الرئيسية / الحياة / لا وجود للسعادة في هذا العالم

لا وجود للسعادة في هذا العالم

في الحقيقة، لا يمكنك أن تدّعي وجود السعادة في هذا العالم أبدًا. ولو نظرت إلى الأديان والمذاهب والنّظريات الّتي تتعلق بأنطولوجيّة الإنسان وموضعه في هذا الكون الفسيح التي ابتدعها على مرّ الزمان، منذ عصور ما قبل المجتمع الإغريقي، وما قبل الفلاسفة السّقراطيين، وإلى العصور الّتي تلت كلّ ذلك وصولًا إلى عصرنا هذا، أقول: لو نظرت إلى كلّ هذه الأشياء، لوجدت أن شغل الإنسان الشاغل هو البحث عن معنًى ما لوجوده، معنًى يسوّغ له وجوده في مثل هذا العالم، معنًى يتجنّب به الفراغ الأنطولوجيّ والفزع الوجوديّ النّاشئ عن جهله وافتقاده إلى شيء يحدّد له موضع وجوده ضمن هيراركيّة الكون. ولئن كان شغل الإنسان هو هذا، فذلك يرجع إلى عدم قدرته على احتمال حياة بلا معنًى، إنه يخشى عدميّة المعنى، وكلّما فقد هذا المعنى الذي يضفيه على حياته وواقعه، ألبس الواقع حُلّة أخرى قشيبة راجيًا منها أن تستحيل جدولًا يشقّ الأرض ليتدفّق فيه ذلك المعنى ويروي ظمأه الأنطولوجيّ.

 

لطالما وُجِد المتشائمون ولاعنو الوجود في التّاريخ، كما وُجِد أولئك المتفائلون كثيرًا بخيريّة وأفضليّة هذا الوجود، إلاّ أن هؤلاء الأخيرين يصيبهم عادة نوع من الإحباط أو فقدان الأمل وتهاوي نظرتهم المتفائلة، كلّما عُرِّضوا لنوائب الدّهر. وأزعم أن كلّ نظرة متفائلة إلى الوجود، تحوز في داخلها نظرة مقابلة تناقضها تمامًا، تظهر عندما تسوق هذه النظرة إلى نهايتها، وتقود إلى نوع ما من خيبة الأمل وفقدان الثقة بهذا التفاؤل غير المسوّغ.

 

فعندما انطلق أرسطبس/أرستيب (436-355 ق.م) -صاحب المدرسة القورينائية اللذيّة والمؤسس الأول لمذهب اللذة- من المبدأ السقراطيّ القائل بأن السعادة هدف الحياة البشرية، وصل إلى أن السعادة هي اللذة، واللذة جيدة بذاتها، فهي الخير الأقصى إذًا. وإن الحكمة تقتضي الحصول على اللذة، وخاصة اللذة الحركية المعتدلة المحدودة بلحظة وجودها، والسعي وراءها، إذ إن الحكمة لا تُطلب لذاتها وإنما تُتخذ وسيلة للمتعة. فلا خير سوى الانطباعات التي نشعر بها مباشرة في نفوسنا، لأن الإنسان -كما يقول أرسطبس- معزول عن العالم الخارجيّ وكأنه مدينة ضُرب عليها الحصار، فلا يدرك سوى انطباعاته من غير أن يعرف أسبابها الخارجيّة. وليس الدين يتعلق بالناس، بل بالآلهة. ولذا، لا ينبغى للدين أن يتدخل في حياة البشر.

