الرئيسية / الحياة / إلى أبي واللقاء السرمدي

إلى أبي واللقاء السرمدي

موت الأب

عندما أتحدث عن والدي وأذكرُ أنه ميّتٌ (ونحسبه شهيدًا إن شاء الله ) منذ 25 سنة لا أشعر برهبة الرقم “25”، فهو رقمٌ تزايد زيادةً طبيعية كلّ سنة، منذ متى؟ منذ 10 سنين – منذ 15 سنة – 16 – 17 – 18 – 19 – 20 – 21 – 22- 23 – 24 25، فلم أشعر بالرقم ككل بل شعرتُ به متفرقًا فهو يزيدُ واحدًا في خانة الآحاد كل سنة، ولكن اليوم وأنا في طريقي إلى المنزل صدمتني الفكرة، هو ميّتٌ منذ 25 سنة! يعني لو حولنا السنة إلى شهور ثم إلى أسابيع ثم إلى أيامٍ ثمّ إلى ساعاتٍ ثمّ إلى دقائق ثمّ إلى ثوانٍ وهذه الثواني عوضنا عنها بدوائر أو نقاط ووضعناها في مكانٍ ما على الجدار مثلًا فستملأ جدران المكان! وستأخذ منا وقتًا طويلًا، وفي هذه الثواني التي مضت يوجد ذكريات كثيرة بدونه بعضها جيدة وبعضها سيئة، ولكنني عشت هذه الثواني وكان طول ذلك الوقت ميّتًا، لم يكن موجودًا.

العدد 25

 25 سنة! يا إلهي، إنّه رقمٌ كبير، وليس كالعدِّ من واحد إلى خمسةٍ وعشرين! بتاتًا ليس كالعد، فالعدُّ يأخذ 25 ثانية أو أكثر قليلا كي أصل إلى 25. ولكنّ العيش لمدة 25 سنة! يا إلهي، إنّه وقتٌ طويل – وصلتُ لعامي السادس والعشرين أمس ولكن نظرًا لأنني قضيتُ معه سنة قبل موته (ونحسبه شهيدًا) فإنني أعتبرها خارج الحسبة، صحيحٌ أنني لا أذكر من تلك السنةِ شيئًا ولكنّه عاشها ورآني وناداني فهي سنةٌ موجودة عندما كان موجودًا، ماذا لو عشتُ أنا لسن الثلاثين؟ أو الأربعين؟ أو الخمسين؟ سيكون قد ماتَ منذ 29 سنة أو 39 سنة أو 49 سنة!

شعور الفقدان

هل سنعيش طول تلك الفترة وهو غير موجود؟ وهذه السنوات المعدودة هل ستزداد رقمًا رقمًا؟ ففي كل سنةٍ نُضيف واحدًا صحيحًا؟ هل هكذا مضت السنة؟ برقمٍ واحدٍ يُضاف إلى الخانة الأولى؟
وكيف نشعرُ بالفقدان بعد مضي 25 سنة؟ كيف لا ينهزم شعور الاشتياق؟ كيف لا تختفي الرغبة في اللقاء مجددا؟ كيف تزيد السنين سنة بعد سنة ولا يقل الشعور بزيادة المسافة الزمنية؟ والمسافة المكانية؟
لعلّ الطريقة التي نُبقيهم بها على قيد الحياة هي بالدعاء! وحتى بالدعاء ننساهم أحيانًا – يا لنا من عاقّين.

حزن الفراق

كنتُ أحزنُ عندما أتذكر والدي – ولكن كان هذا قبل سنوات. كنتُ أشعرُ بالنقص – ولكن كان هذا قبل سنوات. كنتُ أشعرُ بالمسافة الكبيرة بيننا – ولكن كان هذا قبل سنوات، أمّا الآن! ففي كلّ سنةٍ تمضي من عمري، في كلّ شهرٍ – أسبوعٍ – يومٍ – ساعةٍ – دقيقةٍ – ثانيةٍ أشعرُ بأن اللقاء يدنو مني كشجرةٍ تكبر فيزيد طول غصنها فكلما زاد طول الغصنِ اقتربَ من السماء وابتعد عن الأرض، وهكذا صرتُ أرى المسير؛ طريقٌ على وشكِ الانتهاء.

أبي في الجنة

أنا لستُ سوداوية، ولستُ مكتئبة، ولستُ حزينة والحمدلله، ولكنّ الله منّ علي بنعمةٍ كبيرة أنّه أراني الشخص الذي أُحبّ في الجنّةِ فصرتُ أحلم بمقعدي بقربٍ منه، ولعلّ هذه من أكبر النعم التي أنعمها علي أنّه أعطاني سببًا خاصًّا بي لكي أرغب في الجنة ونعيمها وأبديتها، صحيحٌ أنّ بها نعيمٌ مختلف ولكنّه نعيمٌ للجميع، وأمّا نعيمي المنتظر فهو اللقاء السرمدي، فعسانا نلقاه إن شاء الله مع أهلينا على سررٍ متقابلين مسرورين مطمئنين شاكرين حامدين – عالمين أنّ الله منّ علينا ففرّقنا في الدنيا كي يجمعنا إلى الأبدِ عنده، لن يُرهقني المسير، ولن يُتعبني الاشتياق – فالقربُ وشيك مهما طالت السنين.
“وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (22يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ (24وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) ” سورة الطور

فيديو مقال إلى أبي واللقاء السرمدي

 

أضف تعليقك هنا