الرئيسية / تعلم / تجلب الحبيب وتطرد الشيطان ولها وظائف أخرى، كيف تطورت أسطورة حدوة الحصان؟

تجلب الحبيب وتطرد الشيطان ولها وظائف أخرى، كيف تطورت أسطورة حدوة الحصان؟

في بريطانيا؛ كانت توضع على كعكة الزفاف مغلفة بالحرير لمباركة الزواج, وفى روسيا كانوا يتممون مراسم القران فى وجودها, وفى فرنسا القرون الوسطى رسموها فوق توابيت الساحرات لئلا يعدن إلى الحياة مجددا, وقد اعتقد الرومان فيها القدرة على طرد الأرواح الشريرة والحماية من الأمراض, وفي الريف المصري لازالت تعلق على أبواب البيوت وفق اعتقادات تتعلق بالخير والبركة. إنها حدوة الحصان التي اخترعها الإغريق فى القرن الرابع الميلادي واعتبروها مجلبة للحظ السعيد.

أسطورة حدوة الحصان

تبدأ الأسطورة دائما فكرة ثم تُنسج لها قصة أو قصص باختلاف المكان والزمان ثم تضمخ بعبق المواجيد والأمنيات ثم تختزنها الذاكرة الجماعية فى صورتها النهائية لتورث جيلا بعد جيل.

وبالنبش فى ثنايا الأسطورة, وظروف نشاتها, ومتابعة نموها يمكننا مقاربة الأسباب الموضوعية التى ولدتها, والروافد التى رفدتها حتى مرحلة الاكتمال والانتشار.

بداية ترويض الخيل

تشير أغلب الدراسات إلى أن استئناس الخيل بدأ فى أواسط آسيا حوالى عام 5500 ق.م، ولاحقا تم ذلك فى أصقاع متفرقة من العالم. ويعتبر هذا المنجز فارقا فى تاريخ الإنسان بما يعادل اختراع السفن والطائرات أو ثورة الاتصالات فى عصرنا الحديث.

أسهم ترويض الحصان بشكل فاعل فى تقصير المسافات, وتسهيل الانتقال فنشطت التجارة بين الأقاليم المتباعدة, وتوسعت رقعة الدول بفضل استخدم الحصان كسلاح مبتكر, ولنا أن نتذكر أن من الأسباب الرئيسة التى مكنت الهكسوس من احتلال مصر القديمة امتلاكهم للعجلات الحربية التى تجرها الخيول جيدة الترويض.

ولقد وجدت مقابر للخيل ترجع إلى عهود قديمة فى وسط آسيا مما يشير إلى درجة من درجات التقديس فى مواطن الاستئناس الأولى. وبلغ الاحتفاء بالخيل عند العرب حدا بعيدا حتى شكل الحصان موضوعا أساسيا فى أشعارهم الأولى ونذكر جواد امرىء القيس المكر المفر المقبل المدبر معا وجواد عنترة الذى شكا إليه فى ساحات الوغى بعبرة وتحمحم وغيرهما من مشاهير الجياد العربية.

من هنا ارتبطت صورة الحصان فى الوجدان الإنساني بتقريب البعيد, وفكرة الوصول والتواصل؛ كما استدعت فكرة القوة والفحولة.

استخدام المعدن لصنع حدوة الحصان

تصنع حدوة الحصان من الحديد, وقد تعاقب على تاريخ الإنسان عصور سماها المؤرخون بأسماء المعادن التى اكتشفت وساد استعمالها وقتها كالعصر النحاسي الذى أعقبه البرونزي ثم الحديدي بين 1500- 1000ق.م. ويعتبر اكتشاف الحديد نقلة نوعية فى تاريخ الإنسان لصلابته وسهولة تشكيله, وسرعان ما حل محل النحاس والبرونز فى صناعة أدوات المعيشة والصيد والأسلحة وما إلى ذلك. لاحقا سيتطور اعتقاد بشري بعموم نفع المعادن وارتباطها بالخير والحظ السعيد حتى نجد اعتقادات منتشرة فى مناطق مختلفة من العالم بارتباط العملة المعدنية بالحظ, ولعلنا نذكر فيلم (لعبة الست ) المنتج عام 1946 والذى يهدي فيه نجيب الريحانى (حسن أفندى ) محبوبته (لعبة) عملة معدنية تكون سببا فى تغير أحوالها الى الثراء والشهرة. ولا يزال تعبير ( الأشيا معدن ) دارجا فى العامية المصرية كناية عن حسن الحال.