 

لكنّ أفكار مذهب أرسطبس هذا انتهت إلى أفكار أخرى انقلبت على سعي مذهبه إلى السعادة، خاصة عندما نجري الحسابات اللذية: أمِنَ الأفضل أن أبحث عن لذة قوية وقصيرة الآن، مجازفًا بجعل نفسي عرضة للمعاناة في ما بعد، أم أوجِّل اللذة الآن بأمل الحصول على سعادة أطول مدّة في ما بعد؟ إذ جاء ثيودورس (Theodorus) الّذي يعتبر الرجل الوحيد المنكر للآلهة والملوك في ذلك العصر حتى لُقّب بالملحد، فأخذ عن أرسطبس نظرته إلى الدين وغلا فيها فقال: إن حرية الإنسان الباطنية تكمن في استقلال الفكر وانطلاقه، وإن قيمة العمل تقاس بنتيجته، حتى قد يباح لك إن كنت بمأمن من العقاب أن تفسق وتكفر وتسرق وتزني. وجاء أيضًا هيجسياس (Hégesias) يريد أن يطبق حساب اللذة فيجد النسبة بين اللذة والإلم في عصره. فرأى أن الناس لو أرادوا أن يحسبوا العلاقة بين اللذة والألم، سيكون معدل الإجابات سلبيًّا، وسيفوق مجموع الألم بسهولة مجموع اللذة. لذلك، إن حياة كهذه ليست جديرة بأن تُعاش، ولا تبدو الحياة نعمة إلا لمن كان بلا عقل. لذلك، نصيحة هيجسياس بالانتحار آنئذ ليست بنصيحة شاذة. وإنّي لأدّعي أننا لو أنشأنا حسابًا كهذا في عصرنا الآن لوصلنا إلى نتيجة مشابهة.

 

أقول: ليس هناك أكذب من المتفائل الذي يدعو الناس إلى إيجاد السعادة في حياتهم، ويعدهم بأنهم سيفعلون. إنك سرعان ما ستعرف كذب هذه الدّعوة. فالسعادة إما أن تجيء مرّة واحدة ودفعة واحدة، وإما فلا.

 

ومنذ القدم، سعى الإنسان إلى أن يحيا جيدًا، وأن يضفي معنًى ما على وجودنا نحن البشر الفانين. وإن كثرة الأجوبة عن مثل هذا السعي الدؤوب لهي دليل برأيي على فقدان الإنسان لتلك النّظرة المَرْضيّة أو ذلك الجواب المرضيّ، وإيجاده المستمرّ لأجوبة لا تفتأ تفنى وتستحيل رمادًا بتقلّب الدهور. لكن لربّما كان مرام الإنسان هو هذا فقط: أن يجد ما يمتّعه ويمثّل له معنًى لوجوده في هذه اللحظة الراهنّة فقط، دونما اهتمام بما يتعدّى هذه اللحظة. لكن لعمري إن هذا ليس يستحقّ أن يسمّى معنًى أو مسوّغًا.

 

ولكنّ تعدد الفلسفات التي تسوّغ وجودنا وتضفي على حياتنا معنًى ليس بالأمر السيّئ، إذ لا يختلف تاريخ الفلسفة عن تاريخ الفنّ كثيرًا، فكلٌّ يتبنّى النظرة التي تعجبه، بغض النظر عن صحّتها إبستمولوجيًّا. وأمّا الأجوبة عن سؤال المعنى، فهي خمسة:

 

