الرئيسية / إسلام / طاعة الحاكم الظالم أصل عقدي أم استثناء فقهي للضرورة؟

طاعة الحاكم الظالم أصل عقدي أم استثناء فقهي للضرورة؟

طاعة الحاكم الظالم في السنة النبوية

درج كثير من المتحدثين عن طاعة الحاكم الظالم على تصوير طاعته وكأنها هي الأصل، حتى إنهم جعلوا هذا الأصل ضمن كتب العقيدة، لكننا عند التأمل في في نصوص السُّنة النبوية الموجبة لطاعة الحاكم المسلم وإن ظلم أو جار أو اعتدى؛ نجد أن الأمر بطاعته لم يأت من باب إقرار ظلمه، وإنما جاء استثناء للضرورة، وتغليبًا للمصلحة، على قاعدة (احتمال أخف المفسدتين لاجتناب الأعظم منهما)، وقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)؛ ذلك أنه في بعض الأحيان قد يُؤدي الخروج عن طاعته إلى فتنٍ ومفاسدَ أشدَّ من الصبر على ظلمه، وبما أن طاعة الحاكم الظالم استثناء للضرورة، فهذا يعني أن طاعته ينبغي أن تُقَيَّدَ بضوابط الضرورة.

وبإمكاننا أن نلحظ في عدد من نصوص السُّنة ما يشير إلى أن الحثَّ على طاعة الحاكم الظالم جاءت من باب الاضطرار، كحديث «إنه ستكون هَنات وهَنات…»([1])، وحديث «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون… قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا»([2])، وحديث حذيفة: «كان الناس يسألون رسول الله r عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر…»([3])، وغيرها، فالرسول r يُخبر الصحابة في تلك النصوص عما سيكون في قادم الزمان، من مصائب وشرور وفتن، ومثل هذه الأحوال ليست هي الأحوال الطبيعية، وليست هي الأصل، بل هي في الغالب أحوال اضطرار وضرورة، ويؤكد ذلك أن الصحابة الكرام كانوا حين يُخْبِرهم الرسول r بتلك الأمور يتبادر لأذهانهم أن الواجب هو عدم طاعتهم، ودَفْعُ ظلمِهم بالقتال والسيف، فيأتي بعدها التوجيه النبوي بترك قتالهم؛ مراعاةً لحالات الاضطرار التي أخبر عنها.

أمثلة عن الصحابة في تنصيب الحاكم

ومما يدل على ذلك أيضا حديث الأمراء في غزوة مؤتة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أخذ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة فَفُتِحَ عليه»([4])، وقوله (عن غير إِمرة) يعني جعل نفسه أميرًا من غير إذن الإمام أو من ينوب عنه([5])، وقد وضع البخاري هذا الحديث تحت باب (من تَأَمَّر في الحرب من غير إِمْرَة إذا خاف العدو) وقَيَّدَه بقيدين: (في الحرب) و(إذا خاف العدو)، وقد بَيَّنَ الدكتور الشنقيطي أن هذا مقيد بثلاثة قيود: في حالة الحرب، وأن تُشَكِّلَ الحربُ خطرًا وجوديًا على الأمة كلها، وأن تكون الظروف مانعة من إمكانية التشاور في تنصيب الأمير([6])، فتبويب البخاري لحديث تأمُّر خالد بن الوليد بغير إذن في معركة مؤتة، يُؤخذ منه أن القبول بالحاكم الذي يُنصب نفسه بغير مشورة ينبغي تقييده في حالات اضطرارية مُشددة، مؤقتة بأقصر زمان، وأضيق حدٍّ، وبشرط أن يكون الأمير عَدْلًا أمينًا؛ لأن إمرة خالد من غير مشورة كانت إمارة خاصة على الجيش فقط ولم تكن إمارة عامة، وكانت لسد عورة في جيش المسلمين لو تأخر عنها لربما اجتاحتْ جيوشُ الروم دولةَ الإسلام، وكانت مؤقتة إلى حين نهاية المعركة، وهذه القيود الاضطرارية المُشددة لم يُراعِهَا كثير من المتحدثين في طاعة الحاكم الظالم، وإذا كان هذا التشدد والتضييق في طاعة المُتَأَمِّر بغير مشورة وهو خالد بن الوليد t العدل القوي الأمين، فكيف ينبغي أن يكون التشدد مع حاكم مُتَغَلِّبٍ ظالم؟!!

