السعودية 2030 بين الرؤية الحديثة والموروثات القديمة

السعودية 2030 بين الرؤية الحديثة والموروثات القديمة

الرؤية الطموحة القوية للعام 2030

طالعت تفاصيل الرؤية الإستراتيجية للدولة السعودية 2030 ، تغمرني مشاعر عديدة من السعادة والإعجاب والخوف والحذر .. نعم خليط من المشاعر تجاذبني أطرافه وأنا أقرأ تفاصيل تلك الرؤية الطموحة القوية الحالمة، والتي تنبئ بقدر كبير من التحول الفكري والاستراتيجي لدى قادة الدولة السعودية.

أهداف رؤية 2030 الـ24

أربعة وعشرون (24) هدف رئيس تضمنتها محاور تلك الخطة الإستراتيجية تنوعت بين أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية عكست ذلك الطموح الكبير لدي قادة الدولة ، وأظهرت ذلك الإصرار والعزم القوي علي التحول الإستراتيجي لمسار الدولة السعودية.

ومع عدم الإعلان عن البرامج التنفيذية التي سيتم وضعها لتحقيق تلك الأهداف الإستراتيجية يكون من السابق لأوانه الحكم على مدى إمكانية نجاح تلك الرؤية ، وقدرتها على تحقيق أهدافها الإستراتيجية.

ولكن ما دفعني حقيقة إلي كتابة هذا المقال هو حبي الشديد لهذا الوطن ، ليس فقط من منطلق ديني وعقائدي ، ولكن كذلك من منطلق اجتماعي وإنساني فلقد نشأت في هذا البلد طفلاً في سبعينيات القرن الماضي ، وعملت به شاباً منذ مطلع القرن الحالي.

وهذا في الحقيقة هو ما جعل مشاعر الخوف والحذر تنتابني وأنا اقرأ محاور تلك الرؤية ، فأنا أعلم جيداً طبيعة المجتمع السعودي كما يعلمه غيري ممن نشأ وترعرع في أحضان هذا البلد الحبيب.

أمثلة على موروثات سعودية اجتماعية غير داعمة لمسيرة النهوض

كلنا نعلم أن لهذا المجتمع طبيعة خاصة تكونت على مر العقود الخمسة الماضية، حملت أبناءه بموروثات اجتماعية أقل ما توصف به أنها غير داعمة لمسيرة النهوض والتقدم ، والتي أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

  • الركون للأعمال الإدارية والبعد عن الأعمال الفنية والمهنية ، فغالب المواطنين السعوديين قد اعتادوا أن يشغلوا وظائف إدارية وقيادية أياً كان مستواه الوظيفي .
  • الأنفة عن ممارسة بعض الأعمال ، وتركها لجنسيات أخرى ، مع أنه لا يوجد لذلك مثيل على مستوى العالم الذي يشارك أبناؤه في العمل في جميع التخصصات والأعمال كل حسب إمكاناته وقدراته.
  • انخفاض معدل الإنتاج لدى الشريحة العظمى من المواطنين سواء كان ذلك في القطاع الحكومي أو الخاص إذا ما قورن بمثيله من الجنسيات الأخرى في نفس العمل أو في أماكن أخرى ، ساعد في ذلك دعم الدولة اللامحدود لتوظيف المواطن السعودي (وذلك لخفض نسب البطالة) سواء بدفع أجزاء من الراتب أو فرض نسب للسعودة الإجبارية ، مما دفع أصحاب الأعمال إلى إجراء مجموعة من التعيينات الصورية علي الورق ، أو التعيينات شبه الصورية والتي يعمل فيها الموظف السعودي فعلاً ولكن بشكل غير فعال وبدون أن يتم تقييم جودة أدائه أو محاسبته على مستوى إنجازه ، لأنه من البداية قد تم تعيينه دون انتظار الكثير منه ، فقط لتغطية نسبة السعودة المطلوبة. وهذا ما خلق نسب عالية من البطالة المقنعة في سوق العمل السعودي.
  • نظام الكفيل وغيره من الأنظمة الإدارية التي أعاقت اندماج المقيمين الأجانب (غير السعوديين) على أرض هذا الوطن بشكل فعال يسهم في نهضة وتقدم الدولة على غرار مثيلاته من الدول الأجنبية المتقدمة.

الحاجة إلى حملات قومية اجتماعية سعودية تهدف إلى اكتساب قيم اجتماعية وإدارية جديدة

ما سبق وغيره من الموروثات الاجتماعية والإدارية في المجتمع السعودي قد يشكل العائق الأكبر أمام تحقيق هذه الرؤية الطموحة ، والتي تحتاج في حقيقة الأمر قبل وأثناء وبعد إعداد البرامج التنفيذية إلي الكثير من الجهد في إزالة تلك الموروثات، والبدء بحملات قومية اجتماعية تهدف إلى اكتساب قيم اجتماعية وإدارية جديدة تسهم بشكل فعال في دفع عجلة التقدم، وتشكل الركيزة الأساسية في إطار التحول الإستراتيجي.

حملات سعودية بمنهج علمي مدروس

على أن تقوم إدارة تلك الحملات القومية بانتهاج النهج العلمي في إدارة تلك الحملات من حيث القياس والتحليل والتحسين والمراقبة، وقياس الأثر الناتج عن تلك الحملات بشكل علمي ودقيق، وتحليل تلك النتائج ووضع التحسينات المطلوبة على الخطة الموضوعة، ومراقبة تلك التحسينات المستمرة للوصول إلي النتائج المرجوة.

وفي ختام مقالي هذا أدعوا إلي تدشين حملة قومية لتحويل تلك الرؤية إلي مشروع قومي يرتبط بوجدان كل مواطن ومقيم على أرض هذا الوطن العزيز الغالي عن طريق قيام المكتب الإعلامي المسئول بتوزيع المنشورات والمطويات وعقد اللقاءات والمؤتمرات.

ينبغي أن تكون أهداف تلك الرؤية معلقة في جميع الجهات الحكومية والخاصة، وعلى لوحات الدعاية العامة، وفي الميادين والشوارع الرئيسة، وفي المدارس والجامعات.

يجب أن يحمل كل مواطن ومقيم أهداف تلك الرؤية، لا أقول في جيبه ولكن في قلبه.

أضف تعليقك هنا

د. أحمد حسنين

خبير إدارة المشروعات واستشاري الادارة الاستراتيجية ،باحث في مجال العلوم الإدارية والتنمية البشرية ،كاتب ومفكر استراتيجي ، له العديد من المقالات والمؤلفات .