الرئيسية / سياسة وفكر / قوانين الإصلاح في الفكر الإصلاحي عند  محمد بن الحسن الحجوي

قوانين الإصلاح في الفكر الإصلاحي عند  محمد بن الحسن الحجوي

بقلم: عباس زعري

1)  مسألة النظام والتنظيم في الفكر الإصلاحي عند الحجوي

لقد شكلت مسألة النظام في الفكر الإصلاحي عند الحجوي حيزا كبيرا، وذلك في كل محاضراته وتقاييده المتنوعة، فالنظام عنده مفتاح التقدم وسبب النجاح في الأمور كلها، واعتبر مطلب النظام الذي بدونه لا يمكن أن تقوم قائمة لأي دولة، وقد أرجع حالة تدهور الأمن والاستقرار إلى انعدام النظام ذاته.

فالنظام حسب الحجوي يعني الترتيب والنظافة والالتزام بقواعد المعرفة العلمية ومراعاة العدالة واحترام القوانين،[1] والنظام عند الحجوي ليس نقيض الفوضى وعدم استتباب الأمن فحسب، بل النظام تصور كامل لنمط العيش وأسلوب من الوجود.[2]

فالنظام في الفكر الإصلاحي لدى الحجوي هو انضباط المواطن، والانضباط هو سمة من سمة المواطن المتحضر، وسلوك الانضباط حين ينشر بين المواطنين يكون دليلا على تقدم البلاد ورقيـــها، بينما يؤشر غيابــه على الفوضى والتأخر، ويمهد لكل أشــكال الفساد السياسي والمالي وغيـــره.[3]

لقد جعل الحجوي من غياب النظام سببا واضحا في كبوة وانحطاط المجتمع وانهيار الدولة، بينما كلما توفر شرط النظام تقدمت الدولة، وقد أرجع الحجوي سبب تراجع وانهيار الدولة المغربية في العشرية الأولى من القرن العشرين بالدرجة الأولى إلى غياب الهياكل التنظيمية وغياب القانون بقوله: ’’فليس لدينا ما يطلق عليه اسم القانون’’.[4]

وقد أرجع الحجوي تقدم الدول الأوروبية والأمريكية إلى تبينها مبدأ النظام إذ نجده يقول: ’’هكذا الدول الأوروباوية والأمريكية والجابون(اليابان)، إنها نهضت من سباتها ووصلت إلى ما وصلت إليه من تنظيم إدارتها وضبط الأموال’’.[5] لذلك طالب الحجوي إلى ضرورة تبني مبدأ النظام المتجدد في حياة المجتمعات بمعنى أن أحوال الأمم لا تستقر على حال، بل تكون مرغمة على التجديد حيث تتأثر بالتغيرات الظرفية المحيطة بها وتؤثر فيها ونجده يقول في هذه المسألة ’’نعم كل نظام قابل للتغيير بحسب تطور الأزمان والعوائد والمألوفات وبحسب تغيير الأحوال، شرطه الوحيد عدم المس بالثوابت.[6]

فالحجوي تحدث في كتابه الرحلة الأوروبية 1919 عن مشاهدته بالدول التي زارها وشرح بإسهاب قيمة النظام باعتباره شرط التقدم والرقي وأساس نجاح المدينة وتفوقهم في المجلات المدينة بكل مقوماتها إذ نجده يقول: ’’لقد أعانهم على هذا وذاك اقتدار رجالهم العظماء وسعة معارفهم مع علو همتهم، وكمال النظام في الأعمال والأحــكام، وما فطر عليــه أهلها عموما من الشغف بالنظام في كــل شيء’’.[7]

يعتمد الحجوي في تنبيهه لمسألة النظام على الشمولية، فالنظام لا يقتصر على جانب معين دون أخر، إذ يجب في تقديره أن يشمل المجتمع والاقتصاد والسياسة، فهو يقرر أن الإسلام دين نظام، وأن الحضارة الإسلامية، كانت حضارة راقية بفضل تشبثها بالنظام، لكن عندما ضعف النظام وعمت الفوضى والوهن بالعالم الإسلامي أصبح عرضة للغزو الاستعماري، وأن المغرب حل ما حل به بسبب شيء واحد هو الفوضى فأصبح عرضة للفساد الإداري وانتشار الأمية وانهيار دولة المخزن.[8]

