رؤساء وكومبارس السيسي وترامب

“نحن بخير؛ نعيش في ازدهار ثقافي واجتماعي واضح، واقتصادنا يمضي بخطوات واثقة نحو النمو، مواردنا وثرواتنا القومية بين أيد أمينة وتدخل أرباحها في ميزانية الدولة، أسواقنا قبلة المستثمرين في كل الدنيا لأننا نوفر لهم كل ما نستطبع من بنية تحتية وخدمات لوجستية ودعم فني ومحفزات حقيقية، لا بطالة عندنا إلا بين شباب يرفض العمل ويحتقر الجد والاجتهاد،أما الوظيفة الحكومية فهي عزٌ وجاه تغني المحظوظ بها وتوفر له الكرامة والأمان، يرانا الناس أمة واعدة يقودها حكومات مستنيرة ملتزمة بالدستور، والقانون مظلة تحمي الفقير تماما كالوزير، أما مستقبل أجيالنا القادمة فهو مضمون بعد الله بإنجازات سلطتنا الحاضرة وخطتها للتنمية والتطوير،أما تحرير فلسطين فواقع ينتظر ساعة الصفر، وإسرائيل تتلاشى في صراعاتها الداخلية وغيرتها من واقعنا الملهم”.

لابد أن إقناع الشعوب العربية بذلك يحتاج إلى مليار دولار يوميا ثمن جرعة أفيون لكل مواطن، استعاض عنها حكامنا بترسانة إعلامية ضخمة تفوق قدرتها إمكانيات الشيطان بذاته؛ تقتل أي رد فعل حين يرى الواقع الذي يعيشه، ويكبت في عقله أي صوت سوى أن الحاكم قدر من الله، ولا اعتراض على حكم الله، وأن السير وسط القطيع أسلم وأكرم إذا صُمّت الآذان عن صرخات المظلومين والخائفين والجياع، وأن في البلد مصلحة تفوق قدرة الشعوب على فهمها ينبغي لأجلها أن نناضل ونبذل أعمارنا دون سؤال.

يبدو أن إذاعاتنا الرسمية وشبه الرسمية لا تملك إلا قرصاً صوتيا واحدا تذيعه كل ساعة مع مؤثرات مختلفة، يمجّد النظام ويألّه الحاكم ويتغنى بمزاياه حتى نسينا سيئاته (المعدودة)، أما تلفازنا فقد تعطل جهاز البث منذ استلام النظام على صورة القائد الهمام، ولا يعود البث إلا عند إذاعة صورة أخرى، أو صورة من يهتفون باسمه وهما أو رهبةً أو رياءاً، أما تخلخل العقبدة وانحلال الأخلاق وموت الحمية والنخوة فتبنته إذاعات رؤوس الأموال وأتباع النظام وخاصته، ولا حاجة لنا بالسينما فقد أخذ سيادته دور البطولة المطلقة حتى تغلب على وحش الشاشة في القوة والجبروت والعندليب الأسمر في الوسامة واللطافة، وأصبح مالك قلوب العذارى وفتى العالم أجمع.

مرت فترة كان فيها أبطال السينما وسيمون أصحاب شخصية مبهرة قادرة على التأثير في من حولهم يتمتعون بقوة جسمية عظيمة وذكاء قادر على تحليل الواقع واستشراف المستقبل وقيادة شخصيات الفيلم نحو الأفضل؛ وكان الرئيس يشبه أمراء الحكايات الأسطورية وفرسانها، انقلب على واقعه وقاد شعبه نحو التغيير بثقة وقدرات بدت غير عادية، فانبهر بهم الشعب واستسلم لسحره وخضع لسلطته دون تردد، لكنه أفاق على أوهام كانت تشبع حاجته إلى الشعور بالنصر في زمن الهزيمة المطلقة وواقع اقتصادي أسوأ مما انقلب عليه، وسياسة (قراقوش) في الداخل، وانحسار مكانة الدولة وهيبتها خارجيا قبل تلاشي حلم الوحدة بين الأشقاء.

وفي زمن سينما الكومبارس أبطال امتازوا بيأسهم من التغيير للأفضل وقبولهم تعاسة الحياة دون حراك، وقبولهم بالانحراف والجريمة أحيانا دون رادع، ولو نظرت إلى علاقتهم مع أسرتهم؛ استهزاء بالأب وإهانة للأم وكراهية للعمِِّّّّّّّ والأخ، والحبيبة لم تعد تلك الجميلة البريئة التي يتعلق بها ويضحي من أجلها لأنوثتها وتمسكها بشرفها واستقامتها، بل هي امرأة سهلة تبحث عن الرجل وترتمي بأحضانه دون مقاومة، ولا تمانع في أن تجامل الأصدقاء برقصة أو قبلة أو أكثر، وأخلاق ابن البلد من الرجولة والشهامة ضاعت في زحمة الطريق إلى المال والشهرة، سهراتهم في المراقص وبيوت الدعارة والحشيش جزء عادي من النهار وأكثر سهولة من شرب الشاي على القهوة.

والرئيس ممثل عاطفي فاشل غاية إنجازاته خطف قلوب النساء بكلمات هابطة، وقتل همة الشباب بتصريحات تصور الدولة كأنها صحراء لا كلأ فيها ولا ماء، وفرض الضرائب والإتاوات على الفقراء والكادحين، ثم مطالبتهم (بالنقطة) للوطن الواقف على مسرح العالم عاريا بفضل سوء تصرفه واستهانته بتاريخه العريق، ثم شراء ضباط الجيش وأصحاب السلطة القضائية بالرواتب والمميزات على حساب الشعب،ثم إغراق البلاد بديون لن يستطيع أن يوفيها أحفاد الأحفاد.

لا أستغرب أن يصل ممثلون فاشلون لحكم العالم الثالث لأن مُخرج مسرحياته يخشى أن تنجح فيتمردوا عليه، أما أن يصل ترامب لرئاسة أمريكا فأمر يحتاج لإعادة نظر، لأنهم يمسكون الخيوط التي تتحكم بالدمى التي تحكمنا وتتحكم في مصائرنا، فالحياة كما عرفناها في خطر والقيم والمفاهيم التي تحكمنا على المحك، وأمننا وأمن العالم في خطر.

فيديو رؤساء وكومبارس السيسي وترامب

 

أضف تعليقك هنا