الرئيسية / تاريخ / جسر موستار القديم

جسر موستار القديم

جـســر ستاري موست القديم  Stari Most

هذا الجسر بصغره وبساطته رمزاً  للتواصل والتعايش وهو الأجملعنديمن بين جسور. يمر فوق نهر نيرتيفا في مدينة موستار عاصمة أقليم الهرسك، في دولة البوسنة والهرسك، كان هذا الجسر العثماني ذو الخمسة قرون رابط مهما ما بين طرفي المدينة بل قل ما بين شرق وغرب، وفي حرب التسعينات بعد أنهيار دولة يوغسلافي السابقة قامت القوات الكرواتية بقصف الجسر تكراراً وأسقاطه، وليس ذلك لضرورة عسكرية أنما أسقطته فقط لأنه يرمز لحقبة أراد الكروات محوها من الذاكرة!حقبة كانت فيها تلك البلاد ذات التنوع الديني متعاشية منسجمة لقرون،في تسعينات القرن الماضي شاهدنا شخصياً هدم الجسر في الأخبار، وكيف بعد أكثر من عقد من الزمن تعاونت الأمم لبنائه بأستخدام كثيراً من حجارته الأصليه و بنفس التقنية والهندسة العثمانية القديمة. تابعت أخباره وتمنيت أن أزوره وأعبر من فوقه لكلا الضفتين وكأن المرور فوقه يردم نهر الألام.
هو جميل بكل تفاصيله لكن حجارته زلقةجداً الى درجة أنها تدفع كثيراً من المارة على التوكأ على سياجه والقضبان الحديدية فوقها للمرور بسلام من   على ظهره.

الوضع في البوسنة والهرسك كوضع جسر موستار هش زلق قد يتهاوى

وهكذا هو الحال في البوسنا والهرسك هش زلق قد يتهاوى كما تهاوى جسر موستار وللأسبابنفسها في زمان تتزايد فيهالكراهية والحقد الطائفي
والعنصري، القادم لهذه البلاد لا يستطيع التفريق بين أبنائها ألا من أسماء الأشخاص أحياناً،تلك الشعوب السلافيه التي طالما تمنت الأستقلال تحت
مسمى السلاف تخلت عن تلك الأمنية يوم أنهارت دولة يوغسلافيا فصار الدين هو الهوية، بديلا عن الأصل والعرق والقومية، بل بديلاً عن تلك الأحلام والأمنيات في الوحدة.

من هم شعوب السلاف؟

يجدر الأشارة الى أن السلاف أكبر مجموعة عرقية لغوية في أوروبا، ولهم أصل مشترك وهو أصلهم الهند وأوروبي، حيث أن السلاف الأوائل تعود أصولهم
إ
لى السهول في المنطقة الواقعة في أوكرانيا والأجزاء الجنوبية من روسيا وهاجروا بصورة رئيسية  الى وسط، شرق وجنوب شرق أوربا.

تصنيفات مجموعة السلاف

  • السلاف الشرقين (البيلاروسين، الروس والأوكرانين)
  • السلاف الغربين (التشيك، البولندين، والسلوفاك)،
  • السلاف الجنوبيين(بشكل رئيسي البوشناق /البوسنين، الكروات، الصرب، البلغار، المقدونين، المونتينيغرين والسلوفينين).

 بعد قرون من الأختلاف في الدين تفرق السلاف الى مجاميع سلافية متنوعة حسب معتقداتها الدينية، والتي مارستها تلك الشعوب عبر قرون من الزمن والتي فرضت عليها نمط مختلف من الحياة والتقاليد الأجتماعية والثقافية بل والتحالفات مع الشعوب الأخرى.