طاعة الحاكم الظالم من باب الاضطرار لا الإقرار

وعبارات العلماء تؤكد أن طاعة الحاكم الظالم جاءت من باب الاضطرار لا الإقرار، قال الغزالي في كلامه عن شروط الإمامة: “فإن قيل: فإن تسامحتم بخصلة العلم؛ لزمكم التسامح بخصلة العدالة وغير ذلك من الخصال، قلنا: ليست هذه مسامحة عن الاختيار، ولكن الضرورات تبيح المحظوارت”([7])، وقال التفتازاني في معرض كلامه عن الإمامة: “وأما عند العجز والاضطرار، واستيلاء الظلمة والكفار والفجار، وتسلط الجبابرة الأشرار، فقد صارت الرِّياسة الدنيوية تَغَلُّبِيَّة، وبُنِيَتْ عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة، ولم يُعْبَأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط، والضرورات تبيح المحظورات”([8]).

و وكذا ابن الوزير([9]) ذكر: “أن الفقهاء قد أطلقوا القول بانعقاد إمامة المُتَغَلِّب للضرورة، والذي لا يتأمَّل كلامهم يُنكره؛ لظنِّه أن مرادهم أنه إمامٌ على الحقيقة، وإنما أرادوا ما ذكرنا مِنْ جواز أخذ الولاية منهم، لتنفيذ الأحكام المتعلقة بالمصالح العامة؛ لاضطرار المسلمين إلى ذلك”([10])، وكذلك الرملي يقول: “فلو اضطر لولاية فاسق جاز”([11])، وابن عابدين أيضًا يقول: “وتصح سلطنة متغلب للضرورة”([12])، فعبارات هؤلاء العلماء -وغيرهم كُثُر- واضحة في أن السكوت على الحاكم الفاسق، وإيجاب طاعته والصبر عليه؛ إنما هي حالة اضطرارية، وأنها استثناء بسبب عدم القدرة على التغيير، وكونهم أباحوها للضرورة يعني أنها في الأصل حرام؛ “لأن ما يصح للضرورة هو الأمر غير المشروع، فلا نقول بجواز أكل الطيبات للضرورة؛ لأنها مشروعة، بينما نقول بجواز أكل الميتة للضرورة لأنها غير مشروعة… والواقع الذي يُفرز الضرورة وإن طال، لا يجوز أن يُحَوِّل الاستثناء إلى أصل”([13]).

(حُكم الضرورة مؤقت)

وبناء على ذلك، فإنه لا ينبغي طاعة مثل هؤلاء الحُكَّام إلا في أضيق الحدود، وكما أن الجائع الذي يخاف على نفسه الهلاك، “لا يأكل من الميتة إلا قدر سدّ الرَّمَق”([14])، فكذلك طاعة الحاكم الظالم، يُباح منها بقدر ما يُباح من أكل الميتة ولحم الخنزير للمضطر، وكما أن الضرورة تُضبط بالقاعدة المشهورة (حُكم الضرورة مؤقت)، فكذلك تسويغ طاعة الحاكم الظالم، لا ينبغي التأصيل لها كحكم ثابت لا مناص عنه، بل يجب تقييد طاعته بأقصر زمان ممكن، وهذا يقتضي بذل الوسع للتخلص من هذه الحالة، والرجوع إلى الحالة الطبيعية التي تُنهي حكم الاضطرار، وتُرْجِع المُكَلَّفِين إلى الأصل، وهو حُكمهم من قِبَل حاكم عادل يُختار بالشورى.

