الرئيسية / إسلام / القدوة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع

القدوة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع

القدوة في حياة المسلم وصفات القائد الناجح وأثرها في استقامة الفرد وصلاح المجتمع.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يا ربنا تسليما كثيرا ثم أما بعد:

عناصر المقال

  • مفهوم القدوة, والأسوة, والعلاقة بين اللفظين, وتعريف القدوة الحسنة.
  • أهمية القدوة في حياة المسلم.
  • أثر القدوة الحسنة في استقامة الفرد وصلاح المجتمع.
  • كيفية اختيار القدوة الصالحة.
  • صفات القائد الناجح.

أولاً: مفهوم القدوة والأسوة والعلاقة بينهما

القدوة

القدوة في اللغة معناها: تتبع الأثر والسير على الطريق والاستنان بالأصل الأول, قال الله تعالى” وعلامات وبالنجم هم يهتدون” فالنجم قدوة المسافر لأنه يهتدي به في سفره, ومن هذا المعنى أخذ مفهوم الاقتداء كما في قول الله تعالى على لسان الكافرين:” إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون”, ويلاحظ هنا أن القدوة تعنى بالجوانب الحسية أكثر.

الأسوة

أما الأسوة: فهي المثال والنموذج الذي يتشبه به الإنسان ويعزي نفسه ويواسيها بمعاناته وعمله وأخلاقه. ويلاحظ في مفهوم الأسوة أنها تهتم أكثر بالمعاني الوجدانية والنفسية لكونها تبرز معاناة القدوة وصبره في بلوغ هذه الرتبة العالية.

العلاقة بين المفهومين القدوة و الأسوة:

بين اللفظتين تقارب لفظي كبير فهما ينطقان بضم الحرف الأول وكسره, وهما على وزن واحد والحركات والسكنات متحدة بينهما, وهذا التقارب اللفظين أورث بين اللفظتين تقاربا من جهة المعنى حتى أن كلا اللفظتين يطلق إحداهما على الأخرى, فنقول: أسوة حسنة على معنى القدوة الحسنة, ولم ينكر ذلك أحد قط.

كما أن بين اللفظتين عموما وخصوصا فالقدوة أعم من الأسوة إذ القدوة تطلق على القدوة الحسنة والقدوة السيئة بخلاف الأسوة فغالبا لا تطلق إلا على القدوة الحسنة كما وصف القرءان الكريم لنا ذلك في ثلاثة مواضع في القرءان الكريم موضع في سورة الأحزاب وموضعان في سورة الممتحنة قال الله تعالى” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) الأحزاب, وقال تعالى:” قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) الممتحنة وقال تعالى بعدها بآية واحدة:” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ” ولو قلت أن الأسوة لا تطلق إلا على القدوة الحسنة وأن الصفة هنا في أسوة” حسنة” صفة لازمة وقيد غالب فيكون الكلام وجيها وهذا كما في قول الله تعالى:” وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون” النحل, فوصف اللحم بالطري وصف غالب ووصف الأسوة بالحسنة مثلها وصف غالب.

ومع ذلك فهناك بعض الفروق بين اللفظين  فالقدوة تعنى بالحسيات أكثر من المعنويات بخلاف الأسوة فيبرز فيها الجانب المعنوي ولولا الجانب المعنوي لذهب معنى الأسوة بالكلية.

كما أن القدوة تكون بالسابق , والأسوة تكون بالمعاصر وبالسابق, كما جاء في القرءان الكريم.

ومن خلال هذه العلائق بين اللفظين نستطيع أن نطلق أحدهما على الآخر ونجعل لهما تعريفا جامعا لهما فنقول أن القدوة الحسنة: الإنسان الذي تكاملت صفات الخير فيه حتى صار إماما ومثلا أعلى يحتذي به الآخرون ويتشبهون به ليكونوا نافعين لأنفسهم وأسرهم ومجتمعهم.