أمثلة على أديان شعوب اسلاف

السلاف الأرثوذكس: 

ينتميإليهمالبيلاروسين والبلغار والمقدونيين والمونتينيغريين والروس والصرب، ويتم تعريفهم من خلال العادات والتقاليدالأرثوذكسية الشرقية بالإضافة إلى  ارتباطهم الثقافي بالإمبراطورية البيزنطية (كما يستخدم الصرب نفس الأبجدية اللاتينية)، هذا يفسر لماذا   تقف روسيادوماً معهم في الخندق نفسه،

مذهب الكنيسة الرومانية الكاثوليكية

يشمل: الكروات، التشيك، البولندين، السلوفاك والسلوفينين، ويتم تعريفهم من خلال تأثيرهم اللاتيني وتراثهم وارتباطهم بأوروبا الغربية.

ثاني أكبر ديانة مُعتنقة

الإسلام، ومنهم طبعاً البوشناق البوسنيين، ويتم تعريفهم منخلال هويتهم الأسلامية القريبة جداً شكلاً ومضموناً من مسلمي تركيا والدولة العثمانية  سابقاً، لكنهم حريصون ومنذ منتصف القرن الماضي على تعريف أنفسهم بأنهم بوسنيون وليسوا تركاً، فعلا سبيل المثال رغم الشبه الكبير بين مطبخهم والمطبخ التركي فأنهم يحرصون على وصفه بالبوسني (وليسالتركي!).

السلافيين كانوا جزء من الدولة العثمانية وليسوا أتراك

ما يحرص عليه أهل هذه البلاد، فأنت أذا ما سألتهم عن مطعم تركي يقولون لك لا يوجد لكن مطعمنا هذا بوسني وأنت لن تجد فرقاً واضحاً بين الأثنين، هم يعتزون بأنهم كانوا جزء من الدولة العثمانية ألا أنهم يؤكدون لك أنهم ليسوا أتراكاً يريدون من الجميع، بل من الصديق قبل العدو أن يفهم أنهم من أهل الأرض الأصليين، فهم شعوباً سلافية كما الصرب كما الكروات وهم سلافاً بوسنيون، ورغم ذلك ما زال ليومنا هذا هناك من يظن (وأنا شخصياً كنت لوقت قريب منهم)أن البوسنيين هم بقايا الأتراك، رعايا الدولة العثمانية التي حين سقطت وأنحسرت تركت رعاياها مشردين دون مأوي ولا نصير، وهذا خطأ جسيم وهو ما يريده أعدائهم فهم يطلقون عليهم الترك فقط لأنهم مسلمون، فبوصمهم تركاً يسهل عليهم تطهيرهم عرقياً فهم (بذلك الأفتراء والتزوير)تركا لا ينتمون لتلك البلاد.

والحق أنهم من أهل البلاد الذين أستوطنوها لقرون عدة قبل مجيئ العثمانيون، بل الحقيقة الأهم الذي يغفله الكثير أنهم دخلوا في الأسلام بحوالي القرن من الزمن أو يزيد قبل قدوم العثمانيون لتلك البلاد. ولما كانوا ذو بأس شديد أعتمد عليهم العثمانيون، فبسبب دينهم الأسلامي كانت لهم حضوة في تعامل الدولة العثمانية فصار منهم القادة والأستقراطين.

هؤلاء أنحسر نفوذهم بتراجع الدولة العثمانية وتوالي الثورات عليها حتى فقدت الدولة العثمانية نفوذها وحكمها للبلقان،وفي نهاية المطاف قام العثمانيون
بالتنازل عن إدارةتلك البلاد إلى المملكة النمساوية المجرية سنة1878، حاولت بعدها دولة النمسا والمجر أن تحافض على نموذج التعايش السلمي بين مختلف الأديان في البوسنة والهرسك (المسلمين، الصرب والكروات)وبالخصوص في سرايغو (تأسستعام1461موالتي كانت تسمى قدس أوربا لتعدد  الأديان فيها رغم أن الكثرة للمسلمين.  