– بادئ ذي بدء، كانت النظرة الأولى ثاوية في الميثولوجيا الإغريقية منذ فجر العصر القديم اليونانيّ. إذ تمثّلت في القصص الأسطورية والملاحم: كما في كتاب أصل الآلهة (Theogony) لهزيود (Hesiod)، وأوديسّة هوميروس. فكرة هذا الجواب الأساسية تقوم على أن العالم ليس فوضى وعدم انتظام، إنما العالم مكان متناغم تمامًا، وإن هذا الكوزموس (Cosmos) عادل على الإطلاق وجميل وحسن. ولمّا كان الكوزموس بهذا التناغم، فلكلّ كائن في صلبه منزلة محدّدة تتوافق مع الدرجة التي يحتلها في هرمية الكون بالنظر إلى صفاته الطبيعيّة وقدراته. وحياتك تزدهر عندما تكون جزءًا من هذا التناغم الكونيّ، وتحافظ على نفسك قطعة فيه، وتتأمل في الكمال الإلهيّ للكون فتلتصق به على وجه أفضل، وتقوم بدورك المنتَظر منك وتُنمّي قدراتك. إنك بذلك تزيد من مسؤوليتك وإحساسك بأنك تشارك في ألوهية التناغم الكوني السرمدي؛ منبع ومنتهى كلّ قيمة حقيقيّة، فيقلّ خوفك من الموت، وتصبح جزءًا من هذا الكون، أي قطعة من السّرمديّة، فيصبح الموت مجرّد أمر يسير لا يُفقدنا سوى النصيب الخسيس والتافه من وجودنا الفردي. إذ ما قيمة الوجود الفردي ما دمنا قد صرنا قطعة حقيقية من هذا التناغم السرمديّ؟

 

وإنك لن تنزع عن نفسك هذا التناغم إلا بإتيان الإبريس (Hybris)، أي ذلك الإفراط والغطرسة والغرور، عندما تغترب عن ذاتك، وتُدخل عدم توازن في التناغم الكونيّ، فتفقد الحكمة وتستحيل حياتك قبحًا. إنك إن أردت حياة طيبة، فما عليك سوى أن تطبق العبارتان المكتوبتان على معبد أبولون (Apollon) في دلفي: «اعرف نفسك بنفسك»، «ولا شيء أكثر من اللازم». انسَ الماضي والمستقبل، فهما يُثقلان على الحياة البشرية، وأقم في الحاضر وعشه بملئه.

 

الجواب الثاني

نجده ذا طابع دينيّ، أي في المبدأ اليهوديّ المسيحيّ، في العصور الوسطى. ولئن كان الجواب الأول مُعلْمَنًا (أي خاليًا من الآلهة أو سلطة ربّانيّة)، فهنا أُضفيَ على الجواب عنصر ميتافيزيقي إلهيّ. فلئن كان الخلود الذي يمنحنا إياه الجواب الأول خلودًا غير شخصيّ ولا يمتّ إلى تجربتنا الشخصية بصلة، ولسنا من خلاله سوى قطعة في نظام كوني أكبر، فإن الجواب الذي قدّمه المبدأ اليهودي المسيحي ليس كذلك؛ إنه جواب أكثر شخصيّةً. إذ لم يعد الناس يبحثون عن المجد والشرف والاعتزاز كما كان يهتمّ اليونانيّ بالوصول إلى ذلك، فبانت الحكمة اليونانية والرومانيّة أقل ظفرًا بالرضا والقَبول.

 

تستند الفكرة المسيحية إلى نوع من الخلاص يتعلّق بالشخص أكثر،

إذ إنك كإنسان لن تكون مجرّد عنصر يذوب في بُوتقة نظام كوني أسمى، بل إنك على العكس من ذلك، ستُقاد إلى الخلاص بالبعث جسدًا وروحًا، فيكون الخلاص على نحو فرديّ، وليس بصفتنا قِطَعًا. وهكذا ننتصر على الموت، ونتخلّص من خوفنا منه، وليس هذا فحسب، بل لا بأس بموت أحبّائك، إذ إنك في نهاية الأزمنة، وفي الملكوت السّرمديّ، ستلتقي بهم من جديد، ستلتقي بكلّ من أحببت وفقدت. والحبّ أقوى من الموت، فبه نحقّق الخلاص، وتُفتح لنا سبيل الأبدية والخلود. ولن يكون إيماننا ورجاؤنا هباءً، فالإيمان ساعدنا على الخلاص ولن نحتاج إليه بعد أن نجتمع وحضرة الإله، والرجاء سينقطع إذ إنه قد تحقّق كاملًا غير منقوص. وهكذا تكون الفضائل المسيحية الثلاث قد تحققت، وانتهينا إلى الخلاص الحقيقي. وإن إله المسيحيّة إله شخصيّ رحيم، يتحول بذاته إلى إنسان إلهي. أي نجد نوعًا ما من أنسنة الإلهي عبر التجسد، وتأليه الإنسانيّ عبر الخلاص.

