إعادة قراءة تحليلية لتفجيرات باريس التي استهدفتها

-إنَّ الأحداث الإرهابية والتفجيرات التي ضربت عاصمة “الجنّْ والملائكة” وثاني أكبر عاصمة عالمية من حيث الإجراءات الأمنية المشدَّدة جداَ حيث أنه في كل زاوية من زواياها تنصب كاميرات مراقبة وأجهزة استشعار وأنظمة اتصالات، ومراقبة متصلة مباشرة بجاهزة الأقمار الصِّناعية العالية التقنية وتدخل ضمن نطاق منظومة “أشلون العالمية الاستخباراتية” التي مقرها في قلب الولايات المتحدة الأمريكية وتعتبر فرنسا أهم دولة أوروبية تتبع لها وتتبادل معها المعلومات بصفة دورية.

إضافةً إلى أجهزة الرَّصد والمراقبة والتي تعمل بالأشعة فوق الحمراء كل هذه الترسانة الأمنية التقنية المهولة إضافة إلى الأعداد الكبيرة جداً من أفراد الشرطة والمخابرات المنتشرون بالزى المدني والمجهزين بأحدث وسائل الاتصال في العالم ومعروف عن المخابرات،بأنها تُعتبر واحدةَ من أهم وأقوى أجهزة الاستخبارات في العالم.حسب تصنيفات “معهد ستانفورد للدراسات الأمنية والإستراتيجية”،إضافةً إلى التَّنسيق الأمني العالي جداً بينها وبين أجهزة الأمن الداخلية الفرنسية الأخرى في ظلِّ كل هذه الترسانة الاستخباراتية والتكنولوجية العالية والفريدة من نوعها في أوروبا على الأقل.

وفي واحدةٍ من أهم مباريات كرة القدم الفرنسية.حيث كان “الرئيس الفرنسي” “فرانسوا هولا ند” متواجداً هناك ومعروف أنه وفي عاصمة في العالم عندما يكون رئيسها في مكان عام مزدحم فإن نطاق الحماية والمنطقة المؤمنة على الأقل تمتد لأكثر من 25 كلم من مكان تواجدهِ، وزيادة على ذلك فإنّ الأحداث الرياضية من هذا النوع والتي تحضرها شخصيات هامة تكون فيها الإجراءات الأمنية استثنائية ومشددة جداً،ولكن رغم كل هذه التِّرسانة البشرية والأمنية حدثت أكثر من 6 انفجارات إرهابية هزت عاصمة الجنِّ والملائكة،وأجبرت الرِّئاسة الفرنسية على إعلان حالة الاستنفار الأمني العام ورفع مستوي الخطورة الأمنية إلى أعلى مستوياتها والدخول ضمنياً في حالة طوارئ لم تعلن منذ الثورة التحريرية الكبرى في الجزائر سنة 1954 وتركزت الانفجارات على بعد أمتارٍ عن ملعب “ستاد دو فرانس” الذي كان يحوي أكثر من 80 ألف متفرج إضافة إلى انفجار متزامن أخر يبعد عنه حوالي 750 متر بالإضافة إلى هجوم إرهابي منفرد على” مطعم بيتزا” في الدائرة السَّادسة من باريس زيادة علي احتجاز أكثر من 100 رهينة في “مسرح باتكلان” قُتلَ معظمهم قبل أن تتدخل الشرطة الفرنسية لتخليص من بقي منهم.إضافة إلى هجماتٍ أخرى استهدفت مناطق تجارية ومدنية أخرى في باريس.

