الرئيسية / أدب / صاعقليا

صاعقليا

تمتمات رجل حول جرائم غامضة 

“يجري في فزع محاولاً التشبث بأي فرصة للنجاة، ينظر حوله وإلى يديه المتلطختين بالدماء وهو يتساءل كيف ارتكبت جريمة كهذه؟ الآن هو في انتظار مصيره المحتوم لا بد أن النهاية قريبة لا محالة، إنه على يقين تام بعدم وجود تلك الفرصة للفرار و النجاة، تلك الكؤوس اللعينة المليئة بالخمر هي السبب، كان في حالة يأس وملل تام من حياته، فقادته قدماه إلى ذلك البار الذي كتب على أبوابه “انتحر بطريقتك الخاصة، لا وقت للندم والحسرة إنه وقت استعادة الذكريات وإلقاء نظرة الوداع على هذا العالم البائس”، فجأة ظهر ذلك النور الأبيض القوي ليخطفه من بين الناس ويمحو أثره تماماً.. إنها الصاعقة”.

هذا ما قاله صديقي وهو ينفث دخان سيجارته ممكساً بكوب القهوة، ثم أكمل “بدت لك قصة مشوقة أليس كذلك؟ ولكن أخبرني ما رأيك بهذا العالم الذي يكون فيه العقاب فورياً؟ عالم قاسي؟ ولكنه مريح؛ خصوصاً مع تلك الجرائم الخفية التي لا يحاسب عليها فاعلها، والجرائم الكبيرة التي يأخذ فيها وقت طويل لعودة الحقوق”.

بدا الموضوع درامياً بعض الشيء، وكدت أشعر أنه مشهد سينمائي منتظراً المخرج ليقاطعنا مصفقاً على روعة التمثيل، ولكني أجبته بعدم تحبيذ عالم مثل هذا، لا أعلم السبب ولكني اعتقدت أنني كنت لأختفي سريعاً من هذا العالم.

ضحك صديقي ضحكة ساخرة كأنه قرأ أفكاري قائلاً “لا تقلق، الأخطاء الصغيرة مسموحة بها في هذا العالم”.

أظن أنه ترك هواية التأليف والكتابة منذ خمس سنوات، وركز في مهنته كمحاسب بأحد البنوك، فسألته إذا كان عاد مجدداً ولكنه نفي قائلاً “أنها مجرد خواطر لكي نتسلى ونقضي بعض الشيء عن الملل”.

حادثة موت سيدة إثر اختناقها بالغاز

خلع نظارته ليمسحها، ثم نظر لي بابتسامة خفيفة مكملاً “في تمام الساعة الحادية عشر دخلت تلك السيدة منزلها بعد يوم طويل منهك في العمل، لترمي بنفسها على تلك الأريكة التي اشتاقت إليها بعد عمل لمدة عشر ساعات تقريباً يا له من يوم، تتجول بين قنوات التليفزيون لتقتل بعض الوقت، بعض الأخبار عن كثرة الصواعق مما يدل على أن الجريمة تزداد بشكل غير اعتيادي، ربما الناس ترغب في الانتحار، أو لديهم فضول لاكتشاف إلى أين تذهب بهم الصواعق.

فجأة انقطع النور عن المنزل، وساد الصمت في الظلام، ذهبتْ للبحث عن شمعة أو كشّاف لتضيئ به تلك العتمة، ولكن أفزعها ذلك الخيال المتحرك الذي أحسته وراءها، أقنعت نفسها أنها مجرد أوهام، توجهت مباشرة إلى الغرفة للبحث عن الكشاف لابد أنه في درج من أدراج المكتب، قاطع بحثها صوت التلفاز، ولكن النور لم يضئ كيف للتلفاز أن يعمل؟ ماذا يحدث؟ بدأ الخوف يتسلل إليها، وبدأت تتذكر تلك المشاهد من أفلام الرعب التي تبغضها، مشت ببطء إلى غرفة المعيشة وعندما وصلت وجدت التلفاز يعمل على فيلمها المفضل “تايتنك”، لابد أنها لعنت الفيلم في هذه اللحظة أو ربما تمنت موت روز مع جاك، ذهبت للتأكد من كابس الإضاءة إذا كان يعمل أم لا، ولكن النور لم يعد.

