الرئيسية / تعلم / الحدود الإنسانية

الحدود الإنسانية

بقلم: نورا نجم

“تخيل للحظة بأنك تعيش على كوكب آخر وتخضع لقوانين حياة مختلفة. ولنفترض خلو هذا الكوكب من الجاذبية وأن الناس لا يحتاجون لوسيلة تبادل كالنقود وأنك تحصل على غذاؤك وطاقتك من خلال النضح الأسموزي بدلًا من الطعام والشراب، وفجأة بدون سابق إنذار تنتقل للأرض فتكتشف بغرابة أنك جوعان وعطشان، ولما تتسائل لماذا تجد شخصا يُفَهمك بحاجتك للطعام والشراب ويوصي بمكان تجدهما فيه. وبعدما تأكل لا يكون لديك فكرة عن النقود، فتُسجن بالرغم من أنك لم تقصد إيذاء أي شخص، لقد حاولت فقط أن ترعى شئونك الخاصة.”

رباعية هنري كلاود ود. جون تاونسند

هكذا سطرا كلا من د. هنري كلاود ود. جون تاونسند في رباعيتهما الرائعة عن الحدود الإنسانية والتي بدأت بكتاب الحدود وشملت على كتابي الحدود مع الأطفال والحدود مع المراهقين وخُتمت بكتاب الحدود في الزواج وهي المجموعة التي كتبت وترجمت من مرجعية مسيحية، والتي أدمجت بعض نصوصها واستشهاداتها مع القوانين الأرضية للحدود.

اشتملت المجموعة على عشرة قوانين للحدود

كما اشتملت المجموعة على عشرة قوانين للحدود والتي تمثل مبادئ أرضية للحياة في توافق مع الواقع بدلًا من التضاد معه وبناء عليها اختبار الحياة بشكل مختلف. فالحدود تعرفنا ما هو لنا وما هو ليس لنا وأين ننتهي وأين تبدأ حدود الآخر فلا نصبح سجناء الألم أو نصبح غير مسئولين بعد بلورة حدود المسئولية.

الحدود التي تحمي الخصوصية والملكية

فالحدود التي تحمي الخصوصية والملكية تعبر أيضا عن إطارنا وما نحن مسئولون عنه وعن تحملنا لتبعات اختياراتنا، وتعبر كذلك أن نمتلك أفكارنا ولا نتلقى أفكار الآخرين وآرائهم بدون فحص واختبار وأيضا توصيل أفكارنا بشكل واضح.

ويستعرض الكتاب العديد من النماذج كيف أن عدم الإلمام بالحدود العلائقية أو عدم احترامها سواء بعدوانية أو بمناورة يأتي بأسوأ النتائج الحياتية، والحدود الإنسانية تبنى وتطور ولا تورث وهو ما يعطي فرصة دائمة لتغييرها، وهي تختلف عن الحدود التنظيمية التي تستخدم في العمل، فقد ينجح أحدهم في واحدة ويفشل في الأخرى.

الحدود الإنسانية والتي تبنى في سن الثالثة

أما الحدود الإنسانية والتي تبنى في سن الثالثة فهي تؤهل الأطفال على قول “لا” وأيضا على قبولها من الآخرين واحترام حدودهم، فالحدود تشمل قدرة على الارتباط العاطفي دون تخلي عن الذات وحريتها، وقدرة على الرفض دون فقدان للمحبة من الآخرين، وقدرة على قبول الرفض بدون انسحاب عاطفي عن الآخر، وهي تعاليم جسيمة في هذا السن وهامة.

ولا تتوقف تعاليم الحدود الإنسانية في سن الطفولة ولكن يستمر تطويرها في المراهقة، وتحدث أهم الصراعات الخاصة بالحدود في السنين المبكرة من العمر، والتي يتعلم فيها الأطفال الحدود والمحاذير السلوكية التي لا يجب تخطيها وما يشمل ذلك من مواجهة التهذيب.

لحدود الإنسانية كمنظومة أخلاقية وآثرها في الحياة

ولأهمية الحدود الإنسانية كمنظومة أخلاقية وآثرها في الحياة يكون من المهم توضيح عدم تعارضها مع الأديان لذا نرى حضور دسم للاستشهادات الدينية المسيحية في مجموعة كتب الحدود، ولنفس السبب نحتاج لإصدارات أخرى ذات خلفية إسلامية لتحتوي على الاستشهادات الإسلامية ونسخ عامة ذات خلفية علمانية عامة لمنفعة كل الناس.

