الرئيسية / تعليم / القراءة / باولو فريري #التعليم من أجل الحرية

باولو فريري #التعليم من أجل الحرية

بقلم: ولاء عبد الفتاح الهمص

إذا كان الفكر صفةً للإنسان يتميز بها عن سائر المخلوقات، فإنَّ من المتوقع أن يكون الفكر الإنساني قد بدأ مع الإنسان منذ لحظة وجوده الإنساني. والرؤية الإسلامية للعالَـم حاسمة في التعبير عن ذلك؛ فالله سبحانه قد علَّم آدم الأسماء، وطلب من آدم أن يُنْبِئ الملائكة بهذه الأسماء فَفَعَلَ! فثمّة عمليةُ تعليم وتعلّم، ولا يكون ذلك إلا بوعي وإدراك؛ أي بفكر.

يُعد الموقف التعليمي خبرة جديدة وأساساً لتشريع يُنظم شؤون الحياة

ثم كان في حياة البشرية الأولى تزاوج الذكور والإناث ووجود أطفال يحتاجون إلى تنشئة وتدريب وتعليم وتنمية للقدرات الفكرية، ونتوقع أنَّ الوالدين كانا يقومان بدور تعليمي في كلِّ ذلك بالفطرة، وبالوعي والإدراك، وبما تفضَّل الله به عليهما من تعليم وما اكتسباه من خبرات مرّا بها في حياتهما. ولم يَغِبْ فضلُ الله على الأبناء بالتعليم عندما يغيب الوالدان وتطرأ مواقف وحالات جديدة، فيبعث الله لهم نموذجاً عملياً يُعلِّمُهم كيفية التصرف في هذه المواقف. ويصبح الموقف التعليمي خبرة جديدة وربَّـما أساساً لتشريع ينظم شؤون الحياة.

ارتباط الفكر الإنساني بالعلم والتعليم

وقد ارتبط الفكر الإنساني بالعلم والتعليم، فالإنسان كان مزوداً بالقدرة على تعلُّم الجديد مما يهديه الله إليه، ويواجه به مستجدات الحياة. والإنسان مدني بالطبع، وكان من أيّامه الأولى، يعيش في مجتمع تتكامل فيه متطلبات الحياة للجميع من خلال التخصص في حرف الزراعة والرعي والصيد وإعداد المأوى وصنع السلاح، وغير ذلك، وكلُّ ذلك يحتاج إلى تعلّم وتعليم، وتربية وتدريب. والله سبحانه لم يدَعِ الإنسان لنفسه، فكان الأنبياء والرسل يقدمون لأقوامهم ما يصحح تصوراتهم وأفكارهم، ويزكي نفوسهم، ويدير شؤونهم.

الأفكار والخبرات البشرية تختص بالإدارة العلمية للحياة العملية

فالأفكار والخبرات البشرية تختص بالإدارة العلمية للحياة العملية, يتعلمها الناس وفق ما تستند إليه من مبادئ وقواعد اكْتُسِبتْ وتٌكتسب بالخبرة المباشرة والتعليم, فتتوارث الأجيال البشرية بعض هذه الخبرات عن طريق التنشئة الأسرية، لا سيما ما يختص بعناصر الهوية المميزة لكل أمة من دين وقيم ولغة وتاريخ، كما تؤدي مؤسسات التعليم والتدريب مهمّتها في نقل هذه الخبرات وفي تنميتها وتطويرها؛ فالفكر البشري في مجمله كان دائم التغير على مستوى الأفراد والمجتمعات والأمم.

تبعاً لما يتوفر لكل مستوى من الخبرات المتجددة، جيلاً بعد جيل؛ إذ تنشأ علوم ومهن ومعارف جديدة في المجتمع الواحد، ويحدث تثاقف بين المجتمعات، في حالات السلم والحرب, وتتواصل عمليات التطور والتغير في مؤسسات التعليم وموضوعاته، وأساليبه.

الفكر الغربي

وحيث أن الفكر الغربي فِكْر إنساني، خرج من العقل الإنساني بإملاء من نظرات إنسانيَّة في واقعٍ إنساني، وفي ظلِّ مؤثِّرَات بيئيَّة إنسانيَّة، فهو -لهذا- ليس فكرًا ملائكيًّا، ولا شيطانيًّا؛ فالغرب ليس هذا أو ذاك.

