الرئيسية / إسلام / هل الحديث في الدين حكر على المتخصصين؟

هل الحديث في الدين حكر على المتخصصين؟

بقلم: زيد المنديلي

حسناً لتفترض انك امام خشبة مسرح ما.

المشهد الأول

بينما كنت اتابع أحد مشاهير اليوتيوب و هو يحلل أسباب تخلف المجتمعات العربية ،تعرض ذلك اليوتيوبر إلى بعض المواضيع الدينية . بعد إنتهاء المقطع الأول، إنتقل المحرك بي تلقائياً إلى مقطع اخر يظهر فيه شخص ترتسم على وجهه لحية كثة و شارب دل أثره على سابق وجوده.

بهذه الملامح التي توحي بالصلاح ، وجدت صاحبنا يرد على المقطع الأول و يتهم صاحبه بأنه لا يفقه شئ في الدين و ليس من المتخصصين ، فكيف له ان يتكلم في دين الله و هو غير متخصص فيه ؟! يسدل الستار.

المشهد الثاني

بينما كنت و بعض الزملاء نتناول وجبة الغداء حدث الحوار التالي:

المتحدث الأول

(معلم رياضيات قادم من بيئة محافظة …غير ملتحي ) ولنرمز له هنا بالشخصية ( س).

المتحدث الثاني

رجل ملتحي معلم دراسات إسلامية و حافظ لكتاب الله على ما اعتقد و لنرمز له  هنا بالشخصية (ص).

المشهد

قال (س)منتقداً تقديس العلماء (في حديث يبدو انه لم يسبقه ما يدل عليه )لماذا نقدس محمد بن عبدالوهاب ،و أردف و هو في حماس و ابن بار له اخطأ و ليس معصوم!فتدخل الشخصية (ص )و قال: من انت حتى تتحدث عن العلماء ؟! لقد قدم الشيخان الشي الكثير للأمة.

فتدخل البقية و ثار النقاش ، و في وسط المعمعة وجه احد الجالسين ل (ص) سؤالاً عن تخصصه ليجيب انه متخصص في (الكتاب و السنة )مضيفاً ان اكبر أزمة نواجهها  اليوم ، هي حديث الجميع في امور الدين ممن لا يعد متخصصاً في العلوم الشرعية ،ملمحاً في كلامه ل (س) معلم الرياضيات  و من وافقه في النقاش السابق.

و موجهاً سؤلاً قال فيه: لو ان سيارة شخص ما حدث لها عطل ميكانيكي وجاء ليسأل شخص في الشارع ، فهل سيرشده إلى الحل ام إلى اقرب ورشة ميكنيكا؟!مضيفاً  بعد أن رأى إنتصاره في وجه الجميع ، و الدين كذلك .. لا يتحدث فيه الا المتخصصون. لينتهي العرض عند  هذه البديهة التي افترضها(ص)و أذعن لها البقية ،لكثرة ما ترددت على المسامع .

هل صحيح أن الحديث في الدين لا يكون إلا للمتخصصين

لقد حاولت الإجابة على هذا السؤال  الذي اصبح متداولاً بكثرة و خصوصاً في الفترة الأخيرة  سواء في العالم الإفتراضي او في النقاشات على ارض الواقع كما رأينا و قد خرجت بعدة نقاط كما يلي:

النقطة الأولى:حكاية التخصص

و اقصد بها هنا ان العلم  في بداياته لم يكن على الشكل الذي نعرفه اليوم ، في التقسيم الأكاديمي الذي جعل لكل تخصص رجاله الدين لا يتكلمون و لا يبحثون الا في فنهم الذي أفنو عمرهم فيه ،  إنما حدث ذلك بالتدرج مع تشعب العلوم ،و الحقيقة أن التخصص هو سمة العصر الحديث ، لكن هذا لا يمنع ان هناك اشحاصاً قد تميزوا في اكثر من مجال و ربما تميزوا في غير تخصصهم او على الأقل أحاطوا ببعض جوانب ذلك العلم الذي  لم يحصلوا على الشهادة و الوظيفة من خلاله.

النقطة الثانية:القول على الله بعير علم

قال تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا البَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)وفي هذا القول الإلاهي كفاية عن الإطالة.

النقطة الثالثة:نوعية البيئة المحيطة بالفرد

و نقصد  بها هنا ، ان هناك مجتمعات إسلامية غلب على اهلها المحافظة الدينية و بالتالي انعكس ذلك على أبناء المجتمع فأورثهم بعضاً من العلم الشرعي من خلال المدارس و الأدوات التوعوية و حلقات التحفيظ و غيرها ، فهذه الفئة و أن كان فيها من ليس متخصصاً في الجانب الديني إلا انه يملك خلفية شرعية تمكنه من الشؤال و المحاورة في إطار ما لديه من مخزون تشريه منذ الصغر و ربما أضاف إليه بإطلاعه على المزيد عبر القنوات الفكرية المختلفة من الكتب إلى العالم الفضائي الذي وفرته التكنلوجيا.

النقطة الرابعة(لا رهبانية في الإسلام)

فمن المعلوم ان هذا الدين الإسلامي العظيم لا يعترف بقدسية لأحد من البشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، و بالتالي فلا رأي يقدس الا بالدليل و يكون الرد عليه لمن قال خلافه بالدليل أيضاً.

و كما قال ابن بار رحمه الله (فتقليد المشايخ واتباع آرائهم حقًا كانت أو باطلًا هذا أمر لا يجوز عند جميع العلماء، بل ذلك منكر بإجماع أهل السنة والجماعة بإجماع أهل العلم، لكن ما وافق الحق من أقوال العلماء أخذ به؛ لأنه وافق الحق لا لأنه قول فلان، وما خالف الحق من أقوال الناس من أقوال العلماء أو مشايخ الصوفية أو غيرهم وجب رده والأخذ بالحق الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام.).

هذا الدين لا يعظم إلا بالعلم

و بعد فإن هذا الدين لا يعظم إلا العلم و الدليل ، و الرأي ليس حكراً فيه  على احد دون احد. و اخيراً .. فلو ان شخصاً أوقف اخر في الشارع و سأله عن عطل مكنيكي في مركبته، فإن كان ذلك الشخص يعرف إصلاح الخلل فسيرشده إليه دون الحاجة إلى ان يذهب إلى ورشة مكنيكي مختص .. و كذاك كل امور الحياة و منها ما يتعلق بالدِّين فقد ورد عن غير واحد من العلماء  ( أن الساكت عن الحق شيطان اخرس).

بقلم: زيد المنديلي

أضف تعليقك هنا