فالمضطر لحكم الضرورة مطالب بواجبين: “أن يسعى لعدم إيقاع نفسه فيها، ثم إذا وقع فيها يجب عليه أن يبذل جهده للتخلص منها وعدم الاستسلام لها”([15])، والأصل أن لا يُسمى مثل هؤلاء الأئمة أئمة شرعيين، بل هم أئمة ضرورة([16])، وبَحْثُ بعض العلماء لمسألة طاعة الإمام الظالم في كتب العقيدة لا يخرجها عن حكم الضرورة؛ لأنهم أشاروا إلى أن هذه المسألة هي في الأصل من مسائل الفقه، لكن وضعوها في مصنفات العقيدة لأسباب أخرى، فقد جعل الغزالي باب الإمامة في آخر كتب الاعتقاد، ثم ذكر أنها ليست من أمور العقائد ولكن جرت العادة على وضعها مع العقائد، ثم قال: “ولكن إذا جرى الرسم باختتام المعتقدات به، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد، فإن القلوب عن المنهج المخالف للمألوف شديدة النفار”([17])، وقال ابن الأزرق: “إن الطاعة له أصل عظيم من أصول الواجبات الدينية، حتى أدرجها الأئمة في جملة العقائد الإيمانية، وإن كانت من فن الفقه؛ لنزاع بعض المبتدعة فيما هي من لوازمه وهو الإمامة”([18]).

من رسالتي: (الهدي النبوي في التعامل مع الحاكم الظالم)، لتحميل نسخة إلكترونية من الرسالة على الرابط:

https://up.top4top.net/downloadf-1164080yd1-pdf.html

أو:

https://drive.google.com/file/d/1FGD6iPLyFP3FTTQ7sY_aMX1LnNcm08p4/view?usp=sharing

لتحميل تلخيص مختصر للرسالة:

https://drive.google.com/file/d/1FGD6iPLyFP3FTTQ7sY_aMX1LnNcm08p4/view?usp=sharing

المصادر

([1]) مسلم: صحيح مسلم. كتاب الإمارة. باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع. (3/ 1479/ رقم: 1852).

([2]) مسلم: صحيح مسلم. كتاب الإمارة. باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع… (3/1480/ رقم: 1854).

([3]) متفق عليه.(صحيح البخاري. حديث رقم: 3606، وصحيح مسلم. حديث رقم: 1847).

([4]) البخاري: صحيح البخاري. كتاب الجهاد والسير. باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو. (4/ 72/ رقم: 3063).

([5]) يُنظر القسطلاني: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. (5/ 176).

([6]) يُنظر الشنقيطي، محمد المختار: الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي. (ص49).

([7]) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد. (ص130).

([8]) التفتازاني: شرح المقاصد في علم الكلام. (2/278).

([9]) ابن الوزير: هو محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى (ت: 840هـ)، ويصل نسبه إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما (يُنظر السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. 6/ 272)، وقال عنه ابن حجر: “مُقْبِلٌ على الاشتغال بالحديث، شديد الميل إلى السُّنة، بخلاف أهل بيته” (إِنْبَاءُ الغُمْرِ بأَبْنَاءِ العُمْرِ. 3/ 211)، وقد أثنى الشوكاني عليه كثيرًا وعلى كتابه العواصم والقواصم، قال: “يشتمل على فوائد في أنواع من العلوم لا توجد في شيء من الكتب، ولو خرج هذا الكتاب إلى غير الديار اليمنية لكان من مفاخر اليمن وأهله… ولو قلتُ إن اليمن لم ينجب مثله، لم أبعد عن الصواب” (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. 2/ 91-92).

([10]) ابن الوزير: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم. (8/ 170).

([11]) الرملي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. (7/ 410).

([12]) ابن عابدين: حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار في شرح تنوير الأبصار). (1/549).

([13]) أمارة، صايل: ولاية المُتَغَلِّب في الفقه الإسلامي. (ص428).

([14]) الزركشي: المنثور في القواعد الفقهية. (2/320).

([15]) خطاب: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وتطبيقاتها المعاصرة في الفقه الإسلامي. (ص182).

([16]) يُنظر الخياط: النظام السياسي في الإسلام. (ص138).

([17]) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد. (ص 127).

([18]) ابن الأزرق: بدائع السلك. (1/ 77).

فيديو مقال طاعة الحاكم الظالم أصل عقدي أم استثناء فقهي للضرورة؟

أضف تعليقك هنا