الرئيسية / سياسة وفكر / “لعنة” الدساتير على اصحابها

“لعنة” الدساتير على اصحابها

مصر والشعب والرئيس

كتب ابن خلدون في مقدمته لما تسقط الدولة ويحس الشعب بانه لا حول له ولا قوة: يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدّعون والكتابة والقوالون والمغنون النشاز والشعراء النّظامون  والمتصعلكون وضاربوا المنّدل وقارعوا الطبول والمتفقهون وقارئو الكف والطالع والنازل. في مصر وقع الانقلاب في 2013 على المسار الثوري والرجوع الى الوراء في مجال الحريات وقمع كل شخص يعارض او ينتقد السلطة الحاكمة، فبقي المجال مفتوح للسيسي ليفعل ما يشاء بعد اسكات المعارضة او الدفع بها للهجرة او للسجون. فكان من الطبيعي ان يعزز السيسي نفوذه للبقاء في الحكم أطول مدة ممكنة. لتحقيق ذلك، اقترح دستور يبقيه مبدئيا في الحكم الى 2034 وربما مدى الحياة إذا مرت التعديلات المقترحة، فالغرب عدم مكترث بالموضوع ولا نية له للضغط عل السيسي في عدم تمرير هذا المشروع.

السيسي ولعنة الدستور

حسب نظرية ابن خلدون وامام عجز المعارضة في تحفيز الشعب للتصدي لهذا المشروع، والشعور بالإحباط والعجز عن عمل أي شيء لوقف طموح السيسي وامام وصول هذا العجز الى الشعب الممنوع عليه التجمع والتظاهر، لم يبقى له الا ان يثير اسطورة لعنة الدستور كقوة خارقة للعادة يمكن ان تعدل الموقف لصالحه. فكثرت التمنيات والدعوات والتساؤلات في وسائل الاعلام حول إمكانية إصابة السيسي بلعنة الدستور. فأردت فيما يلي الانكباب على الموضوع لعلي أجد هدى استفيد به وافيد. المنهج الذي سأتبعه سيكون كالآتي (1) النضر في اللعنة من الناحية اللغوية، (2) سنجمع ما يمكن من التعديلات الدستورية وما وقع لأصحابها، (3) سنحاول استنباط نتيجة ونناقشها و(4) وننهي بملاحظات ختامية.

اللعنة من الناحية اللغوية

حسب المعجم الوسيط لعنه لَعْناً: طرده وأبعده من الخير. فهو ملعون. ( ج ) مَلاعين. ورجل لعين، وامرأة لعين. فإذا لم تذكر الموصوفة قلت: لَعينة. ويقال: لَعَنتُ الكلب أو الذئب: طردته. ومن الناحية الدينية اللعنة هي عدم البركة وتقترن في القرآن بكلمة الله. فيقال:” لعنة الله عليه أو لعنه الله” وهي عقاب يصيب شخص او مجموعة من الأشخاص على إثر ذنب ارتكب او معصية. وتكون هذه اللعنة صادرة عن رب العالمين على إثر دعاء من أنبيائه أو ملائكته او حتى من اشخاص مظلومين او عاديين. فالشخص الذي يقتل مؤمنا متعمدا ملعون كما قال الله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ” (سورة النساء 93 )

ومن الممكن ان تلحق اللعنة الجماعة ايضا:

فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ.

التعديلات الدستورية وما وقع لأصحابها

نعرض فيما يلي بعض التعديلات الدستورية في العصر الحديث وما وقع لأصحابها. في مصر عدل جمال عبد الناصر الدستور سنة 1965 ومات سنة 1970. في شهر خمسة 1980، عرض السادات على المصريين الاستفتاء على التعديل الدستوري، الذي جرى بموجبه إلغاء القيد على حظر ترشيحه لأكثر من فترتين رئاسيتين. ولقد حظي التعديل بموافقة بلغت 98 في المائة، واغتيل السادات سنة 1981 ولم يتمتع بالتعديلات. حسني مبارك عدل الدستور سنة 2005 و2007 لتنظيم اختيار رئيس الجمهورية بانتخابات مباشرة عوض عن تزكية من البرلمان وتنظيم استفتاء، وأجريت على أثرها أول انتخابات رئاسية في مصر فاجبر مبارك على مغادرة السلطة سنة2011.

محمد مرسي أصدر إعلانا دستورياً في 2012 نوفمبر وخلّف عاصفة كبرى، إذ إنه منح نفسه صلاحيات غير مسبوقة، وحصّن قراراته ضد أحكام القضاء، ونظّم استفتاء على دستور جديد فغادر الحكم بعد الانقلاب عليه في 2013.

في تونس، الرئيس بورقيبة عدل الدستور سنة 1974 ليبقى في الحكم مدى الحياة فانقلب عليه زين العابدين بن علي سنة 1987. وهذا الأخير عدل الدستور سنة 2002 أيضا على أساس ان يبقى في السلطة مدى الحياة مثل سلفه فاضطر الى الفرار وترك السلطة سنة 2011. وكذلك في سنة 2014 الرئيس المرزوقي أشرف على وضع دستور ما بعد الثورة وبعد عدة شهور لم ينجح في الانتخابات الرئاسية.