وكما نجد في الغرب فكرًا محافظًا نجد في المقابل فكرًا منفتحًا، وفي مقابل المذاهب الكلاسيكيَّة التقليديَّة نجد المذاهب الرومانسيَّة، ويكاد يكون لكلِّ مذهبٍ نشأ في الغرب نقيضٌ في مذهبٍ آخر نشأ في عصره أو في عصرٍ تالٍ له، والقارئ في تاريخ الفلسفة الغربيَّة يلمس هذا بوضوحٍ شديد، وفي سياق الحديث عن التعايش الإنساني، والمشترك بين الشعوب، سنجد في الغرب فكرًا إنسانيًّا رحبًا فسيحًا يقبل بالآخر، ويُطَالِب بالتعايش معه، وينظر إليه بعين الإنسانيَّة الواسعة، كما سنجد -أيضًا- فكرًا تصادميًّا عنيفًا، يرى في ذاته الشخصيَّة البشريَّة المثاليَّة،

وفي حضارته الحضارة الوحيدة الأرقى والأفضل؛ ومن ثَمَّ يتوصَّل -في نهاية الأمر- إلى أن يُبَرِّرَ تصادمه مع الآخرين، فيلتمس لرغبته هذه ثوبًا شرعيًّا، يجعل الصدام من طبيعة البشر، أو من طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب، أو من ضرورات التعامل بين المتقدِّم والمتخلِّف.

بماذا يمتاز الفكر الإنساني؟

يمتاز الفكر الإنساني بأنَّه كيانٌ متطوِّرٌ تبعًا لاختلافات الزمان والمكان والجنس، وإنَّ أكبر دليلٍ يُؤَكِّد على هذه الوجهة هو التاريخ؛ فالتاريخ بوتقةٌ كبيرةٌ تحوي في طيَّاتها أوضاع الإنسان الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والفكريَّة.

وإنَّنا لو أردنا أن نستقصي المشتركات الإنسانيَّة في الفكر الأوربي المعاصر دون ربط هذا الفكر بجذوره وأصوله- لأحدثنا قطيعةً من شأنها أن تُغَيِّب عنَّا بعض الحقائق المهمَّة؛ تلك التي تُغَيِّب بدورها الصورة العامَّة للمشترك الإنساني في الفكر الأوربِّي المعاصر.

إنَّ تاريخ الفكر -أيًّا كان هذا الفكر- هو قصَّة الدورة الحضاريَّة من نشوءٍ وارتقاء وتدهور وسقوط، وبالأحرى ضياع وغفوة، فاستيقاظ فتثاؤب فتململ، فنهوض فتوثُّب، فانعطاف نحو اتجاهٍ جديد، فانطلاق في مسارب جديدة، والاندماج والذوبان في مجرى يشقُّه سيلٌ أشدُّ قوَّة، وأغزر دفقًا، أَلَا وهو مجرى حضارة الإنسان على ظهر هذا الكوكب.

تاريخ الفكر الأوروبي

وتاريخ الفكر الأوربي -وَفق التصوُّر التشريحي لتاريخ الفكر العالمي- هو أحد الروافد الأساسيَّة المكوِّنة للفكر العالمي، وإنَّه بتنوُّعاته وجذوره وفلسفاته المتنوِّعة، وبفلاسفته الذين لا نكاد نحصيهم عددًا قد اتَّفقوا -كلٌّ حسب تصوُّره ومعتقده– بضرورة التوجُّه ناحية الإنسان لاستكشافه، وإبراز الخصائص العامَّة والخاصَّة له منذ أواخر القرن الخامس عشر، بعدما كان هدف الفلسفة الأوربيَّة والفكر الغربي محصورًا في الدراسات اللاهوتيَّة، التي كانت بعيدةً كلَّ البُعد عن الإنسان والكون والخالق.