نظرتْ إلى التلفاز، وبدأت الاقتراب منه، لم تكمل بضعة خطوات وانطفأ التلفاز من نفسه، هنا تمكّن الفزع منها، وأخذت تتصبب عرقاً، جرت إلى باب الشقة لتهرب منها ولكنها وجدته مغلق يأبى أن يفتح، ما تشاهده في الأفلام يحدث لها، حان وقت الصراخ لعل أحد يسمعها من الجيران ولكن أوقفتها تلك الرائحة، ما هذا؟ إنها رائحة غاز تتزايد في الشقة، اتجهت إلى النوافذ ولكنها أيضاً مغلقة، في تلك اللحظة أدركت مصيرها كانت تفضل أن تأخذها أحد الصواعق بدل أن تموت هكذا، سقطت على الأرض فاقدة أعصابها، رأت ضوءاً يأتي من الصالة لابد أنه ضوء التلفاز مجدداً ولكن هذه المرة على أغنية..

“I will survive”

At first I was afraid … I was petrified … kept thinking I could never live without you by my side , but then I spent so many nights thinking how you did me wrong and I grew strong and I learned how to get along

ظهر على وجهي التركيز والاستمتاع بالقصة، أمسك صديقي بجريدة كانت بجواره وأخذ يقلب في صفحاتها، ثم أعطاني الجريدة مفتوحة على صفحة محددة قائلاً “ها هي تلك الحادثة التي أحدثك عنها”.

العنوان الرئيسي كان “احذرو الغاز يقتل في صمت” بدا العنوان جذاباً للعيون وملفت للانتباه،  أخذت أقرأ التفاصيل؛ لم تكن نفس التفاصيل، كل ما ذكر كان عن سيدة ماتت بسبب اختناقها بالغاز لا أكثر، ووجدوا الجثة بجوار الباب، وما زالت التحقيقات جارية، وبعض التعليمات والتحذيرات عند حدوث تسريب غاز أو حرائق”.

الصاعقة أو العقاب الفوري هي الجزاء العادل للمجرمين

نظرت إليه ببلهاة كأني شارلوك هولمز عصري “إذاً يا صديقي لقد عدتَ إلى التأليف مجدداً، كنت أعلم ذلك، لديك خيال واسع و موهبة تستطيع استغلالها”.

بدا غاضباً قليلاً أظن أنه كان يريد لكمي في تلك اللحظة ولكن تمالك نفسه ثم قال لي “دعك من التأليف سوف أجعلك ترتاح وأقول لك (هذا الذي حدث في خيالي الواسع )، ولكن الأهم ماذا لو كانت صاعقليا حقيقية ممكن أن نسميها عالم العقاب الفوري، عالم الارمادي أبيض أو أسود فقط، ومن سوء حظك إن اخترت الأسود ستختفي في الحال، في حالة تلك السيدة لا أحد كان سيكترث كثيراً بالبحث عن سبب الموت لأنها لو كانت جريمة قتل فالقاتل لابد أن يكون اختفى بفعل الصاعقة وإن لم تكن هكذا فعليهم اتباع تلك التعليمات والتحذيرات”.

أحببت أن أداعبه فصديقي يبدو غارقاً في عالم آخر اليوم، والطابع الدرامي هو الطاغي عليه “إذاً لقد صنعت عالمك الخاص وسميته، وكذلك وضعت قوانينه الخاصة تحت بند العقاب الفوري أتخيل هذه الفكرة تعرض كفيلم سينمائي”.

حادثة قتل رجل مجنون لطبيب نفسي

سكت قليلاً كأنه لم يكترث لكلامي ثم قال “كفاك ثرثرة، وأعطني سيجارة أخرى ولتدعني أقص عليك الجزء المفضل لي والأحب إلى قلبي”.