جرائم منظمة ومنسقة

– والمراقب لما جرى يلاحظ شيئا غريباً جدّاً هو أن الهجمات كانت منسقة بدرجة عالية وتمت بطريقة متتابعة يعني كل ينتظر دوره بعد انتهاء دور من سبقه،وكشفت التحقيقات الأولية بأنَّ الهجمات الإرهابية كانت منسقة بطريقة أمنية احترافية لا تتوفر عادة إلاَّ لرجال الاستخبارات إضافة إلى نوعيةِ الأسلحة المستعملة،ومنها رشاشات آلية ونصف آلية لا تتوفر إلا لدى الجيوش النِّظامية المتقدمة،وكالعادة توجه الرئيس الفرنسي رفقة وزير الدَّاخلية إلى مقر الوزارة وتمَّ الإعلان عن اجتماعٍ أمني طارئ،وعقد يوم السبت اجتماعٌ “لمجلس الدِّفاع الوطني” وأول قرار اتخذه هو نشر قوات الجيش التي تعدت 1500 فرد في العاصمة باريس،وهي حالة نادرة جداً لم تتكرر منذ “الحرب العالمية الثانية” ربَّما في ظل ارتفاع عدد قتلى الهجمات إلى أكثر من127قتيل.

فيما تعدَّى عدد الجرحى أكثر من 310 إضافةً إلى 8 متطرفين والذين لم نرى جُثثهم في الإعلام لحدِّ ألان.كما جرت الحالة في أيٍّ إعلان لمقتل إرهابيين سواء في دول الغرب أو الدُّول العربية،وهذا يطرح العديد من علامات الاستفهام الكبرى إضافة إلى إعلان “تنظيم داعش الإرهابي” والمعروف عنه بأنه تابع للاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية،فهو عبارةٌ عن أداة وظيفية من أجلِ تقسيم الدُّول العربية وإعادة صياغتها في ظلِّ مخطط “الفوضى الخلاقة” الذي جاء به نائب وزير الدفاع في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن “بول وولفوتز” والذي أعلن بأنَّ الشرق الأوسط يجب أن يتغير عن طريق الفوضى هذا أولا.

ومن جهة أخرى فإنَّ تنظيم داعش الإرهابي الذي أصبح يسمى في الإعلام الغربي وعند السَّاسة العرب “تنظيم الدَّولة الإسلامية”،وتصريح “جون كيري” الشَّهير: أنه يجب تصنيف الدولة الإسلامية ويقصد تنظيم داعش كدولة إرهابية في “مجلس الأمن الدولي” وهو اعتراف ضمنيٌ بوجودها علي الأرض،وبأنَّ أمريكا تدعمها سراً رغم إعلان الحرب عليها وعلى الإرهاب علناً،وقيادة تحالف دولي لضربها في العراق وسوريا م أكثر من عام ونصف،وكلما ضربت زاد امتدادها وابتلاعها للأراضي في كل من العراق وسوريا وقريبا اليمن وتركيا إضافة إلى ليبيا،ويذكرنا هذا الاهتمام الإعلامي المريب بداعش بما فعلته أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 حيث اتهمت القاعدة حتى قبل انتهاء التحقيقات وردَّ “أسامة بن لادن” في خطابه الشَّهير على “قناة الجزيرة القطرية” والتي صار الكل يعرف ارتباطها بالمشروع القطري السعودي الأمريكي الإسرائيلي لتدمير الشرق الأوسط،وإعادة بناءه مجدداً على أسسٍ يعرفها كل الدَّراسيين لتاريخ المنطقة السِّياسي والأطماع الجيواستراتيجية للقوى العظمي فيها،وبعدها مباشرة قامت القوات الأمريكية بتدمير دولتين إسلاميين هما العراق وأفغانستان،تحت حجة “محاربة الإرهاب – والتطرف الإسلامي”.

– وفجأة وبعد أن استعملت إعلامياً ووظفت سياسياً لأكثر من 20 سنة خرج لنا تنظيم جديد بطبعة أخرى مزيدةٌ ومنقَّحةٌ اسمه داعش بأساليب أكثر دموية وإرهابا، ولم نعد نسمع بالقاعدة إعلامياً أو احد أركانها أو زعيمها الحالي “أيمن الظواهري” وملاحظة أخرى هي مسارعةُ الإعلام الغربي إلى إطلاق لقب “أحداث سبتمبر أوروبا” على هجمات باريس وهذه خطوة خطيرة جداً بنظري لأنه ستلغي حقوق الإنسان، والحريات الفردية الشَّخصية،وأسس “الدّيمقراطية الأوروبية” التي يتشدقون بها من أجل فرض أحكام الطوارئ.

