الرئيسية / أدب / زارع الورد

زارع الورد

بقلم: أميمة سعيدي

لملم بقاياه و جمع روحه المتناثرة على الممرات. تخلص من همومه بالقائها على جناح ذبابة داعبت انفه. حمل معه ما تبقى من اوراقه و مسودات رسائله و روايته. اخذ كل صفحة منها على حدة و عند بوابة السجن مزقها الى نتف صغيرة ونثرها في الهواء.

بوابة السجن السوداء

لقد كانت ملحمة عن الحرية و حق لها الان ان تنال الحرية بعد ان عانت معه طوال هذه الفترة القاسية في السجن . نظر خلفه نظرة اخيرة ثم اجتاز بوابة السجن السوداء فراى طيفه يبتسم له ، يودعه و يصعد الى الاعالي. خرج انسانا اخر . صنع منه السجن كائنا بشريا مختلفا تماما عما كان قبل السجن.

استقبله أبوه في الطريق الخرساء

استقبله ابوه في الطريق الخرساء . عانقه بحرارة طفل يعود الى امه و امسك يده وهوى عليها يقبلها . انسابت بعض الدموع الحارة من عينيه على كف ابيه ، فبعثت فيه حرارة الابوة . دخل بيته فرآه مظلما. خرج الى الطرقات التي جابتها امه . لثم طرقاتها و مساربها . ثم عاد الى البيت يشم غطاء راسها و دفن فيه وجهه. تحسس كرسيها ، ثم هوى عليه يحضنه كما لو كان يحضن امه فيه ثم وضع خده على مسند الكرسي كما لو كان يسنده الى حجر امه و راح ينتحب بصوت عال .

هانت الدنيا في عينيه حتى عادت كأنها لمع برق

هانت الدنيا في عينيه حتى عادت كانها لمع برق خاطف في ليلة شتوية سرعان ما انطفأ. قال له كثيرون : ” انها الاقدار ! حظ الناس من العيش لم يكن يوما بايديهم . نحن لا نرسم حياتنا كما نهوى. نحن نمضي في الدروب التي رسمت ، فحاول ان تحيا . واجه كل الفجائع بالرضى” .. غير انه لم يكن يرد . يطرق كقبر . يصمت كساعة اخيرة من ليل مهجور في ساحة موحشة . اما تلك التي كان من الممكن ان تستمع اليه فقد رحلت قبل ان يفوه بما يريد.

مازال يذكر تذمرها من نشاطه السياسي السري بالجامعة

مازال يذكر تذمرها من نشاطه السياسي السري بالجامعة ، و يذكر وصاياها بان يواصل الطريق غير عابئ . لم يكن يخفي عنها معلومة واحدة . كانت تعرف رفاقه و رفيقاته و تدس في صندوقها الخشبي بياناته . و يوم داهمت فرقة امنية مختصة بيتهم الصغير للقبض عليه ، ارتمت في اعناق بنادقهم ، و خنقت احدهم. صفعت اخر . لعنتهم واحدا واحدا . صاحت : لا تاخذوه . و لكنهم دفعوها بعيدا ، و رموه في سيارة و رحلوا .

السجن

منذ ذلك اليوم لم يرها، و لكن من اين له ان يستعيدها كي يستعيد الكلام. كان لا يغادر بيته الا الى المقابر كي يزور الراحلين كلما ثقب الحنين قلبه او الى المشافي ليرى الذين سيرحلون لعلهم يلتقون حبيبته و يبلغونها رسالة منه. ظل اشهرا طويلة على تلك الحال استل فيها المرض صحته و تربع مكانها. اقنع اباه في النهاية بان يذهب الى الجبال ليتخلص من وجع الذكرى لبضعة ايام و يعود الى الحياة. كان ابوه يعرف معنى ان يفعل ذلك فصمت.

عند قبرها صلى صلاة الحب ودعى دعاء الشوق

و لكن الى اين؟ الى الكهف حيث النار او الى الوادي حيث الموت.قبل ان يصعد الى الجبل دخل المقبرة و عند قبرها صلى صلاة الحب و دعى دعاء الشوق ونزف حتى بلل بالدم جوف الثرى. ارتجف حتى سقط منه رداء الحياة. و قبل ان يغادر وضع عند راسها الرسالة المائة و رجاها ان تقراها على مهل. قصد طريقه باتجاه الجبال في ليلة ظلماء و اوى الى الكهف.

على باب الكهف اوقد النار و راح يتاملها طوال الليل. و حين غلبه النعاس نام . كان في طرف الكهف سرداب ضيق لم يكن يدري الى اين يفضي؟ في الليلة الثالثة اضاء في السرداب مائة شمعة و قرا رسائله المائة رسالة رسالة. كلما انهى واحدة القمها للنار و راح يراقب تلاشيها و هي تتلوى تحت وطاة اللهيب، فتهرع للحريق ، و تذوب فيه.

في النوم حلم بأنه يقف أمام باب الكهف

شعر بعد الرسالة المائة انه تخفف من كل وجع سابق و نام. في النوم حلم بانه يقف امام باب الكهف . لم يعد مهما ان يكون ذلك حلما او حقيقة . توافدت عليه طيور فستقية و راحت تنقر خبزا زرعه على كفيه و راسه . اخذت الطيور تاكل من راسه فيما كان يشعر بنشوة عجيبة . و في قلبه نبت شخص جديد.

تكاد صورته تظهر له في ذلك الليل الحالك صافي الوجه لامع العينين كما لو انه هو قبل عشرين عاما . بل انه هو ذاته . بزغ له من العدم فتابعه في ساعة الجامعة مزمجرا غاضبا يلفظ الزبد امام الاف الطلبة. تزعزع كيانه المهزوز في ذلك الليل . و وجد نفسه يقف مصوبا نظرات الاشمئزاز الى الكهف . بصق في وجه الكهف و الليل و انحدر عبر السفح . و راى نفسه في ساحات المدينة يزرع الورد في كل مكان.

بقلم: أميمة سعيدي

 

أضف تعليقك هنا