من هنا نلاحظ أن الحدوة قد اختزلت حفاوة الإنسان القديم بالحصان أداة الوصول ورمز القوة مع قيمة المعدن الذى تصنع منه وهي قيمة فائقة في زمنها .

الشكل الهلالى لحدوة الحصانحدوة الحصان في فرنسا في القرون الوسطى رسموها فوق توابيت الساحرات لئلا يعدن إلى الحياة مجددا

ويمكننا التوغل أكثر فيما يخص الشكل الهندسي لحدوة الحصان الذى يشبه شكل الهلال, ونراجع ذلك فى ضوء الآلهة القمرية التى سادت فى فترات مختلفة تحت شعار الهلال المقدس مثل الإلهه سيلين الإغريقية, ولونا الرومانية, والإله سين عند البابليين, وخونسو عند المصريين. وترتبط الآلهة القمرية بالخصوبة والصحة فى كثير من المعتقدات القديمة .

ولعل ذلك يلقى الضوء عن خلفية استخدام حدوة الحصان فى مصر ومناطق من الشرق الأوسط فى أعمال سحرية تستهدف جلب الحبيب واستمالة قلبه. وبهذا تكون أسطورة حدوة الحصان قد دعمت بثلاثة روافد أكسبتها ما آلت اليه فى الفولكولور الإنسانى على اختلاف الأقاليم.

حتى كان منتصف القرن العاشر الميلادى حين تبلورت قصة عن قديس يدعى دونستان يعيش فى كانتربرى ببريطانيا, وكان يعمل حدادا, وجاءه ذات يوم إنسان يطلب منه أن يصنع له حافرا فلما نظر إلى قدمه وجدها قدم ماعز. أيقن دونستان أنه أمام الشيطان شخصيا فاستدرجه إلى داخل البيت حيث سيطر عليه وعلقه فى الجدار بمسامير, ولم يطلقه إلا بعد أن تعهد له الشيطان ألا يعود إليه مجددا وألا يدخل بيتا فيه حدوة حصان.

والعجيب أن بريطانيا نفسها – التى ولدت فيها قصة دونستان- تحتوى على أثر ستون هينج الشهير الذى يعود إلى عصور ما قبل التاريخ, وفيه تتراص الحجارة العملاقة على شكل حدوة حصان !

تختفى جذور الأسطور تحت ركام التاريخ البعيد فيما أغصانها – تجلياتها تمتد شرقا وغربا حيثما وُجد الانسان . قد تندثر الأسباب والمرامى وراء تقديس حدوة الحصان لكنها تظل حاملة قدسيتها التى صنعها الإنسان القديم على مهل فهي تجلب الحظ السعيد عند شعب, وتبارك الزيجات عند آخر, وتمنع -عند ثالث- دخول الأرواح الشريرة والشياطين.

فيديو مقال حدوة الخيل

أضف تعليقك هنا

أحمد الزلوعى

د.أحمد الزلوعى قاص وباحث نشرت قصصه ومقالاته الفكرية والنقدية فى مطبوعات مختلفة كأخبار الأدب والثقافة الجديدة والأخبار والأهرام ومجلة الكويت ودبي الثقافية وغيرها.

صدرت لهالمجموعة القصصية (مملكة الأصوات البعيدة) عن دار روافد للنشر والتوزيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

[addthis tool="addthis_inline_share_toolbox"]