وإعطاء السُّلطة للأجهزة الأمنية القمعية وفق استطلاعات الرأي في أوروبا التي تدعم اليمين المتطرف في فرنسا وعلي رأسها “ماريان جون – ماري لوبان” ابنه المتطرف اليهودي الفرنسي “جون لوبان” “زعيم اليمين الفرنسي” الدَّاعم لإسرائيل والكاره لكل ما هو عربي أو مسلم والدَّاعي إلى التَّخلص من مسلمي فرنسا وأوروبا وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية حتىَّ ولو كانوا من مواليد الدول الأوروبية ويحملون جنسيتها ومن الأشياء التي شدت انتباهي هو حساب علي تويتر ذكر قبل أيام قليلة جداً من الواقعة بأنَّ هناك أحداثاً إرهابية ستقع قريباً في باريس وقال بأنَّ عدد ألقتلي سيكون تقريبا 120 شخص زيادة على صورة الفتاة التي ملأت وأشعلت مواقع التَّواصل الاجتماعي،والتي سميت “فتاة باريس الباكية ” والتي شوهدت في كل انفجارات أمريكا وأوروبا تقريباً في الأعوام السَّابقة،وهذا طرح عدة تساؤلات أمنية وإنسانية ؟ لم يستطع أحدٌ الإجابة عنها لحدّ ألان؟

دائما جواز السفر هو دليل الجريمة القطعي

والشيء الأخر الملفت للانتباه هو العثور على جوازاتِ سفرٍ مصرية،وسورية جديدة أمام جثث متفحِّمة وملطَّخ بعضها بالدماء قيل :أنها لمنفذي الهجمات، وكأنَّ جوازات السَّفر العربية “مضادَّة للرصاص”، والاحتراق ولكافة الظواهر والكوارث الطبيعية الأخرى ولا ننسى مُسارعة “الرئيس الأمريكي” “باراك اوباما “إلى إعلان أدانته للهجمات التي وصفها أنها ضدُّ الإنسانية ومجرمة ونسي ما يتعرض إليه إخوتنا في فلسطين من ذبح وتقتيل على يد الصَّهاينة الذين يسارع إلى إعلان دعمه ونصرته لهم في وجه “ثورة السَّكاكين” التي يقوم بها أبطال “الانتفاضة الثالثة”

– والشيء الذي لا يختلف عليه اثنان هو تعالي الأصوات التي تدين الرَّئيس السوري “بشار الأسد ” ونظامه وتحمِّله المسؤولية فيما حدث،واعتبرت أدانته للهجمات التي ضربت فرنسا نفاقاً سياسياَ واضحاً وتحميل باريس بطريقة غير مباشرة ما جرى لسوريا الرسمية،وقيام الطائرات الفرنسية ودون اخذ إذن السُّلطات السورية أو التنسيق معها لاستهداف تواجد أرتال داعش فوق الأراضي السُّورية،وهو في عرف الدبلوماسية العسكرية “إعلان حرب – غير مباشر” تعاملت معه سوريا بكثير من الصَّبر والحكمة باعتبار أنَّ فرنسا تحت الصَّدمة حالياً ونعذرها في ما تقوم به بل رحَّب بالفكرة واعتبرها متأخرة نوعا ما.

