعي النسب الشريف بمجرد أن يقال عني إنني حسيني، كلا، فقد قال الله عز وجل: ((ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ))[الأحزاب : 5]

فمسألة النسب مسألة خطيرة جداً، وانتساب الرجل لغير قومه غير جائز شرعاً.

خامساً – حديث (كذب النسابون):

روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا

انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان بن أدد، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون.

قال ابن عباس: لو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه لعلمه.

ونلاحظ أن بعض النسابين في تراثنا العربي قد وصلوا نسبهم بآدم عليه السلام، وكان اعتمادهم في ذلك على ما ورد من أسماء في التوراة.

ولقد نظرت في تلك السلسلة فوجدتها غير صحيحة، فالعهد ما بين إسماعيل عليه السلام وآدم عليه السلام قريب جداً بحسب هذا التسلسل، وهذا ما لا يقبله عقل، فعدد الجدود أكثر من ذلك بكثير.

والرسول صلى الله عليه وسلم لما كذب النسابين فوق معد بن عدنان كان يدرك خطورة هذه المسألة، حتى لا يتكلف الناس في ادعاء أسماء وهمية لملئ الفراغات في سلسلة النسب.

وإذا عدنا لنسب القبائل العربية العريقة في وقتنا المعاصر لوجدنا فراغات شاسعة في سلسلة النسب، إذا ما حاولنا ربطها زمنياً من خلال حساب السنين على عدد الأجداد.

وبالمقابل فإنك إن سألت احد أبناء هذه القبائل عن نسبه فذكره لك، ثم طبقت عليه البرنامج الزمني لوجدت الكثير من الحلقات المفقودة.

ولكن هذا الفقد في السلسلة لا ينفي صحة النسب، فالنسب صحيح لا غبار عليه.

فهو متوارث كابراً عن كابر بواسطة آلية حفظ دقيقة أطلقت عليها اسم (( الذاكرة الجمعية للقبيلة )).

فابن القبيلة ونتيجة عدم التدوين قد يحفظ في سلسلة نسبه خمسة أو ستة جدود، ولكنه بنفس الوقت يعلم هو وجميع أفراد القبيلة أنه ابن هذه القبيلة بشكل صريح لا يدع مجالاً للشك.

سادساً- النسب وشريعتنا الإسلامية:

أكدت الشريعة الإسلامية على أهمية النسب، فلقد انتسب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:

أنا النبي لا كذب ………………………أنا ابن عبد المطلب

ولكن في الوقت نفسه جعلته في المرتبة الثانية بعد الدين (التقوى)، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)).

وعمر رضي الله عنه يقول عن أبي بكر وبلال الحبشي رضي الله عنهما: ((هذا سيدنا وأعتق سيدنا)) ، وعمر رضي الله عنه لما وضع ديوان الأعطيات وضعه على أساس النسب فبدأ بآل البيت ثم بني هاشم ثم من يليهم من المهاجرين والأنصار.

ولكن إذا جمع الرجل شرف الدين وشرف النسب، فتلك مكرمة عظيمة قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام)).

وأخيراً وبعد كل هذا الكلام المطول في الأنساب، أقول للجميع:

إن أشرف الأنساب هو أن نحشر تحت راية سيد الخلق ويكون شفيعنا ونشرب من يده الشريفة على حوضه الشريف، في ذلك اليوم الذي لا أنساب بينكم، وإليكم هذه القصة الرائعة عن أشرف الناس نسباً زين العابدين رضي الله عنه، فلقد روى  طاووس أنه رأى شاباً متعلقاً بأستار الكعبة ، فإذا هو الحسين بن علي الملقب بزين العابدين رضي الله عنه، وكان يدعو الله ويبكي قائلاً: سبحانك تعصى كأنك لا ترى، وتحلم كأنك لم تعص، تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيدي الغني عنهم ثم خرّ إلى الأرض ساجداً، فقال طاووس: يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جافون! أبوك الحسين بن علي وأمك فاطمة الزهراء وجدك رسول الله قال: فالتفت الي وقال: هيهات هيهات يا طاووس دع عني حديث أبي وامي وجدي، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان قرشياً، أما سمعت قوله تعالى {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ} والله لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدمها من عمل صالح».

فيديو مقال عموميات في علم النسب

أضف تعليقك هنا