“في أحد المقاهي في ليلة من ليالي وسط الأسبوع حيث الزحام على المقاهي يكون قليلاً إلى حد ما خصوصاً في ساعات الليل المتأخرة، جلس رجل في ركن من أركان المقهى يحتسي كوباً من الشاي بالنعناع، ومركزاً في حاسوبه، والدقائق تمر مع كل رشفة من كوب الشاي، ولكن في لحظة توقف الوقت بلا رجعة عندما وجد رجلاً يجلب كرسياً، ويجلس أمامه ويحدق به، لا يعرف من هذا، هل هو صديق قديم لا يتذكره؟”.

“رجل في عمر الأربعين يزين وجهه لحية سوداء خفيفة بها بعض الشعيرات البيضاء التي تعطيه هيبة رجل حكيم لم يعطِ فرصة لرجل الشاي بالنعناع ليسأله من أنت؟ وبدأ بالحديث مباشرة، ما رأيك في الخيانة يا دكتور؟ صديق يخون صديقه أو زوجة تخون زوجها أياً كان، أريد منك أن تقول لي عقاباً مناسباً للخيانة، ألست دكتوراً نفسياً؟”.

بدا على وجه الدكتور القلق، وبدأ يتساءل في نفسه، من هذا المجنون؟ وكيف يعرفني؟، ولكن في الحال قاطعه ذلك المجهول قائلاً “تريد أن تعرف من أنا؟ أحبذ أن نجتاز فقرة التعارف فهي لا تهم كثيراً ودعني أريك شيئاً سيعجبك كثيراً”.

أخرج هاتفه من جيبه وبدأ بعرض فيديو مسجل لفتاة تصرخ في خوف وتستنجد وهي مربوطة بكرسي خشبي.

فزع الدكتور وقام من على كرسيه، ولكن أوقفه ذلك المجنون “فلتهدأ لا أريد منك سوى طلب واحد في مقابل ابنتك”، ثم رمقه بابتسامة سخرية “طلب سهل جداً، فلنذهب الآن إلى شقتك لتنفيذ ذلك، أعرف أنك طلقت زوجتك منذ سنتين وتعيش لوحدك”.

في الشقة أخذ يتجول و ينظر بدقة إلى كل ركن في الشقة كأنه يفحصها والدكتور جالس ينظر إليه و عقله في ابنته المخطوفة.

“اقتل نفسك” هذا كان ما قاله ذلك المعتوه بثقة وهو ينظر في عينيه، وكأنه يطلب منه تحضير الطعام ثم أكمل “أمامك خمس دقائق إن لم تقتل نفسك ابنتك ستكون الضحية، وأنا في كلتا الحالتين ستأخذني الصاعقة بعيداً إلى العدم”.

ثم ناوله سكيناً وهو يضحك “هكذا يكون الموت أكثر ألماً” بدأت دموع الدكتور تنهمر و يتذكر ابنته وهي تصرخ ويقول “ماذا فعلت لك؟ من أنت؟”، رد عليه “لم تقل لي ما العقاب المناسب للخيانة، هذا ما فعلته ولا يهم من أنا”.

الدقائق تمر، لا مفر من التضحية من أجل ابنته.

بعد عدة طعنات طعنها الدكتور لنفسه، وفي أنفاسه الأخيرة اقترب منه وهمس في أذنه “لقد أطلقت سراح ابنتك ونحن في طريقنا إلى الشقة”، ثم أخذ يضحك بصوت عالٍ أكثر فأكثر وهو يخرج من باب الشقة.

من هو المجرم الحقيقي؟

في نفس الوقت بدأ يعلو صوت صديقي بالضحك وهو يقول لي “لقد قتلتهما.. هذه جريمتي.. أنا استحق العقاب”.

لماذا يتصرف هكذا؟ ما الخطأ الذي فعلته؟ لقد اتبعت التعليمات كما قيل لي، ارتمى صديقي على الأرض، وبدأ جسمه يرتعش، دخل ثلاثة ممرضين بسرعة عندما سمعوا صوت الضحك العالي أمسكوه بقوة وربطوه في السرير، وواحد منهم أخرج حقنة وأعطاها له، في الحال بدأت حالته تهدأ رويداً.

