الرئيسية / أدب / الناصية و التناصية في المعلقات -عبد الملك مرتاض-

الناصية و التناصية في المعلقات -عبد الملك مرتاض-

بقلم: عبد الرحمان بردادي

التناص

التناص مصطلح نقدي نحتته الناقدة المعاصرة جوليا كريستيفا[1]، لتصف به العلاقات المتنوعة التي قد تكون للنص بغيره من النصوص. قد تتخذ هذه العلاقات صورة إلماعات أو اقتباسات أو تطويع أو إعداد أو ترجمة أو محاكاة ساخرة أو غير ذلك من التحولات، و عند البنيوين و غير البنيوين أن النصوص تشير إلى نصوص أخرى ، أو إلى ذاتها بوصفها نصوصا، أكثر مما تشير إلى واقع خارجي.

ارتباط التناص بعلم السيمياء

ترتبط فكرة التناص بعلم السيمياء كثيرا، لذلك نجد الكثير من المتتبعين للساحة النقدية، من مختص و غير مختص، يسمون الأول بالإجراء و الثاني بالعلمية، وفي رؤية أخرى نجد منهم من يعطي التناص دائرة أكبر و أشمل بوصفه علما، تتخلله إجراءات و مفاهيم منعزلة معتزلة.

و قد كان لعبد الملك مرتاض ، عديد من الآراء التي يوجهنا بها من بداية الفصل، الذي نعالجه، فنجده تارة حداثيا يتحدث عن المصطلح و إشكاليته، ثم بعد ذلك محتفلا بالتراث، متغنيا به، و بما جاء فيه، بذكر نص أورده الجاحظ، عن تناصية قصائد الشعراء في تراثنا الأدبي، أو ما يسمى عند عبد العزيز الجرجاني، بوقوع الحافر على الحافر، و سيكون لنا في ذلك حديث موسع، و استطلاع مشبع…

من خلال هذه التقدمات التي أثرى بها الكاتب فصله، يبتدأ في سرد آراء الأقدمين في قضية التناصية، و التي تختلف عميق الاختلاف عن السرقات الأدبية، التي ذاع صيتها و ضربت الأجراس من أجلها. فقد عرف الجاحظ التناصية، من خلال حديثه عن الشعراء و أنهم :

” عالات على بعضهم البعض…كالمعنى الذي تتنازعه الشعراء فتختلف ألفاظهم، و أعاريض أشعارهم، و لا يكون أحق بذلك المعنى من صاحبه…”[2]

بعد الحديث عن نظرة القدماء لفكرة الناصية و التناصية، أو التكاتب – كما يسميه مرتاض- نستطيع أن نكون فكرة شمولية، حول آراء الأقدمين قياسا مع المحدثين، فنجد أن البحث قد تمكن من مادته، واستطعنا تحديد ماهيته، ألا و هو التناص في المعلقات، من شاعر إلى شاعر، ومن قصيدة إلى قصيدة، و ربما يعود سبب الاختلاف في الرؤى النقدية، بحسب الاختلاف في محاضن الأفكار و مشاربها و مواردها، فكريستيفا نشأت في سياق معين و لغة معينة، و الجرجاني هو الآخر، نشأ في عهد معين و بيئة معينة، و من هنا فإن وقوع الحافر على الحافر، جائز رغم طول المدى و بعد الزمن، إلا أن الروح النقدية الغريزية واحدة، لا ينكرها إلا جاحد أو مكابر.

[1] ناقدة و مفكرة و باحثة نفسية بلغارية المولد سنة 1941 للميلاد،  هاجرت إلى فرنسا سنة 1965 ، و اختلطت بكبار النقاد و المفكرين الأوربيين كرولان بارط، و لوسيان غولدمان، و جاك لاكان، و عملت أستاذا للغويات بجامعة باريس رقم 7، و محللة نفسية، ارتبط اسمها بمجلة tel quel، التي تعنى بالدراسات اللغوية، كما أن كريستيفا كانت يسارية الإديولوجيا، سرعان ما نبذت ذلك لتنزح إلى حزب اليمين، مما أزعج الكثير من معجبيها الأوائل.

يقول ماهر شفيق فريد :

مفهوم التناص ليس حكرا على كريستيفا وحدها.

فقد عبر نورثروب فراي و رولان بارط و هارولد بلوم و غيرهم عن فكرة مؤداها أن القصائد إنما تصنع من قصائد أخرى على سبيل المحاكاة أو المعاضة أو الإكمال، إلخ…

( انظر ماهر شفيق فريد، ما وراء النص، اتجاهات النقد الأدبي في يومنا هذا، الدار المصرية اللبنانية،الطبعة الأولى، القاهرة، 2016، ص286-287)

[2] أبو عثمان الجاحظ، الحيوان،  الجزء3، ص311

بقلم: عبد الرحمان بردادي

أضف تعليقك هنا