المفكر والفيلسوف جون ديوي: رائد البراجماتية في التربية

لا شك في أن التربية توجد حيث وجد الإنسان، فمنذ أن خلق الله سيدنا آدم عليه السلام تولى الله سبحانه أمر تربيته وتعليمه وهذا يؤكد على مكانة التربية في المجتمعاتالإنسانية. والتربية في المجتمعات البدائية كانت تتم بشكل تلقائي بحيث تنتقل الخبرات الحياتية من الأباء إلى الأبناء عبر الأنشطة اليومية المختلفة، فمثلا يتعلم الأفراد أساليب الصيد والزراعة والحرف اليدوية بتقليدهم لآبائهموهكذا تنتقل الخبرة عبر الأفراد حسب ما تفرضه البيئة وطبيعة الحياة، كما وتنبثق التربية أيضامن العقائد والشعائر الدينية السائدة آنذاك.

دراسة الفكر التربوي للمجتمع

إن دراسة الفكر التربوي لمجتمع ما لا تتم بمعزل عن العوامل المحيطة وطبيعة الحياة والعوامل الأيديولوجية، وقد قدم المفكرون التربويون جهود عظيمة في تحقيق الأهداف الاجتماعية بما يتوافق مع المستوى الثقافي والمادي والمبدأ الديني لصالح الأجيال الصاعدة. وفد كان اكتسابالخبرات التربوية يتم بشكل شفوي تطبيقي دون أن يوثق في مصادر خاصة، واستمرت كذلك إلى حين اختراع الكتابة، حيث صاحب ذلك ظهور خيرات جديدة ووسائل مناسبة لنقلها من جيل إلى آخر، وقد ظهرت المدارس، وعلى إثرها زاد مستوى الوعي والثقيف فتطورتالمجتمعات وظهر تحسنا واضحا على أساليب حياة الأفرادوالجماعات.

المجتمعات الشرقية والغربية

وقد ساد لفترة طويلة الفكر الاجتماعي التراثي الذي يتسم بأنه محافظ، وفي المجتمعات الشرقية والغربية كان الفكرالديني شائعا آنذاك حيث كان مصطلح التربية يعكس الأخلاق التي تعتبر اساس المعتقدات الدينية، وقد تنبثقالتربية وتطبيقاتها من ثقافة المجتمع والبيئة، وكذلك الفكر التربوي يتأثر بالمكان والزمان والظروف المحيطة، فقد أثرت النزعة في الحفاظ على التراث لدى كافة المجتمعات على الفكر التربوي والتطبيقات التربوية لتلك المجتمعات، كما أنالفلسفات الإنسانية شكلت  ذلك الفكر التربوي بطابعفلسفي يشمل النظم الاجتماعية والقيم الأخلاقية والمتعلم والمعرفة والطبيعة وما وراء الطبيعة، وبما أن التربية تنبع من خصائص الثقافات السائدة وتمثلها، وترتكز إلى الفكر الفلسفي، فإن الفكر التربوي لا يمكن أن يتجاهل السنة الكونية في  التطور والتغيير. وللتعمق في الفكر التربوي، يجب الانفتاح على أفكار الفلاسفة والمربين على مر العصور في إطار طبيعة البيئة التي تواجدوا فيها، ومعرفة خصائص المجتمع التي شكلت عندهم المفاهيم التربوية وممارساتها عبر الزمن.

ويتمز الفكر التربوي بأنه غير قابل للطمس، يتم حفظه كتراث ثقافي يتم تناقله بإيجابياته وسلبياته عبر الأجيال، حيث إن كثيراً من الأفكار التربوية المعاصرة لها جذور تاريخية في الماضي تنبت منها اليوم وغدا، فالتربية كنظام اجتماعي لها أهميتها ومكانتها على مر العصور، والمعرفة الإنسانية كأساس للتربية تفقد أهميتها دون ممارستها والاستفادة منها، حيث ترتكز إلى منظومة من القيم والاتجاهات الايجابية والأخلاق الحميدة التي يبنى عليهامستقبل الحضارة الإنسانية.

إن طبيعة التربية قديما وحاضرا ومستقبلا لابد وأن تؤثر في تشكيل الحضارات ومضامينها في كافة المجتمعات البشرية، وإن التأمل في الفكر التربوي الذي أنتجتهالفلسفات المختلفة قديما وحديثا ربما يقود الأجيال إلى الحكمة والاهتداء لأخذ ما يناسب طبيعة بيئتهم وزمانهم.

وتعتبر فلسفة التربية موضوعاً شغل حيزا كبيرا من تفكير الفلاسفة والمربين ومن ضمنهم المفكر التربوي جون ديوي،وزادت أهميتها أكثر في زمن أصبح من الضروري أن يكون لكل أمة فلسفة تربوية تراعي خصوصيتها ماضيا وحاضرا ومستقبلا، تأخذ بها إلى التقدم وتجعلها قادرة على مجابهة تحديات العصر.

