الرئيسية / قضايا مجتمعية / تَربية النَّشءِ … بين عِظَم المسْؤولية وسُمو الرسَالة

تَربية النَّشءِ … بين عِظَم المسْؤولية وسُمو الرسَالة

ليس من مهمة أثقل من تربية النشء ورعايته، وتهذيبه وإصلاحه، ولعل ذلك يرجع إلى تعقد الجوانب الإنسانية التي تحتاج إلى رعاية وتنشئة.

نضوج الإنسان نفسيا وبيولوجيا يحتاج لوقت طويل مختلفاً عن غيره من الكائنات

الإنسان هو من الكائنات التي تحتاج إلى بعد العامل الزمني واتساع مداه حتى ينضج بيولوجيًا ونفسيًا بل وفي شتى مظاهر النمو، الحصان مثلاً وغيره لا يحتاج سوى دقائق معدودة لكي يقف على قدميه ويجري خلف أمه، بل ويملأ الأرض قفزًا وانطلاقًا، أما الإنسان فلا أقل من عام أو نحوه حتى يبدأ في الحبو ثم يتدرج تباعًا في الحركة والتنقل، وكذا في الكلام والانفعال والنوم واكتساب العلوم والمعارف وغيرها.

ولأن الإنسان قد شرفه الله وكرمه بين سائر خلقه، وفضله على ما عداه من المخلوقات تصديقًا لما ورد في قول الله تعالى:” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا الإسراء:70 فإن ذلك يوجب أن يقوم على إعداده وتربيته وتنشئته من هو أهل لأن يكون مستعدًا لتحمل المهام المنوطة به والتكليفات الربانية والمنهج الإلهي الذي كان الغاية في عمارة الأرض والاستخلاف فيها.قال الله تعالى: ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ “ البقرة:30

تربية النشء مهمة أقرب الناس لهم

إن الله قد تكفل بتعليم آدم بنفسه، قال الله –تعالى-: “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا …. “ البقرة:31 ولم يوكل تعليمه إلى أحد كائنًا من كان ولا حتى الملائكة عليه السلام …. وأرسل – سبحانه – رسله إلى الخلق لتعليمهم المنهج الرباني، من خلال الوحي والرسالات على اختلاف شكلها وملاءمتها للظروف والملابسات لكل قوم نزلت فيهم؛ ولعلاج ما فشا فيها من أمراض إنسانية واجتماعية وعقدية ونحوها.

وتعارف الناس فطرة وسنة كونية وقدرية على أن يقوم بتربية الطفل وتنشئته أقرب الناس إليه، وأحنهم به وأرفهم عليه، وهما الوالدان؛ يتعهدانه كما يتعهد الفلاح بذرته بالسقيا والرعاية، بل من قبل ذلك بكثير …. فهو يجهز الأرض قبل البذر، ويختار البذرة بعناية، وينتظر هطول المطر، حتى إذا آن الأوان رمى البذرة وانتظر خروجها، ومن ثم قام على رعايتها والعناية بها، وما كان له أن يغفل عنها في أي وقت ولا تحت أية ظروف، هذا هو الفلاح مع غرسه

التربية السليمة والتنشئة الصالحة مهمة الوالدان

وكذلك الوالدان مع أولادها تمامًا بتمام …. لكن الفارق أن الإنسان هو خليفة الله في أرضه، والكون كله مسخر له، ولذا فالتبعة أعظم والمسؤولية أكبر، لا يقوم بها على وجهها الصحيح إلا من فهم رسالته وأدرك الغاية من وجوده، ولقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم – فيما روى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهم: ” أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِه” متفق عليه.

أمور يجب العناية بها والاهتمام بها على طريق تربية النشء ورعايته

  1. إخلاص النية وسلامة المقصد لله – سبحانه وتعالى – فلا عمل بغير نية، ولا أجر بدون عمل.
  2. اختيار الأرض الطيبة، وأقصد بها الزوجة الصالحة، صاحبة الدين والخلق، فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه.
  3. العلم والدراية والمعرفة كلها معينات لابد من البحث عنها في طريق تربية الأبناء ورعايتهم، والتواصل مع أهل الخبرة من التربويين والدعاة والعلماء فيما يطرأ من ظواهر تربوية وسلوكية.
  4. النموذج والقدوة من أب صالح وأمة صالحة أكبر العوامل التي من شأنها أن تخرج جيلاً صالحًا متوازنًا.
  5. الاستقرار العاطفي والتكيف النفسي والوجداني بين الزوجين وداخل محيط الأسرة من أكبر العوامل والمعينات على تربية الأبناء تربية سليمة، فالطفل الذي ينشأ في بيت يملؤه الدفء الأسري والاستقرار النفسي لا شك أنه يكون ابنًا صالحًا.
  6. القرآن الكريم أساس في تربية النشء المسلم، فاحرص على أن يلتحق أبناؤك بدور تحفيظ القرآن الكريم والسنة النبوية، فالقرآن الكريم ينير القلب ويقوم السلوك، هو الدستور الإلهي الذي ما خاب من اهتدى به.
  7. الدعاء والاجتهاد وصدق التوجه إلى الله بصلاح الذرية، وطلب العون من الله والتوفيق في القيام على رعايتهم وتربيتهم.
  8. الصبر على تربية الأبناء؛ فعلاج السلوك الخاطئ، وغرس القيم يحتاج إلى أوقات وأقات، حتى يعتاد الأبناء عليه، ويألفوه فيصير سجية وعادة لديهم.
  9. القراءة في كتب الصالحين وسيرهم والوقوف على ما قدموا من إسهامات في مجال تربية الأبناء، والمكتبة العربية مليئة بالمصادر والمراجع التي تسهل ذلك كله.
  10. العمل على تمكين الأبناء من الاعتماد على ذواتهم، والثقة بأنفسهم، وتمكينهم من حرفة أو مهنة تعينهم على شؤون حياتهم، وعدم الغفلة عن متطلبات العصر الذي نعيش فيه من ثورة تقنية وعلمية هائلة …

تلك عشر نقاط …. هي من المعينات على تربية النشء ورعايته، أسأل الله أن ينفع بها، وأن ينفع بنا، وأن ينفعنا بها في الدنيا والآخرة.

فيديو مقال تَربية النَّشءِ … بين عِظَم المسْؤولية وسُمو الرسَالة

أضف تعليقك هنا