نظر إلي أحد الممرضين طالباً مني الذهاب إلى الدكتور المختص بحالة صديقي وقال لي على مكانه في المصحة.

ذهبت على الفور إلى الدكتور، أحسست أني طالب معاقب في المدرسة وذاهب إلي المدير، دخلت للدكتور، رحب بي ولم يوبخني كما كنت متوقعاً، بدأ يسألني عن علاقتي بصديقي أوضحت له أني كنت مسافراً خارج البلاد ولكني كنت على اتصال دائم مع صديقي ولم يشتكي من شيء، وأني تفاجأت بخبر طلاقه، ولكنه قال وقتها لم يحدث توافق بينه هو وزوجته، ومن شهرين تفاجأت أيضاً بدخوله المصحة ومحاولته الانتحار.

كشف القناع عن قصة السيدة والطبيب النفسي

صمت الدكتور قليلاً كأنه يرتب ما سوف يقوله لي “هل حكى لك قصة السيدة التي قتلت بالغاز، والرجل المجنون الذي جعل الدكتور يقتل نفسه؟”.

قلت له “نعم لقد كان يحب التأليف كثيراً ولكن تركه منذ…”.

قاطعني الدكتور “ولكنه لا يؤلف قصصاً للتسلية، هذه القصص يعتقد أنها حقيقية، و أنه هو مرتكب تلك الجرائم، بعد الطلاق ساءت حالته النفسية و الأوهام زادت عنده بشكل كبير”.

“يعتقد أنه قتل زوجته مخنوقة بالغاز التي كان يظن أنها تخونه مع طبيبها النفسي، ولكنها في الحقيقة ذهبت لهذا الطبيب لتجد حلاً لمشاكلها معه بخصوص شكه بها وتوهمه ببعض الأشياء الخيالية ولكنها طلبت الطلاق بعد أن يأست منه”.

بدا على وجهي الدهشة و بدأت أحلل أحداث القصص “والدكتور الذي جعله يقتل نفسه هو طبيب -زوجته السابقة- النفسي”.

حرك الدكتور رأسه بالإيجاب تأكيداً على كلامي، ثم أكمل “يظن أنه قتل الاثنين نتيجة كرهه لهما، وشربه للخمر الذي جعله غير مدرك لما يفعل، وبعد أن قتلهما كان يجري في فزع في الشارع نادماً على ما فعل ولكن هذا لم يحدث، لقد وجدوه أمام باب شقته المفتوح طاعناً نفسه، وبجواره زجاجة خمر غير مفتوحة ورائحة الغاز تملأ الشقة بأكملها، لقد ارتكب أحداث القصص ولكن على نفسه، إنه محظوظ أنه نجي بعد أن وجده أحد جيرانه أمام شقته في هذه الحالة وطلب له الإسعاف”.

أكمل الدكتور عن أهمية الدعم لصديقي، وبعض التوجيهات عند التعامل معه، ولكني كنت شارداً و حزيناً عليه، كل هذا التغيير في تلك السنوات القليلة لقد كان ذا عقلية متزنة، ربما بعض التفاصيل الصغيرة نجهلها في تلك القصة، ولكن ها هو الآن في مصحة نفسية شخص مجهول وغريب على الجميع لقد أخذته الصاعقة بالفعل كما في قصته.

خرجت من المصحة وأنا في صدمة، بعض الدموع في عيني، لاحظت نزول أمطار خفيفة نظرت إلى السماء لعلي في انتظار صاعقة تأخذني بعيداً، مشيت وسط الأمطار وترن في أذني كلمات تلك الأغنية..

“I will survive”

At first I was afraid … I was petrified … kept thinking I could never live without you by my side , but then I spent so many nights thinking how you did me wrong and I grew strong and I learned how to get along

فيديو مقال صاعقليا

أضف تعليقك هنا