 

هذا كان الجواب المسيحي ذو المنطلق اليهوديّ. لكن هذا الجواب، على الرغم من إنسانيّته بالنسبة إلى الجواب اليونانيّ، قد سجّل تراجعًا ما للعقلانية اليونانيّة التي اعتمدت على نظرة مُعَلْمَنة، وذلك من ناحيتين: خضوع العقل من جديد للإيمان، وتحديد سبل الحياة الطيبة لم يعد ملكًا للبشر، وإنما للإله.

 

– يجيء المبدأ الإنسانوي ثالثًا، في عصر النهضة، كامتداد -نوعًا ما- للنظرة المسيحية. حيث يصير الاعتبار الأهم للإنسان، أي إن معنى الوجود يُؤسَّس على الإنسان بما هو إنسان، على عقله وحريته، على إيمانه بأنه هو وحده قادر على الاضطلاع بصنع مصيره الخاص، وابتداع معنى وجوده، بفضل مَلَكاته الذهنية التي ينماز بها عن غيره من الكائنات. إنّ كينونة الإنسان وحده كافية، ولسنا نحتاج إلى شيء متعالٍ عنّا حتّى يسوّغ لنا حياتنا ويظهرنا على معنى وجودنا. فعصر النهضة هو عصر عودة الإنسان إلى المركز. وقد بدأت هذه النّظرة بالتبلور على يد جيوفاني بيكو ميرندول وديكارت.

أمّا الأول

فقدّم فكرة أن ليس هناك من طبيعة بشرية، ولا أي نظام طبيعي يكون الإنسان ملزمًا بالامتثال لهما. إنك بوسعك أن تتخلص من الطبيعة لأنك حر، ولأنك حر فلك حقوق لا بدّ أن تحميها وتضمنها، ولك تاريخ اصنعه بنفسك بما حقّقته بحرّيتك من إنجازات، إذ يجب أن نتخلّص من تاريخ الآلهة، فتاريخنا هو تاريخ تقدّم العلوم والفنون والعادات. لسنا ملزمين بالقواعد ولا بالعادات ولا بالتقاليد. لمّا كان الإنسان لا شيء ممّا تحدّده الطبيعة، فأصبح بإمكانه أن يصير كل شيء، فيبني شتّى ضروب تاريخه ومصيره. ولمّا خلق الإله الحيوانات والنباتات، وهب كلّ واحد من الأنواع صفتين جوهريتين: عددًا معيّنًا من المواهب الفطريّة، ومنزلة خاصّة في هيراركية الكون، ينفرد بها كل واحد منها. ولمّا انتهى الإله من توزيع المواهب، فطن إلى أنّه لم يعد لديه ما يمنحه للكائن البشري من مواهب تُحدّد منزلته في الكون. وهكذا، ليس للإنسان ماهيّة تسبق وجوده، ولسنا نحتاج هنا إلى بروميثيوس حتّى يمنحنا النّار، بل هذا تمامًا ما يميّز الإنسان. إنه بلا مواهب، وبلا أي منزلة خاصّة، لكنّه يمتلك العقل الذي ينماز به عن سواه، ولمّا كان له ذلك، كان حرًّا وذا قدرة على أن يصنع مواهبه الخاصة وأن يخترع ويُبادر ويبدع، إنه بالقوّة قادر على أن يكون صاحب المواهب بامتياز، أو المدمر بامتياز!