ثانياً: أهمية القدوة الحسنة في حياة المسلم

المسلم مطالب منه أن يتحلى بالفضائل ويتخلى عن الرذائل, فهو مطالب بالتحلي بالصبر والإخلاص والوفاء والكرم والجود والعفة وغير ذلك من الأخلاق العملية التي يتعامل بها مع الله ومع الناس كما قال الله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة هود:” فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير” وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شارحا للآية الكريمة:” استقيموا ولن تحصوا” وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن”.

كما أن المسلم مطالب بالتخلي عن الرذائل التي تسقط مروءته بين الناس كما قال الله تعالى:” ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من ذكاها وقد خاب من دساها”

وكل هذا ليس بالأمر الهين ولا اليسير فهناك عقبات تواجه المسلم كالهوى والشهوات ونزعات النفس ونزغات الشيطان ووسوسته وهناك العادات الاجتماعية ومشاكل الحياة وصعوباتها مما يحول بين الإنسان وبين الكمال الاخلاقي.

ولذلك يحتاج المسلم دوما إلى مثلا أعلى ونموذجا يقتدي به ويتمثله في حياته حتى يبني نفسه ويكون صالحا لنفسه واسرته ومجتمعه. ومن هنا فقد أكثر القرءان الكريم في الحديث عن سير الأنبياء الكرام وعن سير أتباعهم, حتى يقتدي بهم المسلم.

إبراهيم عليه السلام – القدوة الحسنة

كما أن القرءان الكريم ركز وأبرز الجوانب الاخلاقية العملية في حياة الأنبياء والمرسلين حتى يحتذي بهم المسلم فقد قال الله تعالى:” وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) مريم, فنرى القرءان يحدثنا عن صدق الأنبياء وبرهم ووفائهم كما ركز القرءان على جوانب التوكل على الله تعالى وحسن الاستعانة والإنابة فقال الله تعالى على لسان هود عليه السلام:” إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) وقال الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام:” عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89).

كما نجد حسن الاستعانة على لسان جل الأنبياء الكرام كما في سورة الأعراف ويونس وإبراهيم والممتحنة, ونجد ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الملك كما قال الله تعالى:” قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) .

موسى عليه السلام – القدوة الحسنة

كما ركز القرءان الكريم على مروءة الأنبياء وعفتهم ونخوتهم, فهذا سيدنا موسى كما حدثتنا سورة القصص كان شابا قويا فتيا طريدا غريبا يعاني مما يعانيه كل شاب وزيد عليه أنه طريد جائع يحتاج إلى المأوى والغذاء وكل هذه الظروف لا تسمح له بأن يفكر إلا في نفسه وهمه فقط,  ولكنه مع ذلك ما أن رأى مشهد المرأتين تزودان حتى هاله أمرهما ونسي كل ما يعانيه وتقدم إليهما سائلا:” مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25), وهكذا بكل نخوة وعفة وكرم يتوجه بالسؤال والدعاء إلى الله تعالى:” رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير” ومن هنا كانت الأسوة لأنها تقوم على المعاناة والتأسي بحال الغير, حتى يكون موسى عليه السلام مثالا لكل شاب تعرض لمواقف مشابهة, فحتى لا تسول له نفسه صنع السوء أو استغلال الموقف للتكسب الشخصي أو ترك مد يد العون والمساعدة,  يقول القرءان الكريم له: هذا شاب ظروفه أشد من ظروفك ومعاناته أشد من معاناتك ولكنه ينسى معاناته وينخرط في مشاكل مجتمعه ويساعد المحتاجين.