وعبر قرون عدة أدى هذا التنوع لدى تلك الشعوب السلافية الحديثَّة الى تباين كبير من الناحيتين الوراثية والثقافيَّة، هذا الشيئ واضح في العلاقات داخل
المجموعات الفردية من التضامن العرقي ويصل إلى درجة العداء المتبادل بين المجموعات الكبيرة مختلفة الديانات، هذا التنوع في الثقافات وبالتالي الهوية دليل حي واضح كيف تصبح الأديان المختلفة قوميات مختلفة رغم أصل الشعوب الواحد. وهذا قد يكون للأسف سبباً كافياً لتغذية نار الحروب.

بداية ظهور النعرات القومية بين مكونات الشعوب السلافية

وتدريجياً نمت النعرات القومية بين تلك المكونات الثلاثة، وتفرقت تلك الجماعات في أحزاب ذات صبغة قومية(قوميةبمعنىدينية)،  وبدأ تطالب تلك المجامع بأستقلالها والأدهى أنها عقدت التحالفات للحماية والدفاع المشترك كما فعل الصرب مع الروس. وصل ذلك الأنقسام والتوتر الى الذروة يوم 28يونيو 1914
عندما قام ناشط صربيبأغتيال ولي عهدالعرش النمساوي الأرشيدوق في سراييفو، الأمر الذي أشعل شرارة الحرب العالمية الأولى عندما غزت النمساصربيا لتتدخل بعدها روسيا وباقي القوى الأوروبية في الحرب العظمي.

 بعد أن أنتهت الحرب العالمية الأولى وأنهارت مملكة النمسا والمجر، تشكلت الدولة اليوغسلافية الأولى وسواء أكانت مملكة أوجمهورية فقد أتسمت بصراع سياسي بين مكونين هما الصرب الذين حرصوا على المركزية وتمركز القوة بيديهم والكرواتالميالين للأنفصال،أما البوسنيين فقد خرجوا خالين الوفاض بل خسروا حتىحدود محافظاتهم الستة التيكانت معروفة لقرون تحتالحكمالعثماني.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وأحتل النازيون يوغسلافيا ومنحوا الكروات نوعاً من الأستقلال فأنظملهم البوسنيون وشرع الأثنانبحروب تطهيرللصربوالشيوعيون وغيرهم، ورداً على ذلك قام أنصار الوحدة بعقد مؤتمره في البوسنة والهرسك حيث كان بمثابة إعادة تأسيس جمهورية ضمن الاتحاد اليوغوسلافي بحدودها زمن مملكة النمسا والمجر، وفي النهاية وبعد انتهاء الحرب التي أسفرت عن إنشاء الجمهورية اليوغسلافية الأتحادية سنة 1946، صارت البوسنة والهرسك واحدة من ست جمهورياتأساسية للدولة الجديدة.

رغم كل تلك الجهود لتوحيد تلك الشعوب من السلاف نمت القوميات المختلفة بشكل متزايد ولكنه كان نمواً سلمي فيذاك  الوقت، وبعد أنهيار الأتحاد   السوفيتي بدأ الاتحاد اليوغسلافي بالتفكك، فقد التسامح الشيوعي السابق فعاليته تاركاً المجال لعناصر قومية متطرفة لنشر نفوذها داخل المجتمع.

محاولات الصرب والكروات انتزاع أكبر قدر من أراضي البوسنة والهرسك

وهنا بدأت الأنقسامات للدول التي تتميز عرقياً مثل كرواتية وسلوفاكيا وصربيا مماترك البوسنة في موقف حرج وذلك لأن تلكالبقاعومنذقرون كان موطناً لثلاث أعراق هم المسلمون البوسنيون بصورة رئيسة ثم يليهم الكروات ثم قلة من الصربما أن أعلنت البوسنة والهرسك أستقلالها حتى هاجمها كلمن الصرب والكروات محاولين أنتزاع أكبر قدر من أراضيها وضمها لبلدانهم المستقلحديثا محاولين في الوقت نفسه محو البوسنين من تلك البلاد،صار مسلموا البوسنة الحلقة الأضعف وهنا بدأت حملة لمحوهمعرقياً،