 

أمّا الثاني

فتتمثّل أنسنته في جعل الإنسان مركزًا ننطلق منه حتّى لنعرف من خلاله وجود الله. إن الإنسان هو المنطَلق، وهو الوجود الّذي لا يُشَكّ بوجوده، ويتمثّل هذا في الكوجيطو الديكارتيّ. وإذ يدلي ديكارت بكوجيطه، فإنه لا يقصد به نوعًا ما من الاستنتاج القائم على مقدّمات، بل يقينًا مباشرًا حدسيًّا يصل إلى صدق وجودنا بمجرّد التفكير فيه. ومن هذه النقطة، من نقطة يقين وجود الإنسان، ننطلق فنعيد بناء صرح العلم والفلسفة والمعرفة. هكذا، يمكنك أن تفترض أن عقلك مجرّد ورقة بيضاء (Tabula Rasa)، تستبعد بها كلّ ما هو آتٍ من الماضي وجميع الأحكام المسبّقة والأفكار الجاهزة، مقابل اعتبار مقتضًى أساسيّ: أن نفكّر بأنفسنا. وبهذا، نتحرّر من الإلزام بالبحث عن مصدر معنى حياتنا خارج ذاتنا، أي من خلال كوزموس أو قانون طبيعيّ أو إله متعالٍ، فنصبح الوحيدين المخوّلين بابتداع معنى وجودنا، ويصبح أخيرًا بوسع البشر أن يصيروا «وكأنّهم أسياد الطّبيعة ومالكوها»، كما يخبرنا ديكارت.

 

ليس تاريخنا شيئًا مفروضًا علينا، ونحن أحرار بالتّخلّص من الإكراهات الطّبيعيّة والاجتماعيّة، وإنّك حر في الانقلاب على تقاليدك وتاريخك، فنستهلّ تاريخًا يرتفع على صرح الابتكارات والتقدم، تاريخًا تقوده نزعة تروم الإصلاح المستمرّ والدفعات الثوريّة الّتي تكسر نير الماضي. ووحده الإنسان هو من يضفي المشروعيّة على الحق والعادل والجميل والحسن.

 

وبهذا، تصير حياة الإنسان الطّيبة في منظور الإنسانويّة الحديث ذات سمتيْن مميّزتين: فتُعلي هذه الحياة من شأن العلوم والمعارف والثقافة والتربية فنصل إلى ما يسمّيه كانط «الفكر المتّسع والكونيّ»؛ من جهة أولى. ويقتنع المرء في هذه الحياة بأنّه قد حاز المسوّغ الأمثل لحياته، وأنه قد أنقذها من عدميّة المعنى إذ أثراها بفضل عبقريّته الأدبية والفنية والفلسفيّة، وساهم في صنع التاريخ وابتداع المعنى بوضع لَبِنته الصغيرة بغية تشييد صرح التقدم وبناء المستقبل الأفضل للبشرية برُمّتها؛ من جهة ثانية. وبدلًا من شقّ اسمنا في نسيج الكوزموس، فإنّنا ننحت من الصّخر رجالنا العظماء، فنُقيم لهم التماثيل، وننقش أسماءهم على الرّخام ويافطات الشّوارع، فنتلمّس الخلود والأبديّة. إنك بإسهامك في بناء صرح البشرية في مسيرتها نحو المستقبل الأفضل والحرية والعدل والعلم، تحوز بُعدًا من أبعاد الخلود، فيُسجّل اسمك في التّاريخ وتحفظ ذكرك المكتبات والكتب وصفحاتها وذاكرة البشرية، فتشارك في اللانهاية. إنك في خضمّ عالم تخلّى عن خلاص مسيحيّ، ليشرئِبّ برأسه عاليًا مدشّنًا بذلك عصرًا يقدّم «أديان خلاص دنيويّ» لا يروم عالمًا غير هذا الذي بين يديه.