فبالبحث في القرآن الكريم نجد أنه لا يوجد ما يمنع استخدام قوانين الحدود الإنسانية بل يوجد ما يؤيدها من استشهادات حتى لو لم تكن فعالة في مجتمعاتنا بصورة واضحة، أو غير مسلط عليها الضوء في الخطاب العام الموجه للمجتمعات سواء الديني أو العام وفي أي مجال يتعلق بالعلاقات الإنسانية وحل مشكلاتها، فهناك انفصال كبير بين احتياجات المجتمع وبين ما يوجه له من خطابات من جميع المرجعيات لكنها غير معاصرة أو مؤثرة في الواقع الإنساني بالرغم من وجود المرجعية الممكن الأخذ منها.

وعلى العكس من المرجعية الدينية نجد الخطاب الديني لا يتعلق بالدين نفسه وذلك في أكثر من دين يحث على ما يعارض الحدود الإنسانية السليمة في الدوائر العلائقية للناس، فهو يفسد أكثر مما يصلح ويكون حسب رغبة قائلها، وفي ذات الوقت إن عدنا للقرآن الكريم نجد العكس فنجده يحث على الحدود الحياتية والتي تعود بالنفع على حياة الناس واستمرار علاقاتهم ونجاحها مع استخدامه مصطلحات أخرى تحمل نفس المعنى، ورغم هذا لم نجده مستخلص في كتب أو خطب ليفيد صلاح المجتمعات البشرية.

لا تقتصر الحدود الإنسانية على تعاليم للأطفال والمراهقين فقط

لا تقتصر الحدود الإنسانية على تعاليم للأطفال والمراهقين ولكن نجدها هامة للغاية في أوساط من يعملون في خدمات المجتمع سواء مجتمع مدني أو ديني أو خيري ومجتمعي لكونهم أكثر من يتعامل مع الناس بكثافة، وتعاليم الحدود هي ما يساعد على ضبط الأنماط التي تدور تلقائيا وتضرر بالعاملين في أوساطها، وفي حالة عدم وضوح قوانين الحدود مجتمعيا نجد أكثر المتأثرين منها هم العاملين على هذه الأوساط، فقوانين الحدود الإنسانية تصل أهميتها لإن تصبح قياس يستخدم وتنتشر حتى تجد قبول مجتمعي.

توضح الحدود السليمة إطار المسؤولية عند الفرد

ومثلما توضح الحدود السليمة إطار المسئولية فإن زرع التراكيب الغير سليمة يشوه إطار مسئولية الفرد فتجعله غير مسئول عن إطاره أو مسئول عن ما هو خارجه ورغم أن كلتا الحالتين قد تثمرا عن نتائج حسنة لكنها ليست مقاييس منطقية سليمة للمسئولية بالرغم من كونها مقاييس خاطئة ينتج منها مسئوليات لم يحملها الله للإنسان لكن قد تدعو إليها خطابات مجتمعية أو دينية من عدم وضوح حدود ومسئوليات ثم دوران عشوائي لأنماط غير سليمة بالإضافة لذوبان ترسيم الحدود بين الفرض والاختيار في الخطاب المجتمعي بأنواعه ثم المحاسبة عليه.

وتختلف المجتمعات في تركيبات الحدود بها، ويتكون النمط الإنساني من النشأة الأولى في البيت والمجتمعات المحيطة من مدرسة ودور عبادة ومساحات محيطة تشاركية فتصنع في الإنسان تراكيب حدودية مهم تصويبها، والحدود الغير مسئولة ظهرت في الكتاب كدلالة لعدم التعمد وعدم الوعي بالنمط، لكونها نمط تم تكوينه وليس كوصف صائب أو خاطئ لها، فالنمط الإنساني عندما يخرج للمجتمع فإما أن يتشجع فيكمل كما هو سواء كان صائب أو خاطئ لمجرد أنه متسق مع مجتمعه، وإما أن يتسبب له هذا النمط في إشكالات حتى يتوقف ويبحث بداخل نفسه عن السبب ومن هنا تبدأ مسئوليته في التغيير.

وإن لم يعي الإنسان بنمطه أو وعى به وأنكره ولم يغيره فإنه يدور بلا مسئولية بهذا النمط بالرغم من ضرره لنفسه وللآخرين، وذلك لمجرد تلقي الإنسان دعم على هذا النمط مهما كان، ولهذا فبتعلم القياس السليم نتمكن من استخدامه بأنفسنا بدلا من التوجه لقياس غير واضح معالمه أو غير منطقي حتى وإن كان صاحبه على علم ولكنه مفتقد لهذا الجزء.

الأنواع المختلفة لمشكلات الحدود

وهناك أنواع مختلفة من مشكلات الحدود فمنها ذوبانها أو عدم وضعها ومنها وضع الحدود أمام المسئولية حتى المعنوية منها، فكما أن كل شخص غير مسئول عن دوائر فهو مسئول عن دوائر أخرى، وكثيرا ما نجد دوران على مواقع التواصل الاجتماعي التي تروج لهذه الأنواع من المشكلات على أنها مرغوبة وتحقق أعلى مشاهدات وإن لم تدل على سوء المقصد فهي تؤدي لمشكلات كثيرة في المجتمعات التي تنفذها.

