الرئيسية / قضايا مجتمعية / منطق.. اللامنطق

منطق.. اللامنطق

وكأن الألم لا عقل له

وكأنه لا يفقه شيئاً ولا يدري , إلى أي القلوب يستقر وأيهم يرحل عنه للأبد ! .. أخذ يستقر بقلوب لطالما طمحت أن ترى ضياء الحياة بعد عتمة طال إنتظار تبددها , وعند الإشراق باغتها بظلام لا إشراق بعده ! .. ورحل عن قلوب لم تعي معنى للحياة بعد بل وأقسم ألا يعود إليها وكأنها له العدو الأوحد ! .. كأنه ضرباً من الجنون ومعنى آخر من معاني اللامنطقية , فبه تعذب من زاد للحياة حياة ومنه تحرر أصحاب الحياة المزيفة ! .. يعتصر نفوساً أوشكت على تنسم السعادة , ويبغض نفوساً لم تهتم بأن تبحث عنها يوماً , بل لم تعي لها وجوداً من الأساس ! , كان إلتفاته الأول والأخير هو السلب ممن لم يتبق له سوى بقايا الأشياء , بقايا الفكرة , بقايا الحقائق وبقايا الحياة , بقايا لم يتركها وشأنها بل تبدل كعاصفة أخذت تُطيح بها دون سابق إنذار ! , وبلا هوادة عصف بما تبقى داخل النفس من حُطام هي بمثابة كنوز لدى البشري المسكين , فلم يجد من كنوز الحياة سواها واكتفى بها وكأنها مملكته التي لن يتكرر بريقها وعظمتها للمنتهى .. والآن لم يجد دونها معنى يستحق أن يبحث عنه ! .. فثمة ألم قادم من جديد يُزلزل أركان مملكته الزائلة.

وكأن الألم لا يأبه لشئ!

لا يشفق على توسل البشري إليه , ولمَ يتوسل ؟! , فهل أصبحت لحظات السعادة والطمأنينة حق مسلوب لهذا الحد ؟! , هل أصبحت أيام الراحة مجرد لحظات لا تُحتسب من الزمن ؟! , هل تلاشت الحرية وأصبح البشري عبد مُقيد أمام سلطان الألم وهيمنته اللامفهومة ؟! , تبدلت الأحوال على حين فجأة ! , فبعد أن تنادت البشرية بقوة الإنسان وقدرته على تفكيك جبال اليأس دون أن يدنو منها خطوة واحدة أصبح هو ذاته الكائن الذي تتراشق عليه الحياة بأبشع ألوان الشماتة لما وصل إليه من حالة يُرثى لها ! , والسبب لم يكن يحسب له حُسبان يوماً , على الهامش لا يبذل جهداً بفكره حتى ليتفكر به ويتوصل لمعناه وإن كان يفتقر لأي معنى ! , أصبح الآن هو كل المعاني , أصبح المعنى يتلخص به , فهو معاناته الأولى الآن بعد أن كان آخر إهتماماته ! .. نعم هو الألم الطائش الذي لا مربط له , الألم المُتغلغل بأعماق البشري حتى يمتزج بدماؤه ويصبح جزءاً منه لا يتجزأ عنه , أخذ يتسلسل بمنتهى المكر حتى تملك قوة بشري منذ البداية وهو لا حول له ولا قوة , فحتى مخزون قدرته البسيط أصبح تحت سيطرة الألم ! , سيطرة تأبى أن تتراجع وتبغض أن تتنازل عن وجودها بداخله ! , فكيف له أن ينتزع قيود فُرضت عليه وكأنها وُلدت معه ونشأت معه , تُلازمه , للغد ؟ , لما بعد الغد ؟ , لما بعد الدهر بأكمله ؟! , لا يدري ولا يقوى على التوقع.

ولكن.. دعنا من وجة الألم المخيف هذا, فثمة جانب آخر يتنافى عنه تماماً!

فأما عن عطاء الألم الوحيد فيتلخص في منحه معنى لآدمية فريسته .. فبرغم صداه المدوي , إلا أن به تتضح ملامح إنسانيته .. غريب تبدله الآن من وجه مخيف صائداً لفرائس لا حد لها إلى وجه برئ وكأنه طفل لا تنتفض من عينه سوى نظرات الرحمة , الحب , الصفاء والفطرة ! , نعم لقد تبدلت الأحوال من جديد , نظرة أخرى على جانب جديد , أهملته البشرية وتغافلت عنه وكأنه لم يُخلق من البداية ! , ولكنه في الحقيقة وجة قادر على إعطاء البشرية معنى لوجودها ! , فهي دون الألم ضائعة أيضاّ ! , كما لو كانت بوجوده ! , ولكنه ضياع من نوع آخر , ف ضياع بوجود الألم هو ضياع مُنقذ , وكأنه يُلقي البشري وحده ببحور الحياة المُخيفة فيتألم كونه وحيد يُصارع أمواجها دون مساعدة , ولكنه بهذا الإلقاء مكنه من تعلم أساسيات السباحة ومجاراة تيارات الحياة العنيفة ! , فبه تغلب على مخاوفه , مخاوف المواجهة , مخاوف الفشل في مُقاتلة الحياة , فهي مُقاتلة محسومة النتائج كما كان يتيقن ! , والآن تبدل يقينه هو الآخر ونتائجها أصبحت معكوسة.

أما الغريب حقاً هو مبدأ الألم

يسلبه متعة لحظاته .. ويمنحه قيمة وجوده ! .. والبشري بين هذا وذاك مُذبذب حائر لا يدري , هل هو شاق بهذا السلب أم هو أسعد البشر بهذا العطاء ؟! .. فبين سلب متعة لحظاته يصبح كالجسد الذي لا حياة فيه ولا روح , وبعطاء الألم المستتر خلف ملامح وجهه الآخر تتضح الفكرة من وجوده ! , وجسده البالي تدب فيه الحياة من جديد , ولكنه بين ألم قاتل لم يكف عن نهش قوته وألم مُنقذ لم بيخل عنه بمنحه سر إختلافه .. هو الحائر الذي لا يجد سوى التسليم.

فيديو مقال منطق.. اللامنطق

أضف تعليقك هنا