فخطر الإرهاب عابر للقارات ولا يعترف بالدُّول ونعود إلى التَّاريخ لتوضيح الرؤية السياسية والتاريخية أكثر في سنة 1916 صيغت “اتفاقيات سايس- بيكو” التي غيَّرت وجه العالم لمدة 100 عام كاملة وفي سنة 2016 تنتهي مدة صلاحيته،ومعروفٌ بأنَّ العالم يجب أن يتغير سياسيا وجيواستراتيجياً كل قرن،وبالتالي فأنَّ أعمال “باريس الإرهابية ” في نظري ليست إلا لعبة قذرة قامت بها المخابرات الفرنسية بالتَّنسيق الكامل مع المخابرات الأمريكية لعدَّة أهداف منها.الخروج من أزمته الاقتصادية الخانقة ومحاولة إنقاذ هولاند سياسياً إذ انخفضت شعبيته لأكثر من 31 بالمائة حسب أخر استطلاعات للرَّأي،وإيجاد المبرِّر الأخلاقي والقانوني من أجلِ إسقاط بشار الأسد والدخول في حرب مباشرة تستهدف سوريا،وربما دولا عربية أخرى على غرار الجزائر العدوُّ التاريخي لفرنسا،والدولة الغنية بالنفط وموارد الطاقة الأخرى،إضافة إلى دخولها الحرب مباشرة في اليمن إلى جانب السعودية من أجل بيع مزيد من الأسلحة لها والتي فاقت 50 مليار دولار فقط في 3 سنوات،وذلك طبعاً بموافقة ومباركة “مجلس الأمن” أو حتَّى بدونه لم يتحرك.

– الإعلام الغربي ولا مؤسساته من أجل المجازر اليومية التي ترتكب في فلسطين والعراق وسوريا وليبيا واليمن وتفجيرات لبنان ،ولكن ولأنَّ المستهدف دولة أوروبية غربية مسيحية فأنَّ الجميع أصبح فرنسياً كما كان قبل وقت ليس بالطويل جداً “كلنا شارل أيبدو” ما حدث وقتها ويحدث حاليا في ألمانيا وقبلها بلجيكا، ليس إلا مسرحية مخابراتية سيئة الإخراج والسيناريو ستكون لها تداعيات خطيرة داخليا في كل أوروبا، حيث سيصعد “اليمين المتطرف” ويضيِّق على الجالية المسلمة كثيراً،وشاهدنا هجمات استهدفت المساجد ومظاهرات عنصرية تطالب بقتل المسلمين وطردهم من فرنسا وكل اوروبا.

أما خارجياً فدولنا كالعادة ستدفع الثَّمن ولا أنسى هنا تصريحات “ثعلب السِّياسية الأمريكية” “هنري كيسنجر” لأحد الصحف الأمريكية عقب هجمات 2001 بأشهر اذ قال بالحرف الواحد:علينا احتلال سبع دول مهمة في منطقة الشرق الأوسط والاستفادة من مواردها الطبيعية والنفطية،وتقسيمها حتى لا تعود قوية كالعادة وتشكل خطراً على مصالحنا الحيوية في المنطقة،والمقابلة التلفزيونية مع “الجنرال الأمريكي” “ويسلي كلارك” الذي كان “رئيس الأركان ” في عهد بوش عندما قال لا أحد لحدِّ ألان يعرف لماذا دخلنا العراق؟ رغم أن تقاريرنا الاستخباراتية أكدت بأنهُ خالٍ من “أسلحة الدّمار الشامل” ولا صلة بين “صدَّام حسين” و”تنظيم القاعدة” هي حرب بالوكالة بالطبع ،فشلت داعش إذن على فرنسا التَّدخل لحماية مصالحها.ومصالح حليفها الولايات المتحدة الأمريكية لأنَّ الكل يعرف الأزمة السِّياسية الحادة التي يعاني منها الرئيس الأمريكي باراك اوباما في ظلِّ سخط كبير عليه من طرف القوات المسلحة ورفضهم لدخول أي حرب قبل 2025 خارج الحدود الأمريكية والذي لم يبقى له إلا أياماً معدودة ويصبح من التَّاريخ الرئاسي الأمريكي باعتباره رئيسا سابقا لها،و الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة عن السُّؤال المهم من يقتل منْ في فرنسا؟

أضف تعليقك هنا

عميرة أيسر

كاتب جزائري