 

إلاّ أنّ البشر سرعان ما عرفوا تفاهة هذا المعنى أو ضحالته. ولئن كنّا في الكوزمولوجيا اليونانيّة مجرّد قطعٍ من الكون المتناغم، فإنّنا -وعلى نفس الشّاكلة- مجرّد قطعٍ من تاريخ تقدّم البشريّة: إنّنا مجرّد اسم منقوش على الرّخام ومكتوب على الصّفحات بمداد الأقلام. إنّ نصيب حياتك المؤهّل للنّجاة تافه وخسيس: ما معنى أن يبقى اسمك مخلّدًا، وأنت نائم في قبرك لا تعرف أيّ شيء؟ إن الإنسان لا يكفيه ذلك. إنّك إذ تذوب في بوتقة كوزمولوجيا أولى سابقًا، تذوب هنا في تاريخ من التّقدّم اللانهائيّ. لهذا، لم يضطلع المبدأ الإنسانويّ الجديد بطرد المسيحيّة وخلاصها الذي تقدّمه لنا من لوحة المشهد الأوربّيّ. إنّ هذه الإنسانويّة الأولى تُمَثلِن الإنسان أكثر من اللازم، وتنسى ذلك النصيب من الإنسان الملتحم بالجسد، والّذي ستجيء الحقبة الجديدة لتُحرّره وتطلق العنان له وتُخلّصه من أغلال المثالية التي تنظر إلى جانب أحاديّ من الإنسان: جانب العقلانية والتجرّد والأخلاق.

 

– جاءت بعد ذلك المرحلة الرابعة القائمة على مبدأ التّفكيك وتحرير كمونات الإنسان، على يد شوبنهاور ونيتشه وماركس وفرويد وغيرهم. جاء هؤلاء فسعوا إلى تفكيك المُثُل المؤسسة على الدّين أوّلًا، والمبادئ الإنسانوية ذاتها ثانيًا التي ابتدعها الإنسان ليُخلّص نفسه من مُثُل الدّين: لقد ظنّ متوهّمًا أنّه تخلّص من الأولى، فألبس نفسه -بدلًا من ذلك- نيرًا قشيفًا وظنّه مخلّصه ومانحه صكّ الحياة المثلى الطافحة بالمعنى. لقد احتلّتنا الإيديولوجيّة، فرام هؤلاء المفكّكون تخليصنا ممّا ألزمنا أنفسنا به، من هذه القيود الّتي تُكبّلنا، ليُحرّروا أبعادًا من الوجود أهملتها الإنسانويّة الأولى وقمعتها.

 

ليست مُثل الأديان العليا والميتافيزيقا الكلاسيكيّة والحداثة والإنسانويّة سوى أوثان يروم نيتشه تحطيمها. ولا يقتصر الأمر على هذه المستويات، بل إنّ الإيديولوجيات التقدميّة الّتي تدّعي باسم العقل والأخلاق والحرية والتاريخ تحرير الإنسان، تخضعه وتُخضع الحياة بدلًا من ذلك لقيم مثاليّة عليا مزعومة، تعلو على الحياة وتحيطها بثوب من الوهم: الديمقراطية، الشيوعيّة، الإنسانيّة، العدالة الاجتماعيّة، الحرية… أيّ كذب ودجل هذا! ولنعرف الأوثان هذه، فما علينا سوى أن ندرسها جنيالوجيًّا، فنكشف عمّا يتخفّى وراءها من دوافع خفيّة ونيّات تنفي الحياة.