مشكلات الحدود تتطلب التوقف والرصد وإعادة التعلم والتأهل

فمشكلات الحدود تتطلب التوقف والرصد وإعادة التعلم والتأهل وهو أقرب للunlearning والذي يعتمد على إزالة التعلم السابق حول معاني متداولة مجتمعيا ثم إحلالها بالجديد من القياسات. والحديث عن مشكلة في الحدود لا يعني إنحراف في الأخلاق لإن الحدود الإنسانية لا تنتمي للمنظومة الأخلاقية ولكنها مشكلة بناء إنساني، بالرغم من كون بعض المشكلات الأخلاقية تندرج تحت اسمها مثل مشكلات التحرش والتي ينتج بعضها من كسر الحدود بالرغم من كون مفهوم الحدود أكثر اتساعا من مشكلة واحدة.

إن الإلمام بالحدود الإنسانية وتفعيلها كثقافة يوفر الكثير من المشكلات وخاصة في المجتمعات والتجمعات، والتي لا تندرج الكثير من مشكلاتها تحت المنظومة الدينية أو الأخلاقية. الكثير من أدوات التواصل غير مهيئة لحفظ الحدود ولكن من يجعلها كذلك هو المستخدم نفسه عندما تنتشر ثقافة الحدود ويعرف إطار كل شخص وإلى أي مدى، ويعرف كذلك إطار غيره ولأي مدى كاستخدام لجميع الأدوات وأوقاتها وكثافتها، ستقل الكثير من الخسائر البشرية لدى الناس والتي تسببت فيها وسائل التواصل.

رغم وجود تعليم وتفعيل للحدود بشكل نادر في بعض الأماكن ولكنه غير موجود بكثافة رغم الاحتياج المجتمعي إليه وكونه من الممكن تعلمه تلقائيا مع مهارات أخرى أو على مدى طويل فهل صحيح أن يتلقى الإنسان العلم سريعا أو يأخذ مدى أطول من عشرات السنوات؟ من المهم أولًا أن يرصد الإنسان المشكلة ويقرر حلها سريعا توفيرا لخسائر أكثر، وإن عرفها يتأكد من وجودها من عدمه بعد معرفته بمقياس الصحة والخطأ لها وليس من دوران مجتمعي لصفة أو اقتراح من شخص آخر، طالما مقياسه المنطقي معه، وتلعب الفروق الفردية دورا كبيرا في اختلاف أدوات كل شخص عن الآخر في التلقي،  هذا غير دور الحياة في التعليم التلقائي المستمر.

التلقي من الخطاب القرآني

والميزة في التلقي من الخطاب القرآني أنه موجز وموضوعي وبلا مطلق لكن عند أخذه من داخل موضوع وسياق بشري يختلف التوظيف، فمن المهم أن يوظف في السياق السليم، فنادرا ما نجد خطاب ديني يضع حدود للمسئوليات أما الخطاب القرآني فيضع حدود حتى للمسئولية والعطاء بأنواعه، فلو علم القارئ المعنى وحصر مواطنه في كل النص القرآني والسُنة الصحيحة لم يقع في سوء التفسير، ونفس الشيء في ترتيب الأولويات، ونجد في جانب الحدود الإنسانية توضيح أن للعطاء دوافع مختلفة ومنها تحدد النتائج التي يؤدي لها خاصة على الجانب المعنوي.

قلة الكتب والمصادر التي تتحدث عن الحدود الإنسانية

ورغم الأهمية الواضحة لموضوع الحدود الإنسانية وتعاليمها فهناك نقص كبير في المصادر العربية عنه لدرجة أنه لا يوجد كتاب عربي آخر عنها غير هذه المجموعة الشاملة والتي عرضتها إجمالا وتفصيلا، في الوقت الذي تمتلئ فيه مساحة الكتابات والترجمات العربية بمواضيع أخرى أكثر مبيعا ولكن أكثر سطحية وتحصل على الاهتمام الأكبر في الترويج، ونفس الشيء عند البحث على الإنترنت عن مصادر عربية، وهذا في الوقت الذي تحتاج فيه مجتمعاتنا لنسخ متنوعة المرجعيات مكتوبة ومترجمة ومنشورة لتناقش الموضوعات الأكثر عمقًا مثل الحدود الإنسانية، بالإضافة إلى ترويجًا أكبر لها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ودور النشر والمكتبات.

بقلم: نورا نجم

 

أضف تعليقك هنا