يوسف عليه السلام – القدوة الحسنة

وهذا سيدنا يوسف عليه السلام كان شابا فتيا قسيما وسيما يعاني الظلم والعبودية,  ومع ذلك يعاني الغربة التي قد تجعل الإنسان يتنازل قليلا أو كثيرا عن مبادئه,  فتحكي لنا سورة يوسف وتسجل لنا عفته ووفاءه وإخلاصه وكرمه وكيف تعامل مع الجميع باخلاق الأنبياء الكرام كما قال الله تعالى:” وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24), وقد كانت الظروف مهيأة بل هي هيأت يوسف للفاحشة ولكنه اعتصم بالله تعالى وثبت أمام الإغراءت الكثيرة حتى شهد له القرءان بالبراءة وشهد ببراءته الشاهد حيث قال:” إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)” كما شهدت ببراءته امرأة العزيز مرتين”وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) فهذه مرة ومرة شهدت براءته مع النسوة:” قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52), وتتابع السورة الحديث عن معاملة يوسف لأهل مصر ومعاملته لإخوته مع ظلمهم له, وفي ختام السورة قال الله تعالى:” لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111).  فهم” هدى” يهتدي بهم من أراد النجاة وقدوة لمن أراد الاقتداء.

سليمان وأيوب عليهما السلام – القدوة الحسنة

كما نلمح دوما كيف ارتبط في ثنايا الذكر الحكيم الحديث عن سليمان عليه السلام مع الحديث عن أيوب عليه السلام مع الفارق الكبير بين الحالين فهذا كان من الشاكرين وذاكم كان من الصابرين, نجد التلازم بينهما في سورة النساء والأنعام كما قال الله تعالى:” وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وفي سورة الأنعام:” وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ” وجاء االحديث عنهما مفصلا في سورتي الأنبياء وص قال الله تعالى في سورة الأنبياء:” وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) وفي سورة ص قال الله تعالى:” وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42).

وهذا التلازم بين النبيين الكريمين يرشدنا إلى أن الظروف لا تحول أبدا بين المسلم وبين الكمال الأخلاقي, فحتى لا يتحجج أحد بالنعمة ويجعلها عذرا للمعصية أو يتحجج بالبلاء,  فقد ذكرنا الله بأكثر الأنبياء نعما وبأكثرهم ابتلاء حتى يكون هذا قدوة لغيره في بابه وأخوه قدوة لغيره في بابه, بل لا تجد أحدا ابتلي بابتلاء شديد إلا وكان الأنبياء اكثر منه ابتلاء,  وكل ذلك لأن المولى سبحانه وتعالى أراد منا أن نتأسى بحالهم ونعزي انفسنا بالصبر على المعاناة تماما كما صبر وعانى نجوم الدجى.

وهذا ما أمر به القرءان الكريم صراحة في قوله تعالى:” أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) وقال الله تعالى”:لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد” كما قال الله تعالى في التاسي برسول الله صلى الله عليه وسلم:” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21), والتاسي برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون بالمظهر فقط, بل التأسي لا يكون تأسيا إلا مع وجود المعاناة.

ولا أدري أين المعاناة في التشبه بالشكل الظاهري دون التخلق بالجوهر, فالمسلم كما يتشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في عاداته فعليه أن يتخلق برسول الله صلى الله عليه وسلم في اخلاقه فالجانبي الاخلاقي هو ما تظهر فيه المعاناة وهو ما أبرزه القرءان الكريم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى:” وإنك لعلى خلق عظيم” وحين سئلت السيدة عائشة عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت:” كان خلقه القرءان كان قرءانا يمشي على الأرض” كما أن الاقتداء يكون بالتاسي بأتباع الانبياء وبالصحب الكرام الذين ذكرنا الله تعالى بجهادهم وإخلاصهم قال الله تعالى:” وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم” أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.

ثالثاً: أثر القدوة الحسنة في استقامة الفرد وصلاح المجتمع

رسالة الإسلام هدفها صناعة الإنسان الكامل, وحتى لا يقع المسلم فريسة سهلة للشهوات والمعاصي والأثرة والأنانية وحب الذات التي الذي يفصم الروابط الاسرية والاجتماعية ويجعل الأفراد يعيشون منعزلين في بيوتهم لا يهتم أحد بشأن أخيه إلا كما نجد في عالم الغاب, تجيء الأسوة الحسنة تأخذ بهذا الفرد وبذلك المجتمع يقيمه ويصلحه, والناس يرون أسوتهم بأعينهم,  فالقدوة لا يحدث الناس بلسانه ويعيش منعزلا عنهم بل يخاطب الناس بعمله ويسمعونه بأعينهم ولذلك فتأثير القدوة أشد.