في اليمن، الرئيس علي عبد الله صالح عدل دستور 1990 مرتين مرة في 1994 ومرة في 2001 لإضافة مواد جديدة تمدد مدة الرئاسة إلى سبع سنوات، ومدة مجلس النواب إلى ست سنوات وصارت له صلاحيات تعيين الوزراء وكل أعضاء مجلس الشورى و ﺗﻌﻴﻴﻦ وﻋﺰﻝ ﻛﺒﺎﺭ ﻣﻮﻇﻔﻲ اﻟﺪوﻟﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺪﻧﻴﻴﻦ واﻟﻌﺴﻜﺮﻳﻴﻦ. في سنة 2012 اجبر بعد ثورة الربيع العربي على التنازل عن الحكم بعد فترة حكم دامت 34 سنة منذ 1978 .

النتيجة

أولا الصدفة

ليس هنا المجال لنقاش الصدفة فهنالك من يؤمن بها وهنالك من لا يعترف بها. ولكن لنبسط الموضوع، فمن الناحية العلمية لما تكون امام عدة خيارات كرمي قطعة نقود معدنية في الهواء فيوجد خياران اثنان: ستقع القطعة على الصورة او على الأرقام، ولكن لا نعرف مسبقا أي جهة معينة ستكون بارزة.

لكن إذا رميت القطعة مرات عديدة، كل جهة لها 50% من الضهور. في موضوعنا عندنا احتمالان، التمتع بتعديل الدساتير او عدم التمتع. إذا وجدنا 50% تمتعوا و50% لم يتمتعوا فيمكن ان نقول انها الصدفة. ما عدا ذلك فالصدفة ليس لها مكان. في واقع الحال الموضوع يبدوا بعيدا عن الصدفة لان كل الامثلة التي ذكرناها أصحابها لم يتمتعوا بتعديلاتهم الدستورية.

ثانيا السيرورة الطبيعية

او السببية، وهي بكل تبسيط البحث عن الأسباب التي تفسر عدم التمتع بمعدلي الدساتير بما عدلو او وضعوا، وكما يقال إذا عرف السبب بطل العجب.  ان تعديل أي دستور يخلق وضعية جديدة يكون لها معارضين كالتحويز على منصب الرئاسة لمدة طويلة او مدى الحياة فتجعل المعارضين يعملون في السر والعلن لأفشال مشروع التعديل بكل الوسائل ولذلك نلاحظ بان النتيجة تكون بالتخلص من الرؤساء اما بالقتل او بالإزاحة عن السلطة ونادرا بموت طبيعي.

ثالثا اللعنة

على حسب اعتقاد الشخص فان اللعنة عقاب إلاهي او ميتافزيقي نتيجة القيام بذنب، ولسائل ان يسأل ما ذنب معدل الدستور؟ الجواب يمكن ان يكون في ذنب الاعتداء على حقوق الآخرين باغتصاب السلطة لمدة طويلة وعدم ترك الفرصة للتناوب السلمي على الحكم من ناحية. ومن ناحية أخرى، ستجد اخرين يقولون ما كان لهذا الدستور ان يوضع اصلا لأنه بدل الدستور الالهي بدستور وضعي ظالم غير عادل وغير الاحكام الالهية فيستحق لعنة الله وعقاب معدل او واضع هذا الدستور الوضعي.

والظُّلم هو: وضع الشيء في غير موضعه؛ جاء في المصباح المنير للفيومي: “وأصل “الظُّلْمِ” وضع الشيء في غير موضعه، وفي المثل: “مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ فَقَدْ ظَلَمَ” [1]، والظلم مذموم بأنواعه كافة؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الظُّلمُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ) [2] ومن بين أنواع الظلم: الظلم في الحُكْمِ والدساتير هي أداة من أدوات الحكم فيجب ان تكون عادلة لتكون مباركة وبعيدة عن اللعنة.

ملاحظات ختامية

على ضوء هذا البحث المقتضب يظهر ان اي دستور لا يمكن ان يحظى بموافقة الجميع ولا بد ان تجد له اعداء سيعملون على تخريبه وسيعملون على حرمان من عدله او وضعه من الانتفاع به. وفي اغلب الأحيان ينجحون على حسب ما تظهر النتائج فيكون نقمة على صاحبه او سمه لعنة إن شئت. اما فرضية الصدفة فقد طرحت.

المصباح المنير؛ المقري الفيومي (1 / 200)   [1]

الأدب المفرد؛ الإمام البخاري (1 / 170)، حديث: (485)   [2]

فيديو مقال “لعنة” الدساتير على اصحابها

أضف تعليقك هنا
[addthis tool="addthis_inline_share_toolbox"]