فبفضل رحلته الأوروبية اطلع الحجوي من خلالها على مجموعة من المستحدثات والمستجدات الأوروبية وأعجب بنظامها، وهذا ما مكنه من صياغة مجموعة من الأفكار والتصورات الإصلاحية وعرضها على المخزن،[9] وأدرك أن أسس تفوق أوروبا هو النظـــام والعـــلم والتجـــارة والنظام،[10] وبذلك حدد أسباب تخلف المسلمين في غياب النظام وشيوع الفوضى وتنازع الأهواء وانتشار الجهـــل،[11] وعلى النظام والتنظيم يجب أن يبنى كل عمل في فلسفة الحجوي، فهو يرجع تردي الأوضاع الاجتماعية السياسية والاقتصادية والفساد المالي والإداري إلى شيء واحد وهو الفوضى، ويبقى مفهوم النظام عند الحجوي من الثوابت في البناء الفكري الذي اجتهد في إقامته عبر تقاييده ورحلاته وملاحظاته،[12] وتظهر مسألة النظام في الفكر الإصلاحي لدى الحجوي من خلال المحاضرة الطويلة التي ألقاها المعنونة بــ “النظام في الإسلام“.[13]

يرى الحجوي أن النظام ضد الخلل، وأن تقدم الأمم ظل وسيظل مرتبطا بقدر تمسكها بالنظام وأحكامه على أرض الواقع، وقيام رجالها بمراقبة العمل به والتمشي عليه، ويكون تأثرها بقدر انحلاله والتفريط فيه.[14]

فالنظام عند الحجوي هو من أهم الركائز الأساسية في كل تصوراته الإصلاحية والتحديثية، وأنه  أساس لكل تقدم ونجاح في كل الأعمال كلها، وعلى فكرة النظام يبنى مشروعه الإصلاحي  في كل المجلات التعليم والاقتصاد والتجارة والمالية، واعتمادا على حسه التاريخي أقر بأن النظام يبقى قابلا للتطور بحسب تطور الأزمان والعادات .

2)قـانون التجديد والاجتهاد وفق روح الشريعة ومواكبة العصر

كثيرا ما يدعوا محمد الحجوي إلى التجديد وفق روح مقتضيات العصر، وتحْملُ دعوته إلى الانفتاح على أوروبا، لاسيما على الدولة الحامية والأخذ منها ما يشكل أسس قوتها، فالحجوي ليس منغلق أو مكتفي بما يروج من أفكار بالمغرب، بل استطاع أن يتعرف على أفكار علماء المشرق وعلى رجالات النهضة بواسطة شيوخه، وبفضل رحلاته أو عن طريق القراءة، لأنه كان يتتبع أخبارهم بواسطة الجرائد والمجلات والكتب التي كانت تصل إلى المغرب في وقت كان فيه شديد الانفتاح على ثقافة الغرب بجميع أصنافها.

لقد أوضح الحجوي أن ما وصل إليه العالم الإسلامي عموما والمغرب على وجه الخصوص من تأخر هو نتاج بالأساس عن جمود المسلمين وانغماسهم في التقليد في شتى المجلات وفي هذا الصدد يقول: ’’إن المغاربة لم يكونوا مشتاقين للمدينة العصرية…ليسوا مهتمين بتشييد الأبنية وتضخيم المدن وتعبيد الطرق وتقريب كل بعيد…مكتفين بما في أرضهم من خصوبة قانعين بزراعة عشرها وإبقاء الباقي للحيوانات مستريحين من التفكير’’.[15] كما أن تأخر المغاربة حسب قوله يعود إلى إغلاقهم باب الاجتهاد ورفضهم لأي جديد وعدم مسايرتهم للعصر وفي هذا الصدد نجده يؤكد على ضرورة الاجتهاد بقوله: ’’اجتهدوا لأن تكونوا تجارا ماهرين، فلاحين عارفين، وأطباء متخرجين ووكلاء محامـــين وصيــادلة ومهندسيـــن ومدرسيــن’’.[16]