وهذا ما نجده في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تعامل مع الأعراب غلاظ الأكباد وكيف قال للأعرابي الذي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: أنت الذي يقول عنه الناس انه كذاب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم بكل رقة:” نعم أنا الذي يزعمون عنه أنه كذلك, فقال الأعرابي: والله ما هذا بوجه كذاب, وما خرج الاعرابي حتى أعلن أمام الحشد إيمانه, وهذا الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسنت ولا أجملت, وهذا أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وغيرهم مما يصعب حصره وعده, كل هؤلاء عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم برقة وبلطف حتى جذب إليه القلوب وحتى أحيا الله به الأمة.

يامن تطلبون من النبي معجزة       ****             يكفيه شعب من الصحراء أحياه

وهذا هو الإسلام في أكبر تكتل بشري إسلامي في جنوب شرق آسيا وجنوب وشرق أسيا وفي إفريقية القارة المسلمة, ما دخل إليها فارس بسيف ولكن هذا التكل الإسلامي الكبير دخل أهله الإسلام بفضل الهجرات والتبادل التجاري وما رآه اهل البلاد المفتوحة من سماحة ولطف ورقة ووفاء وكرم الفاتحين.

رابعاً: كيف يختار المسلم قدوته

القدوة لا تكون لأجل القرابة ولا التقدم في العصر ولا تكون بالسن ولا تكون بالأكثرية, فقد عاب الله تعالى اتباع الآباء لمجرد القرابة فقط,  وهذا ما نجده فس سور كثيرة في القرءان الكريم ففي سورة البقرة”وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170), وفي المائدة”وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104).

وفي سورة لقمان”وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21), وليس هذا النهي لأنهم آباؤهم, فقد وضحت سورة الزخرف السبب وبينت العلة, حيث ذكرت دعوى الكافرين ثم أعقبت الذكر بالحديث عن سيدنا إبراهيم ثم ذكرت الآيات وصية إبراهيم لأبنائه بالإسلام وأقرت الآيات اتباع الآباء المسلمين فقال الله تعالى:” بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28),وهذا المعنى من جواز الاقتداء بالآباء الصالحين نجده أكثر تفصيلا في سورة البقرة حيث قال الله تعالى:” إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133).

اتباع الأكثرية بدل اتباع القدوة

كما أن القرءان الكريم عاب على المشركين اتباع الأكثرية والتذرع بالضعف كعلة للكفر وهذا المعنى نجده في سور كثيرة في القرءان الكريم فنجده في سورة النساء قال الله تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97), وفي سورة إبرهيم”وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21), وفي سورة سبأ”قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ, وفي الصافات”وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34), وفي غافر”وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48).

بل ضرب القرءان الكريم لنا مثلا صالحا وقدوة حسنة في فتية الكهف الذين ما هالتهم القوة ولا الكثرة حيث جهروا بالحق أمام أقوامهم فجعلهم الله تعالى آية للمعتبرين وسبيلا للمهتدين مع صغر سنهم وقلة عددهم قال الله تعالى”أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16).

ومن هنا فليست القرابة ولا السن ولا الكثرة سببا في الاتباع والاقتداء, بل للقدوة صفات وخصائص, وهذا هو عنوان العنصر الأخيرز

خامساً: صفات القائد الناجح

القائد هو ذلك الزعيم الذي يؤثر في الناس ويسير بهم نحو تحقيق غايات وأهداف معينة ويبث فيهم من روحه حتى يكونوا جميعا على قلب رجل واحد. وهذا القائد هو ما يسمى في القرءان إماما, وقدوة , وأسوة حسنة.