عن نظرة الفلاسفة لذلك العصر، ودور العلم في تكوين هذه النظرة باعتباره مشتركًا ثقافيًّا التفَّ الأوربيُّون حوله، وتمكَّنُوا من التعارف على بعضهم من خلاله: “إنَّ عصر التنوير (الثامن عشر الميلادي) كان بالفعل حركةً كوسموبوليتيَّة (عالميَّة)، ونادرًا ما سمعنا أيًّا من الفلاسفة الفرنسيِّين أو غيرهم في ذاك العصر يتحدَّثون بلهجةٍ قوميَّة، أو يكتبون في مواضيع تستقطب الأثرة الوطنيَّة؛ فهم كانوا ينطلقون من نظريَّات لا تعرف حدودًا جغرافيَّةً ولا تقف عندها؛ نظرًا إلى أنَّهم كانوا يُؤمنون بالعقل وحده، وبأنَّ له جنسيَّةً واحدةً ووحيدة، أَلَا وهي الجنسيَّة الإنسانيَّة، ولقد قال مونتسكيو ذاك القول الشهير: إنَّه لا يُريد أبدًا أن يعرف بأيِّ شيءٍ يكون نافعًا لفرنسا وضارًّا بالإنسانيَّة… وقد صَرَّح الفيلسوف الألماني ليسنج بأنَّه شديد الغبطة لكونه قد استعاض عن وطنه بالجنس البشري”.

نظريَّة المشترك الإنساني

وكان من الطبيعي أن نجدَ نظريَّة المشترك الإنساني بمختلف محاورها في فكر هؤلاء ومؤلَّفاتهم، صحيحٌ أنَّنا لا نستطيع أن نستقصيها بكافَّة محاورها وأعمدتها، لكنَّنا نجد في فكر هؤلاء ما يُعَضِّد وجهة نظرنا في طبيعة المشترك الإنساني وضرورة الالتقاء حوله.

فالفكر الأوربِّي هو الذي أنتج هذا النوع من المعرفة القيِّمة التي تُرسِّخ مبدأ التعارف من خلال تحقيق المصالح المشتركة بين الأمم والشعوب، هذا الفكر ذاته لم يخلُ من مفكِّرين -وما أكثرهم- آمنوا بالتصادميَّة والتشاؤميَّة؛ بل كانت فلسفاتهم إلهامًا لكثيرٍ من السياسة الذين آمنوا بهذه الأفكار والرؤى.

فكثير من المفكرين المعاصرين كرسوا حياتهم من أجل الارتقاء بمستوى التعليم ومزجه مع الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، وتغيير أوضاع الفقراء والمهمشين والمستضعفين على مستوى العالم تغييراً جوهرياً نحو الأفضل أهمهم البرازيلي فريري فكانت للتعليم أنه وسيلة للثورة على القهر، وصولاً إلى الحرية وإلى تمكين المقهورين من مقدراتهم، ومنهجه في تحقيق ذلك يرتكز على ‘الحوار’ الذي يتبادل فيه المعلم والمتعلم دوريهما، فيتعلم كل منهما من الآخر، ويصبح موضوع الحوار الذي يدور في الغالب حول أوضاع المتعلمين المقهورين الحياتية هو المدخل إلى تعليمهم القراءة والكتابة.

القراءة والكتابة عمليتان متكاملتان

القراءة والكتابة عمليتان متكاملتان لا ينفصلان عن بعضها البعض، وعندما نتعلم كيف” نقرأ” فإننا نمارس ما فعله الآخرون الذين سبقونا في الكيفية التي تعملوا بها كيف يقرأون ويكتبون وأتقنوا ذلك، فأنتجوا لنا ما نقرأه لهم، وكما أننا نتعلم كيف نقرأ فإننا نستعد في الوقت ذاته لنكتب.

ما نتعلمه في حياتنا الاجتماعية, ولما كان فريري لا يؤمن بأن ثمة حياداً في التعليم، وأن التعليم إما أن يكون للتطويع أو للتحرير، فإذا كان للتحرير فإن أساليب التطويع تصبح غير مناسبة. ولما كانت القوة جزءًا لا يتجزأ من التربية، ولما الذين يمتلكون القوة يحددون ماهية التعليم، وأساليبه وبرامجه ومناهجه.

التعليم هو أداة للتحرر وليست أداة للسيطرة

فإن التعليم يصبح بالتالي أداة للتحرر وليست أداة للسيطرة، كمايصبح أيضاً قضية سياسية تستهدف إعادة بناء الوعي من أجل التحرر وهنا تصبح القراءة والكتابة بل وإعادة الكتابة بالنسبة لفريرى عملية سياسية تستهدف فضح خطط القاهرين من ناحية، وتنتج لنا أفرادًا متعلمين من ناحية أخرى. وهذا يعنى أن التعليم ينبغي ألا يكون محايداً بل لابد أن ينحاز إلى جانب المقورين, وأن يتم توجيه محتواه في هذا الاتجاه.