 

لقد اعتزل الناس أديان الخلاص الأخرويّ ليبتدعوا خلاصًا دنيويًّا، إلاّ أنّ هذا الأخير يظلّ دينًا مع ذلك. ويكفي أنّها -هذه الأديان الجديدة- تزعم صلاحية التضحية من أجلها، فتسوّغ هذه الفَعلة الشنيعة وتدين كلّ من يرفض الخضوع لها، فتفرض نفسها على الجميع كَوَثن جديد، يزعم أنّه المعنى الحقيقي الوحيد في هذه الحياة. إنّها أحكام قيم معياريّة تعلو على الحياة، فلا بدّ لهذه الأخيرة أن تطمح إلى بلوغها، ولو بالقوّة، حتى نتجنّب أن تكون حياتنا بؤسًا. كلّ مثل أعلى يبتدعه الإنسان ينفي الحياة، ويخمد قوانا الحيّة، ويفترض الحكم على الحياة من خارجها وهذا وهم. وهذه هي «العدميّة» بمفهوم نيتشه: أن تنفي الأرض باسم السماء، وتنفي الدنيا باسم الآخرة.

لقد قادت الأنوار إلى «موت الإنسان»،

إذ لم تكتفِ بمَثْلَنَته، بل جعلت منه إنسانًا خاليًا من اللاشعور، مغترًّا بنفسه ومتوهّمًا أنه شفّاف تمامًا مع نفسه، ظنًّا منه أنّ يملك زمام أمره تمامًا. الكوزمولوجيا اليونانية والأديان الكبرى وإنسانوية الأنوار، كلّها تشارك في نفي الأرض باسم السماء، والواقع بالمثل الأعلى، والدنيا بالآخرة. وبتحطيم كلّ هذه الأوثان، تُطلَق طاقاتنا وتُحرّر ونصبح أكثر قوّةً وثراءً، وخصوصًا عندما تنمو طاقاتنا جميعها معًا دون نفي وقمع بعضها ليزدهر الآخر. وبهذا، لن يعود هناك من شيء خارجيّ يحكمك ويُرتّب أولويّاتك. أن تعيش الحياة بلمئها، وتتخلّلك تلك الرغبة في أن تحيا ما عشت من جديد، وبلا أيّ نهاية: إنّه العوْد الأبديّ.

هنا نقع على بُعد من أبعاد الأبديّة، إذ تُحرّر اللحظة الراهنة من نير الماضي وذكرياته، والمستقبل وآماله، فتصبح بَذرة من الأبدية تُصالح بها الواقع وتشعر بتوافق كامل معه. إنّها أبدية محايثة لوجودنا، وتجعل الأرض منطلقًا لها. هكذا سيعود الاعتبار لما كان مُهملًا: اللامعقول واللاشعور والدّوافع، وليس هذا فحسب، بل ستصير موضوع اكتشاف. وسيُهتمّ بالإنسان كلّه فيسقط رداء المثالية الذي يحصر الإنسان في جانبه العقلاني والأخلاقي والتّجريديّ، ليُعاد الاعتبار للجنس والجسد والعنف والحيوانيّة التي لا يملك الإنسان أن ينكرها جزءًا منه. بتعبير آخر: صار الإنسان أكثر التحامًا بجسده.

لكن مع كلّ هذا العرض، وبمقولات يوردها نيتشه من قبيل: «لا وجود هناك لوقائع، بل ثمة مجرّد تأويلات»، و«ما هو في حاجة إلى البرهنة، لا يساوي شيئًا يُذكر»، فإنّنا نقع في مأزق يتمثّل بنوع من النّسبويّة المطلقة، وتظهر المشكلات من جديد!

 

حلّ أخيرًا في المرحلة الخامسة «الحبّ»

مبدأ جديدًا يزوّد حياتنا بالمعنى. إنّه مبدأ لم يكتف بالحفاظ على كلّ ما قيل سابقًا، بل عمل على تجاوز ما اكتنفه من تناقضات. نُسمّي هذه إنسانويّة ما بعد التفكيك، إنسانويّة تقوم على الحبّ، وإذ نقول: الحبّ، فلسنا نقصده بذلك المعنى العاطفيّ كالخوف والغضب، بل قد صار حبًّا ذا مبدأ ميتافيزيقيّ جديد، ينطلق من الحياة نفسها ليضفي على حياتنا نحن المعنى. إنّنا بهذا الحبّ نتجاوز ذاتنا قصد إنشاء مُثل جمعيّة جديدة، نبتغي من ورائها ترك عالم يمكن لنا العيش فيه، نحن وأحبّاؤنا وأطفالنا والأجيال القادمة. إن هذا المبدأ وإن كان مثلًا أعلى جديدًا قد يبرز كوَثَن آخر، فإنه -مع ذلك- يجعل منطلقه ما هو أرضيّ. ليس يثوي الحبّ في ما هو من حولنا من أشياء، إنه قابع فينا نحن، في داخلنا. هو واقعنا الأساسيّ ومبتغانا في هذه الحياة وغرض عيشنا.