 ماتلى ذلك من مجازر كان ومازال وصمة عارفيجبينالعالموأوربا بالخصوص، كانت روسيا وصربيا بجيشها اليوغسلافي وراءالصرب تدعمهم والغرب معظمه وكرواتيا وراء الكروات، وظل البوسنيون وحدهم فكانوا الخاسر الأكبر حيث يقدر قتلاهم فقط على أيدي الصرب بما يقارب عشرات الألاف.

الخاسر في أي نزاع يأخذ دور الطرف السيئ

اليوم تريد وسائل الأعلام والغربية منها بالذات أن تصور تلك الحرب وكأنها:
صراع عسكري فوضوي واعتبار صربيا معتدية، والمسلمين البوسنيين ضحايا، وحلف الناتو البطل المنقذ وكرواتيا كمتفرجين مرتبكين!وربما الشيئ الآخر
الذي ساعد في أعطاء هذا الأنطباع الخاطىء هو أن مصير الخاسر في أي نزاع هو لعب دور الرجلالسيء أو الطرف المعتدي!كي يُختصر المشهد ويغلق الملف بتقديم المعتدين الخاسرين للمحاكمة، وجلهم في هذا الحالة من الصرب قدموا في محاكمات دولية (محكمة لاهاي)، وبالحكم ضدهم يراد أن تختصر و تغلق القضية وطوي صفحة ذلك التطهير العرقي المقيت على أعتاب القرن الواحد والعشرين،

المجازر التي يندى لها الجبين،يغلق الملف و تستمر مدارس أوربا والى يومنا هذا بالتغافل عنها وتدريس طلابها محرقة الهوليكوست في ألمانيا النازية فقط!  لكنيجبأنيُشارالىأن نشأة ذلك الصراع بعد تفكك يوغوسلافيا الموحدة، هو صعود القوميات العدوانية في الفراغ الناجم عن انهيار أيديولوجية   الوحدة، أما ذلك التبسيط المذكور أعلاه والمجافي للحقيقة التي تنشرها وسائل الأعلام الغربية يفوت علينا الدروس الحقيقية التيعلينا أن نستخلصها.

الدرس المستخلص من هذه الحرب

والدرس الحقيقي لنا جميعاً أن مأساة تلك الحرب ليست نتاج أفراد فقط(الأشرار)، بل تتعلق بأخطار القومية والعدائية الحزبية، وهودرس أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى، في وقت تتنامى فيها النعرات القومية وتتصاعد أصوات الأحزاب الفاشية لتحصد تدريجياًمقاعد البرلمان في أوربا وغيرها! في البوسنة والهرسك اليوم فهناك تبذل جهود لتوحيد تلك القوميات الدينية لكن الزائر للبلاد لا يلمسها فالمسلمون مغلوبون على أمرهم يستبشرون بالزائرين من بلدان أسلامية لبلداتهم ويشتكون أحياناص من تسلط الهرسك الكروات عليهم.

 وفي المقابل فأن الكروات/الهرسك يرمقون القادم بنظرات المقت ويبدون أمتعاضهم أحياناً، فكل زائر ليس على دينهنم غير مرحب به. هم يريدون تغير الحاضر كما حاولوا مسح الماضي بنسف جسر موستار العريق الذي كان وما يزال يرمز لحقبة الوصل والتعايش. ألا أن حجارته من كثرة الزائرين قد صقلت و صارت ملساء زلقة خطراً لكل من يمر عليها وتستلزم الحذر الشديد.

هكذا هو الوضع واليوم وبعد عقدين ونصف من تلك المأساة توتر أرجو أن لا ينزلق بأهل تلك البلاد الى الهاوية مجداداً.

فيديو مقال جسر موستار القديم

أضف تعليقك هنا