ومن هنا يبتعد التعليم عن أن تكون عملية ميكانيكية، وظيفتها حل شفرة الكلمة المطبوعة، بل أن يصبح طرفاً فاعلاً في قلب العلاقة بين المعرفة والقوة. فالإشارات الصادرة من الواقع يمكن أن تضلل أو توضح أو تعلل أو تبرر أو تعمل وفقًا لهذا الفهم أو ذاك. ولكن اللغة بالنسبة لفريري تسعى من أجل تحقيق المصداقية، إنها نضال من أجل الحقيقة. فالكلمة هي جوهر الحوار الإنساني ذاته، وليس ثمة كلمة صادقة لا تمثل قضية في ذات الوقت.

فالكلمة الصادقة تغير العالم. ونجاح التعليم مشروط ببدء الناس في تأمل العالم وتدبر قدرتهم على تغييره، وعندها يتوحد الناس مع وعيهم باعتبارهم ذوات واعية، يتأملون ويفكرون بكامل كيانهم.إن أي مشروع للتعليم ينجح فقط عندما يفهم الناس الكلمات بدلالتها الحقيقية كقوة تغير العالم.

العلاقة بين التعلم والتحرر

وهنا تكمن العلاقة بين التعلم والتحرر، فعندما يكون التعليم أداة للوعي النقدي، وعندما تكون هناك إرادة سياسية للتعليم تنحاز إلى المقهورين والمهمشين وتستهدف تمكينهم من تغيير عالمهم الذي ألفوه وألفهم، وصاروا جزءًا منه وصار جزءًا منهم، وتشوه وعيهم في ظله، وعندما يتحقق ذلك يمكننا أن نتحدث عن أن التعليم قد أسهم في التحرير بمعناه الحقيقي، وليس بالمعنى الذي يريده القاهرون الذين يحددون الأدوار للمقهورين، ويرسمون لهم مسارات الحرية وحدودها.

فيدرك المقهورون بذكائهم الفطري أبعاد اللعبة فيتظاهرون بالطاعة ويتظاهرون بأنهم يتعلمون، ويمثلون بأنهم يشاركون ويعملون، ويتمادى القاهرون في اللعبة التي تحقق لهم شيئًا من الصيت والشهرة، وبعضًا من الراحة النفسية لأنهم قدموا شيئاً للفقراء المقهورين، ويجاريهم المقهورون، ويدورون في فلكهم، كما يدور “الفرفور” حول السيد في مسرحية الفرافير ليوسف إدريس، وتستحيل الحياة إلى نوع من العبث والسلبية المطلقة التي تبدو وكأنها ضرب من ضروب المقاومة، ولا يستطيع الفرفور أن يخرج عن مداره حول السيد إلا إذا وجد من يضئ له الطريق.

الحديث عن باولو فريري 

ويعلمه أن هناك مسارات أخرى تفتح له آفاق الحرية، وتمكنه من أن ينال حقوقه، وتخرجه من ثقافة الصمت والانسحاب إلى ثقافة المشاركة والمقاومة, وعندما نتناول في هذه الصفحات، الحديث عن باولو فريرى فلابد لنا الالتزام ببعض الطقوس، وأول هذه الطقوس أن ننزع عن عقولنا، وعلى أبواب حضرته.

تلك النظرة الوضعية للقضايا والمشكلات الاجتماعية بصفة عامة والتربوية بصفة خاصة, تلك النظرة التي تدعى الموضوعية وتعلن الحياد، فتنظر إلى التعليم باعتبارها عملية ميكانيكية هدفها تمكين الأمي من فك شفرة اللغة المكتوبة, وهى التي عندما تقدم له هذه اللغة فإنها تقدمها بصورتها الرسمية التي يستخدمها القاهرون، إنها لغة بعيدة عن حياتهم اليومية وعن ثقافتهم واستعمالاتهم الشعبية.

بقلم: ولاء عبد الفتاح الهمص

 

أضف تعليقك هنا