 

وصار الحبّ بعد ذلك هو القاعدة لجميع أشكال الزواج والقِران، بدلًا من الاعتماد على التقاليد. وإذ حصل ذلك بعد الحرب العالميّة الثانيّة، فمردّ ذلك إلى الثورات الصناعيّة، إذ أغرى هذا الانقلاب الشبّان والشابّات بمزيد من البحث عن الاستقرار والاستقلال، فعملوا وتخلّصوا من أقاربهم شيئًا فشيئًا. وحلّت العائلة الحديثة مكان العائلة التقليديّة، زاد الاهتمام بالأبناء، وظهرت نظريّات التّربية الّتي تروم إنشاء جيل لا يتحلّى بالمعارف فقط، وإنما بشخصيّة موزونة ومُخيّلة وافرة وإبداعيّة خلاّقة، فضلًا عن المهارات الرياضية والفنية. عاد الإنسان غير منطوٍ على نفسه، بل أصبحنا نبحث عمّا هو جمعيّ. لقد برزت الغيريّة، وخمدت الأنانيّة. ينماز هذا الحبّ بأنه لا يتعالى على الواقع، إنّه تعالٍ مختلف، تعالٍ يجعل الأرض منطلقه. ليس هذا الحبّ حبًّا «إيروسيًّا» يسعى إلى التّملّك والغَيرة فيأخذ ويستهلك، ولا «فيليًّا» يبتغي الصداقة فقط ويبتهج بمجرّد وجود الآخر، ولا «أجابيًّا» يمنح الآخرين دون أي مقابل، إنما يحاول أن يتجاوز حصر نفسه في ناحية واحدة، فيفيد من الثلاثة معًا.

 

في الحبّ نجد من جديد تعاليًا للمعنى، إذ يجعلنا نخرج من ذواتنا لنمنح حبّنا لغيرنا، لكنّ هذا الشعور لا يتعالى على الواقع، إنه موجود في الأرض، في بواطننا نحن وقلوبنا. يفتح لنا الحبّ تجرِبة جديدة من التعالي، إنّنا بهذا المبدأ الجديد نتعالى لا بأن نترك الحياة، بل «بمحايثة الحياة نفسها»، كما يقول هوسّرل. إنّنا نضفي على الحياة بُعدًا مقدّسًا من صلب الحياة ذاتها، ودون أن يتردّى في أوهام الميتافيزيقا. إنّنا في هذا الحبّ الفينومينولوجيّ، نتجاوز ذاتنا في تعالي الآخر، لكنّه ليس أيّ آخر، إنّه ذلك الّذي نحبّه فيساعدنا في التّغلّب على أنانيّتنا. إنّنا نعيش تعاليًا من نوع خاصّ، تعاليًا تُقابله مُحايثة حياتنا الباطنيّة، فلا نتجاوزها إلى شيء خارجيّ، فالمحبوب يعيش على الأرض، وليس في السّماء. وبتعبير نيتشه، فهذه الإنسانويّة الجديدة «لا تُجدِّف على الأرض».

فيديولا وجود للسعادة في هذا العالم

 

أضف تعليقك هنا

زين إسماعيل الشرقاوي

زين إسماعيل الشرقاوي

[addthis tool="addthis_inline_share_toolbox"]