القائد الناجح لا بد أن يكون مؤمنا بمبادئه وغاياته

القائد الناجح لا بد أن يكون مؤمنا بمبادئه وغاياته حتى يؤثر في غيره, ولنا في الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة يوم أن قال لعمه:” والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الامر لن أتركه أبدا حثى يظهره ج-الله أو أهلك دونه. وقديما قالوا ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة

أن يكون لديه اليقين بالنصر وتحقيق الأهداف والغايات

واليقين: هو تلك الحقيقة الكبرى التي يؤمن بها ويعتقدها صاحبها ويصبر على الشدائد في سبيل تحقيقها ولا يتأتى إليه الشك حتى يتحقق يقينه.

قال تعالى:” واعبد ربك حتى يأتيك اليقين” وهذا اليقين هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على الإيذاء والظلم طيلة مدة الرسالة, وهو ما جعله يقول حين اشتد الإيذاء بالمسلمين المستضعفين:” والله ليتمن الله هذا الأمر ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله في الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وأهله وذلا يذل الله به الشرك وأهله”, إنه اليقين الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يبشر بفتح الشام والمدائن وهو يكسر الصخر في قلب الخندق حيث لا يأمن احد على شيء ولا على أحد, ولكن ثم كان ماذا؟!, كان أن تحقق الوعد فصدق الله وعده ونصر الله عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده

ونزل قول الله تعالى” إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا”.

الصبر على الشدائد والمحن

فلن تجتبى حتى تبتلى, ولنا في إبراهيم عليه السلام الأسوة الحسنة حيث ابتلاه الله تعالى بألوان من الابتلاءات فصبر عليها راضيا فكان أن جعله الله تعالى إماما يقتدي به سالكوا الطريق إلى الله تعالى حيث قال الله تعالى:” وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124). وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر الانبياء ابتلاء فمات أولاده كلهم في حياته وفاطمة الزهراء التي بقيت من بعده ما فاضتت روحه الكريمة إلا بعد أن شيع إليه أجلها, ثم ماتت حبه السيدة خديجه ثم مات عمه ونصيره, وقتل اصحابه وبقرت بطونهم وثملت أعينهم, ثم أوذي في الله بأشد ما يكون الإيذاء,  فصبر فجعله الله تعالى سيد الأئمة وأوجب اتباعه على العالمين وجعل طريقه طريق الجنة فلا يدخلها إلا من كان على طريقه.

أن يبدأ القائد بنفسه

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له قومه يوم بدر: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا, فلم يقل: ليخرج عمر ولا أبو بكر ولا أحد من المهاجرين, بل نادى احب الناس إلى قلبه واقربهم إليه نادى أن اخرج يا على ويا حمزة ويا أبا عبيدة وهم اعمامه وأقرب الناس إليه وفيهم ابن عمه وختنه على ابنته فقد دخل بها بعد العودة من بدر في شهر شوال من العام الثاني للهجرة.

بل يحمل النبي صلى الله عليه وسلم الصخر والحجر لبناء المسجد على عاتقه, ويقول :” لا أحب أن أكون متفضلا على أحد ويقول:” لست أولى بالفضل مني” ويأمر الصحابة بالصبر على الجوع ثم يربط الثلاثة أحجار على بطنه, ثم يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا توقد في بيته نار للطبخ.

وهذا عمر بن الخطاب كان يقول لأهله:” إني نهيت الناس عن كذا وكذا وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم فإن وقعتم وقعوا وإن هبتم هابوا ووالله لا أوتي بأحد منكم قد وقع فيما نهيت عنه إلا أضعفت له في العقوبة لمكانه مني”

أن يفعل الخير ويدعو إليه

قال الله تعالى:” وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73), والنبي صلى الله عليه وسلم قال:” لأن أمشي في حاجة أخي خير لي من ان أعتكف في مسجدي هذا شهرا”.

سعيد عبد الخالق طه الشيمي              عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا

فيديو مقال القدوة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع

أضف تعليقك هنا