الرئيسية / أدب / قصة / مغامرات ( حمّود ) / الجوال ـ 11 ( الأخيرة )

مغامرات ( حمّود ) / الجوال ـ 11 ( الأخيرة )

بداية تطبيق العلاج النفسي

استمع والد حمّود إلى ما قاله صديقه الطبيب النفسي بإنصات، واستوعب كل كلمة وكل نصيحة وتوجيه، وحفزه الطبيب على أن يبدأ مع ابنه خطوات العلاج اليوم قبل غدٍ، لأن كل تأخير يعني استفحال المصيبة والولوغ في الإثم أكثر وأكثر.

من ضمن ما قاله الطبيب النفسي لوالد حمّود ونحن نسوقه هنا لأهميته القصوى لكل أسرة لديها شاب أو مراهق مرّ بنفس الطريق، أو أن أهله يرتابون في سيره في درب الإدمان على مشاهدة الأشياء المخلة بالآداب، فقد قال له الطبيب : ” إن من الأهمية أن يصارح الأب ابنه إن وجد في جهازه صوراً مخلة بالآداب، من دون اتهام أو عدوانية، حيث يبدأ الحديث معه بكل هدوء، ناصحاً له بعدم تضييع وقته، وشغل فراغه بالمذاكرة أو ممارسة أي من أنواع الرياضة، حتى لا يشعر بحاجته لمشاهدة مثل تلك الصور، التي تدمر نفسيته، وربما تضر بصحته الجسدية أيضاً”.

أدرك الوالد حينها كم كان مخطئاً حينما فكر بضرب حمّود حال اكتشافه ما في جواله، وهذه النصيحة الهامة أعادته إلى رشده بعد أن كاد يفسد كل شيء.

ضرورة الابتعاد عن العنف والتعامل بحكمة

أنّ الحكمة والبعد عن الانفعالات والتوبيخ هو التصرف الأمثل في مثل هذه الحالات، فإن أخطأ ابنك فتأكد أنّه بشر، والبشر يخطئون ويستغفرون، والله سبحانه وتعالى يقبل التوبة ويغفر الذنوب، ويبدل السيئات حسنات إذا تاب الشخص، مبيّناً أنّ الأب يتحمل جزءاً من مسؤولية ما حدث بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن معالجة الأمر والبحث عن حلول يكون بعقلانية.

كما حثّه الطبيب ـ والأمر موصول كذلك للأم المسكينة المكلومة ألا تفقد أعصابها ـ إلى أن يقولا لـ حمّود كلمات رنانة، وعبارات قوية، لها أثر بالغ في تعديل السلوك، مثل: (أنت لست قليل الحياء، بدليل أنك أخفيت عنا رؤيتك لهذه الأفلام  والصور، لحيائك منا، وهذا يدل على احترامك وتقديرك لنا ).

وحث الأب على ضرورة أن يعيد النظر في علاقته بابنه ويراجع مدى قربه منه، فإن كان مقصراً في هذا الجانب فيتوجب عليه القرب منه، وتلمس احتياجاته، والبحث له عن بدائل مفيدة يشغل بها أوقات فراغه، فربما كان  حمّود يعاني مشاكل دراسية أو نفسية أو اجتماعية، والأب آخر من يعلم”

ونصح الأبَ كذلك أن  يعيد النظر في علاقة حمّود بمن يحيطون به من أصدقاء، فربما يكون هناك من يزوده بهذه الصور لغرض إفساده، وأكد على والد حمّود أنه إذا توصل لمعرفة مصدر الصور والمقاطع فإن عليه أن يحذر  الشخص المقصود من إفساد لولده.

جلسة حوار الأب مع حمود

وفي وقت مناسب، وفي ليلة هادئة استدعى الأب حمّود وحاوره بكل صدق ومحبة، حرص الأب أن لا تنتهي جلسة الحوار تلك  إلاّ بوعد صادق من حمّود بعدم تكرار مثل هذه الأفعال؛ لما لها من أضرار بالغة على دين الشخص وصحته النفسية والبدنية، فهو يسبب انخفاض التركيز والتحصيل الدراسي ويضعف الذاكرة، ويسبب التخلف الدراسي، كما يجعل الطالب أكثر عرضة للنسيان، ويسبب الأرق وقلة النوم، والسرحان الدائم، والشعور بالإرهاق، والخمول، والكسل، والميل للعزلة، والابتعاد عن الرياضة، والإرهاق الذهني، الذي يصاحبه عادةً عصبية في المزاج، وسرعة الغضب، والاستثارة، والشعور بصداع شديد ومتكرر، إلى جانب الاكتئاب المستمر .

شرح الأب لـ حمّود أنّ الشيطان يزين تلك المشاهد في نفوس البعض، ليغمسهم بها في نار جهنم، وأن الله سوف يحاسبنا على كل ما نعمل، مع تذكيره لـ حمّود بالموت وساعة الرحيل من الدنيا التي لا تأتي إلاّ فجأة، فهل يرضى أن يموت وهو يشاهد تلك الصور أو المقاطع ؟، وهل يرضى أن يجدها أهله في جواله بعد مماته ؟.

ندم حمود على فعلته

بكا حمّود بين يدي والديه بحرقة شديدة، إنها حرقة الندم والحسرة على ما فرّط في جنب الله عزّ وجل، لقد كان حمّود نادماً بالفعل ولم يحاول تبرير فعلته كما يفعل الكثيرون.

وتحت هذا الاعتراف الطاهر لـ حمّود أدرك الوالدان أن الابن الذي يشعر أنه شخص محبوب سيفتح قلبه لأهله وعندئذ سيصغي إلى إرشاداتهم وسيتعلم أن ما ارتكبه خطأ كبير وسيعرف أن العمل بحد ذاته هو الغلط وليس هو الشخص الفاسد أو بدون أخلاق، بل العمل نفسه عمل فاسد وغير أخلاقي، لأنه إذا حكم على نفسه أنه شخص فاسد سيصبح فاسداً بالفعل.

وعد حمود لوالديه بعد تكرار هذا الخطأ

لقد وعد حمّود أباه وأمه على عدم معاودة الخطأ الذي اقتنع أنه خطأ حقاً ولن يعود إليه لا بالعلن ولا بالسر، كما وعدهما أن يفترق عن رفقاء السوء ممن يزينون له تلكم الأفعال الشائنة.

في ذات السياق وعده والداه بأن يدعوان له دوماً فدعاء الوالدين لا يرد بإذن الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة الوالد لولده، ودعوة المسافر) أخرجه الترمذي في سننه. فالدعاء سلاح المؤمن.

تلك كانت قصة حمّود مع الجوال، بدأت بمآسي وهموم وانتهت بتوبة نصوح.

ومضة النهاية :

قال تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ).

وقال – صلى الله عليه وسلم -: (علموا أنفسكم وأهليكم الخير)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ، أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته).

نلتقي بكم في مغامرة أخرى من مغامرات حمّود بإذن الله تعالى ..

فيديو مقال مغامرات ( حمّود ) / الجوال ـ 11 ( الأخيرة )

 

أضف تعليقك هنا

أحمد عمر باحمادي

أحمد عمر أحمد باحمادي

كاتب يمني

خرّيج كلية الآداب ـ صحافة وإعلام حضرموت ـ اليمن