Home / قضايا مجتمعية / الغرور … عدو الإنجاز الأول

الغرور … عدو الإنجاز الأول

ما من عرض أفضل من العرض الذي قدمه القرآن الكريم لنموذج الإنسان المغرور في بيان معالم أسلوب تفكير هذا الإنسان وبيان امتداد آثار انحراف هذا التفكير، نرى ذلك بوضوح في القصص والأمثلة التي أوردها القرآن عن المزالق التي أوقعت أصحابها في هذا الخطأ الفادح.

صاحب الجنتين

من هذه النماذج البينة للإنسان المغرور نموذج صاحب الجنتين الذي قال لصاحبه :﴿أنا أكثر منك مالاً وأعز نفرا﴾ [سورة الكهف: 34]، ثم قال عن جنته :﴿ما أظن أن تبيد هذه أبداً﴾ وقال بعد ذلك: ﴿وما أظن الساعة قائمة﴾، ووصل به غروره إلى أن قال مدعياً بغير علم: ﴿ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً﴾.

الهمزة اللمزة

ومن هذه النماذج كذلك نموذج الهمزة اللمزة، أي الذي يعتاد السخرية من الآخرين احتقاراً لهم، ووصفه القرآن الكريم بأنه ﴿الذي جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده﴾ وهو وصف معجز لتفكير هذا الإنسان، ونقطة الانحراف الكبرى فيه الاعتقاد أن المال الذي جمعه صاحبه وأكثر منه سوف يمكنه من مضادة قانون من قوانين خلق الإنسان ووجوده، وهو قانون الموت، وربما لا يصرح المغرورون بأنهم سيخرقون هذا القانون بإنجازاتهم، لكن نظرتهم لإنجازاتهم وتعاملهم مع بيئاتهم وواقعهم يظهر تضيق تفكيرهم وتشوه اعتقاداتهم حتى يبدو أنهم يرفضون الاعتراف بخصائص طبيعية فيهم، وجدت فيهم لأنهم بشر، عندما يشعرون انها تشير إلى نقطة ضعف فيهم، ويبنون تعاملهم مع الواقع وعناصره وكأن هذه الخصائص البشرية غير موجودة.

المغرور

تصورات الإنسان المغرور ومعرفته إذن ناقصة، مشوهة، غير فاعلة في تطوره وتكيفه، فإدراكه لذاته ناقص، ونظراته لواقعه متحيزة بوضوح، تتجاهل عناصر ظاهرة ومهمة، بل هو يبني رؤية منحرفة عن الوجود وقوانين الكون، وبهذا التصور يصبح الغرور تهديداً مباشراً لعمليات تطوير الذات وإصلاح النفس، فهو يؤدي إلى تعطيل هذه العمليات، وإلى إيجاد آليات ثابتة ترتبط بهدم الإنجازات المتحققة في هذا الميدان، ميدان التطوير الذاتي، وفي أمثلة كثيرة نعرفها في واقعنا، يتبع هذا التراجع في إنجاز الإنسان في مجال ذاته ونفسه تراجع آخر في مجال إنجازاته في واقعه، فيدمر ما يبني من مكاسب مادية، أو علاقات شخصية، أو مكانة اجتماعية.

ما الفرق بين الغرور والثقة بالنفس؟

يعبر الكثيرون عن الغرور بأنه الثقة الزائدة بالنفس، لكن يرى بعض علماء النفس المعاصرين أن المصدر الذي ينشأ عنه الغرور مختلف عن مصدر الثقة بالنفس، فمصدر الغرور هو شعور بعدم الأمن ناشئ عن شعور ببعض نقاط الضعف، وهذه النقاط يرفض المغرور تقبلها أو مواجهتها. بينما الواثق من نفسه يتقبل ضعفه، ويمكنه أن يواجهه ويتعامل معه، حتى لو كان لا يحبه، وبالنهاية هو يتمكن من تنمية قدراته، ويحاول الوصول لتحقيق ذاته وفق رؤية أكثر واقعية.

ويضع هؤلاء العلماء فروقاً محددة للتفريق بين سلوك الثقة بالنفس وسلوك الغرور، منها أن المغرور لا يستطيع قبول تفوق الآخرين، والواثق من نفسه يستطيع ذلك، وإن كان مع بعض الصعوبة أحياناً، ومنها أن المغرور يسعى لصبغ القريبين منه (عائلته، أصدقائه) بصبغة جانب التفوق الذي يحمله، ويفرض رؤية شاملة للحياة تعتبر هذا الجانب من التفوق هو المحور الأهم، ليبقى الأول العبقري في نظرهم، ولا يلاحظ هذا المقصد في سلوك الواثق من نفسه ثقة متوازنة.

أضف تعليقك هنا

عامر غضبان

كاتب سوري مهتم بعلم النفس والإجتماع والكتابة في مجال الأخلاق والدعوة

Leave a Reply

Your email address will not be published.

[addthis tool="addthis_inline_share_toolbox"]