ولعل دعوة الحجوي إلى الاجتهاد هي دعوة إلى الانفتاح على الحضارة الغربية، وأخذ بأسباب رقيها وتقدمها مع الحفاظ على خصوصية الشخصية المغربية الإسلامية، وفي هذا الإطار يقول: ’’فلا يتوهن أحد أن الدين الإسلامي يزهدنا في كل ما عند غيرنا فكلا ثم كلا…إن التشبه المنهي عنه…في أمر العبادات، أما ما فيه فائدة وكل ما فيه مصلحة للأمة والمجتمع فلا نهي فيه’’.[17]

إذا كان الحجوي يؤكد على ضرورة الانفتاح على منجزات الحضارة الأوروبية الجديدة واقتباس بعض مقوماتها، وفي طليعتها (النظام،العلم،التجارة)، فإن العقل الفقهي للحجوي المتجذر في البنية العميقة للثقافة الإسلامية، يرفض المظاهر التي تخدش المروءة وينعدم فيها الحياء خصوصا ما يتصل بالكيفيات التي تظهر بها النساء.[18] لذلك استنكر الحجوي دعوات معارضيه إلى التشبث بالتقاليد البالية وإغلاق باب الاجتهاد  والاكتفاء بما وصل إليه القدماء، لكن الانفتاح على الحضارة الغربية لا يعني بالنسبة إليـه الاندمـاج الكلي الذي يؤدي إلى مـحو الهويــة المغربيــة، إذ نجـده يقول: ’’والأبشع هو تقليد أوروبا في الأمور المخالفة للدين والتي تكون سببا في اضمحلال قوميتنا كالتشبه بهم في العبادة وفي سفور والتهتك والخمور كالتشبه في الزى…’’.[19]

فالاجتهاد يجب أن يمس الحياة السياسية، كما يقتضي أيضا الأخذ بأسباب التمـدن والترقي،[20] وفي هذا الصدد يقول الحجوي: ’’وإياكم أن تفهموا التمدن هو مخالفة أبناء جنسك كتغيير اللباس المغربي’’.[21] فالتمدن حسب الحجوي يكون: ’’بالأخلاق الكاملة هو التمدن الحقيقي الذي إن أخطأته عدت متأخر ولو بلغت ما بلغت من العلوم الأخرى’’.[22] فالحجوي اعتبر أن الحرية المطلقة مذمومة منافية لمكارم الأخلاق والنظام، لا بد لكل حرية من تقييد الدين والنظام والأخلاق ليقع الاعتدال وإلا  كانت فسادا وشرا مستطيرا.[23]

لقد مارس الحجوي الاجتهاد قولا وفعلا، ودخل بذلك في سجال مع الفقهاء المحافظين في عدد من القضايا، إلا أنه حاول إقناع جمهور الفقهاء بأهمية الاجتهاد وعلاقته بالتقدم،[24] فالحجوي كان على وعي تام بأن الاجتهاد ليس بيسير، وأنه ينطلق بالتكوين العميق في العلوم المختلفة، والسير فيه بخطى أكيدة وبالتدرج.[25]

إجمالا فالدعوة التي وجهها الحجوي إلى أخد ببعض شروط النهضة لا يعني في تصوره الانسلاخ عما يشكل أساس الشخصية الثقافية المغربية الإسلامية، ولكن كي يتجاوز محنته لا بد من أخد بالتقنية الحديثة لتحديث الحياة العامة.

[1] – أفاية نورالدين، أسئلة النهضة في المغرب، سلسلة تصدرها جريدة الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، السنة 1999، ص 65.

[2] – بنسعيد العلوي سعيد، أوروبا في مرآة الرحلة، صورة الأخر في آداب الرحلة المغربية المعاصرة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1995، ص 79 .

