الرئيسية / الحياة / الرسالة السادسة

الرسالة السادسة

بقلم : عبد الحق مفيد

استهلال

وجدت هذه الرسائل في محفظة قديمة، ربما من جمعها كان عاشقا للرسائل، كتابها متعددون وأزمنتها مختلفة، يبدو ذلك من اختلاف الخط والتواريخ. نعيد نشرها لنطلعكم كيف كان وهج الرسائل بين حبيبين للإشارة فقط هذه الرسائل حقيقية وليست متخيلة.

حبيبتي

أنا الآن في” باد كاليه” وهو اقليم بشمال فرنسا. لقد بدأت العمل منذ أسبوع في منجم للفحم هنا. و تزامن وصولي بسقوط الثلج بكثافة.. لم أكن أتصور أن يوجد طقس بارد بهذا القدر، أنا القادم من بلاد الشمس والرمال. ما أصعب أن يتغير كل شيء من حولك. الناس، لغتهم ،لون بشرتهم وعيونهم، الأشجار، لون السماء، حتى الحجر يبدو غريبا.
لكن ما يعمق غربتي أكثر هو الحنين إلى حضنك.. لم يكن لي خيار آخر غير عقد قراني عليك قبل أن أهاجر.. مر كل شيء بسرعة ،الخطبة، وعقد القران والعرس.. كل شيء في أسبوع واحد. الأسبوعين الذين عشناهما مع بعض كزوجين حديثين لم يكفيانا ليعرب كل منا عن حبه بالآخر. لكنهما كانا أحلى أسبوعين وذكراهما هما ما يجعلني أقاوم شدة البرد وكآبة العزلة هنا.
صحيح أنني تعرفت على أصدقاء عرب والذين ينحدر أغلبهم من الضفة الجنوبية للمتوسط ولكن كل واحد يحمل في قلبه غما مدفونا برغم الابتسامة المصطنعة على شفاههم. لقد وجد الأوربيون وسيلة للتخلص من الأشغال القذرة والشاقة باستقدام أبناء المستعمرات القديمة ليقوموا بذلك بدلا عنهم.

المكان المختلف

أنا مشتاق لكل شيء، مشتاق حتى للخبز الذي تعجنينه بيديك. لن تصدقي اذا قلت لك أن الخبز حتى هو مختلف هنا. هل يمكن ان تتخيلي انه ليس بدائري وانه طويل مثل عصا غليضة يسمونه البارزيان نسبة الى عاصمتهم باريز. أول ما رأيته أثار استغرابي وسخريتي..
وهم أيضا يأكلون لحم الخنزير الذي حرم الله علينا. لن أتناوله ولو بقيت بالجوع . أما توقيت الصلاة فلا مجال هنا لآذان يذكرك بها. لقد بدأت أدرك كل النعم التي كانت بين يدي ولم أكن أشعر بها ،إذ غالبا ما لا يدرك الانسان قيمة الأشياء إلا بعد فقدانها. -كم أفتقدك حبيبتي-

تعب العمل 

نحن نشتغل داخل المنجم إثنا عشر ساعة متواصلة، نتوقف لمدة نصف ساعة لتناول وجبة الغذاء. حينما نصعد من تحت الأرض تكون وجوهنا متفحمة من الفحم ومن التعب برغم بنيتنا القوية. أظن أنه تم اختيارنا لهذا السبب. بنية قوية، سواعد مفتولة ورئتين سليمتين. الآن فهمت على أي أساس تم توزيعنا على مناطق العمل. ما يهم هو إعادة بناء فرنسا بعد أن دمرتها الحرب. والفحم الذي نستخرجه من هذه المناجم هو إحدى مصادر الطاقة التي تحتاجها هذه البلاد في إعادة إعمارها
نسيت أن أسألك عن أحوالك؟ هل أنت بخير؟ أتمنى أن يستجيب الله لدعائي وأن تكوني حاملا بطفلنا البكر. البارحة وأنا نائم رأيتك تحميلنه بين يديك. تمدينه لي، وتقولين لي “بسمل يا أبا طارق” مددت يدي لآخذه منك، وحينها اختفى كل شيء.. استيقضت فزعا. قرأت ما تيسر من القرآن الكريم وقمت لأصلي الفجر.. إسألي أمك عن تفسير هته الرؤيا. لعلها تكون خيرا.
سوف آخذ إجازتي في الصيف القادم. اكتبي لي ما ترغبين ان أحمله معي إليك . لقد أخبرني صديق لي أن هناك محلات هنا لبيع أثواب فاخرة يتم استيرادها من الهند والصين وبأثمان جيدة. من اليوم وصاعدا لن أتأخر عن طلباتك فالأجر الذي سأحصل عليه يمكن أن يغطي مصاريفنا وزيادة بالإضافة انني أنوي بناء أكبر وأفخم منزل لك في بلدتنا على الأرض التي ورثت من والديك رحمهما الله.

الوداع

حبيبتي
الساعة الآن تشير الى العاشرة ليلا. سوف أصلي العشاء وأخلد للنوم .علي أن استيقظ باكرا .نبدأ مباشرة العمل على الساعة السابعة صباحا. هنا يحترمون التوقيت والعمل إلى حد القداسة وأظن ان هذا هو سبب نجاحهم وتفوقهم .ويبدو انني سأصبح مثلهم فمن عاشر قوما صار منهم..

 

بقلم : عبد الحق مفيد

أضف تعليقك هنا