[3] – مهداد الزبير، النظام شرط التقدم والإصلاح…م س، مجله الرابطة العدد 553، أكتوبر 2012، ص 80.

[4] – الحجوي محمد، كتاب مفتوح…م س، م .خ.ع.ر، تحت رقم ح 123، ص 115.

[5]– الحجوي محمد، كتاب مفتوحم س، م .خ.ع.ر، تحت رقم ح 123، ص 117.

[6]– الحجوي محمد، الرحلة الأوروبية 1919، تحقيق سعيد الفاضلي، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع دار السويدي، الطبعة الأولى 2003، ص 13.

[7]– الحجوي محمد، الرحلة الأوروبية 1919…م س، ص 52.

[8]– رزوق محمد، محمد بن الحسن الحجوي والمسألة التعليمية، نصوص و دراسات حول الدولة والثقافة والمجتمع في المجال العربي الإسلامي، الجزء الثاني، أعمال مهداة إلى الأستاذ عبد الجليل التميمي، مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، تونس 2013، تقديم محمد السعداوي، ص 240.

[9] – Belkhayat Nadia, Les voyageurs du Maroc précolonial…op.cit,  p 16.

[10]– أفاية نورالديـــن، أسئلة النهضة في المغرب…م س، ص 66.

[11]– مهداد الزبير، النظام شرط التقدم والإصلاح…م س، مجله الرابطة العدد 553، أكتوبر 2012، ص 78.

[12]– الحجوي حسن أحمد، العقل والنقل…م س، ص190.

[13]النظام في الإسلام: مخطوط في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم ح231  هي محاضرة ألقاها الفقيه محمد الحجوي مضمون هذه المحاضرة هي أن الإسلام لم يسد أهله أيــــام الحضارة الذهبية، ولم يعل مقدارهم، إلا أنهم عرفوا النظام في كل شيء وتمسكوا به، كما أن انحطاطهم وتأخرهم اليوم نتيجة لإضاعتهم لأسس ذلك النظام وتفريطهم فيه.

[14]– بنعدادة آسية، الفكر الإصلاحي في عهد الحماية…م س، ص 219.

[15]– الحجوي محمد، تقرير تاريخي عن حالة المغربم س، م.خ.ع.ر، رقم ح 254، ص 13.

[16]– الحجوي محمد، تقرير تاريخي عن حالة المغربم س، م.خ.ع.ر، رقم ح 254، ص 5.

[17]– الحجوي محمد، التعــاضد المتيـــن بين العقل والعلـــــم والديـــن، تحقيق، بن عزوز محمد، مركز الثقــــافي المغربي، الطبعة الأولى 2005، ص 64.

[18]– أفاية نورالدين، أسئلة النهضة في المغرب…م س، ص 68.

[19]– الحجوي محمد، المسامرة المكناسية، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم ح  2/115، ص 12.

[20]– بنسعيد سعيد العلوي، المثقف المخزني وتحديث الدولة، بدايات السلفية الجديدة بالمغرب، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، العدد 10، السنة 1984، ص 61.

[21]– الحجوي محمد، المسامرة المكناسيةم س، م.خ.ع.ر، تحت رقم ح 2/115، ص 12.

[22]– الحجوي محمد، تقرير تاريخي عن حالة المغربم س، م.خ.ع.ر، تحت رقم ح254، ص 3.

[23]– الحجوي محمد، تعليم البنات، مجلة أمل العدد 7، السنة الثالثة ،1996 ص 142.

[24]– قوبع عبد القادر، محمد بن الحسن الحجوي (1874-1956) رائد الإصلاح الشامل في المغرب الأقصى، مجلة عصور الجديدة، العدد11-12، السنة 2013م-2014م، ص 376.

[25]– بنعدادة آسية، محمد بن الحسن الحجوي وتحديث الشخصية المغربية…م س، ص 20.

 

بقلم: عباس زعري

أضف تعليقك هنا