بناء على ما سبق سيتم تسليط الضوء على الفيلسوف الأمريكي جون ديوي وما أنجزه من أفكار تربوية ونتاجات فلسفية حيث كان له دور بارز في إصلاح أنظمة التعليم والتغيير الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية.

نشأة جون ديوي:

وُلد جون ديوي في مدينةِ  بيرلينجتون في الولايات المتحدة الأمريكية  في العشرين من شهرِ تشرين الأول عام ألف وثمانمئة وتسعة وخمسين، ونشأ وترعرع في نفس المدينة في أحضان  أسرة مثقفة ثرية، حيث حرصت والدته على تعليمه، وحفزته على طلب العلم، لذا نشأ على حب القراءة، وقضى أغلب أوقات فراغه في المكتبات. وبعد أن أكمل تعليمه الابتدائي  والمتوسط، التحق ليبدأ دراسته الجامعية في جامعة  فيرمونت، وبقي فيها إلى أن تخرج في عام ألف وثمانمئة وتسعة وسبعين، وانطلق بعد ذلك  ليعمل في سلك تدريس  حيث انتقل إلى مدينةِ ساوث أويل وأصبح مدرس لمادتي الرياضيّات والعلوم في مدرسة ثانويّة  في تلك المدينة، وبعد ذلك عادَ إلى مسقط رأسه، وعمل مدرسا في إحدى مدارسها المحلية، وبعد فترة وجيزة قرر ديوي الالتحاق ببرنامج الدراسات العليا؛ فترك العمل في التدريس، وخطا خطاه ليدرس علم الفلسفة  في جامعة جونز هوبكينز ، إلى أن حصل على درجة الدكتوراه عام ألف وثمانمئة وأربعة وثمانين، وبعدها عمل في جامعة مينسوتا وشغل أيضا منصب في جامعةِ ميشيغان حيث عمل كمدرِّب في الفلسفلة، وخلال هذه المدة بدأَ بكتابةِ أول أعماله. (زيادة وآخرون 2006م,ص:240)

ومن ثم انتقل إلى مدينةِ شيكاغو عامِ ألف وثمانمئة وأربعة وتسعين، وتم تعيينه رئيسا لقسم الفلسفة وعلم النَّفس في جامعة شيكاغو، إضافة إلى تأسيسه (مدرسة ديوي)؛ حيث ركز على تطويرِ أفكاره، وبعدَ ذلك اضطر للاستقالة من جامعة شيكاغو لعدم موافقة مسؤوليها على مناداته بالتربية التقدمية، وإنشاؤه للمدرسة التجريبية لتطبيق نَظريته الجديدة فيها. تركَ ديوي مدينة  شيكاغو، وانتقل إلى مدينة  كولومبيا ليعمل مدرسا في كلية المعلمين في جامعة كولومبيا، واستمر في منصِبه إلى أن بلغ سن التقاعد عام ألف وتسعمئة وثلاثين.(البدري، 2009م،ص233)،واستثمر هذه الفترة في إلقاء المحاضرات في العديد من دول  العالم لنشر أفكاره وفلسفته البراجماتية التي أضحت من أشهر الفلسفات في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين ليشغل بعد ذلك منصب الأستاذِ الفخريّ للفلسفة لمدّة تسعِ سنوات  في الجامعةِ ذاتها .    من الجدير بالذكر أنّ ديوي كرس جل حياته في التركيز على مجالَي الفلسفةِ والتعليم ونشرِ أعماله فيها ووضع الكتب الفلسفية المختلفة في التربية والأخلاق وعلم النفس ، ومن أشهر كُتبه: كتاب المدرسة والمجتمع، كتاب الديمقراطية والتربية، كتاب الخبرة والتربية، كتاب التربية في العصر الحديث، كتاب البحث عن اليقين ،وغير ذلك العديد من المؤلفات التربوية والفلسفية.

ومن الجدير بالذكر أنّه اشتهر بشكل واسع كمفكر تربوي ليس في أمريكا وحدها بل استعانت به دول أخرى مثل تركيا والصين للاستفادة من أفكاره في تطوير نظامها التعليمي، وقد ظل ديوي مُتعطِّشاً للفلسفةِ، وعلومِها إلى أنتُوفىَ في مدينةِ نيويورك في الأوّلِ من شهرِ حزيران/يونيومن عامِ ألفٍ وتسعمئةٍ واثنين وخمسين. ( الرشدان,2002م,ص:408)

أشهر الفلاسفة الذين تأثر بهم جون ديوي: 

1- الفيلسوف  تشارلز بيرس:

ويعد تشارلز بيرس أول فيلسوف أمريكى يخرج على العالم بفكر جديد يبلور فيه الحياة العقلية كما تمثلت فى القارة الجديدة ، وقد سار ديوي على النهج نفسه رغم ما جاء به من تعديل وتغيير؛ حيث اشتغل معظم حياته باحثاً علمياً يبتكر الجديد ، ويشق لنفسه فى الفكر طريقاً فريداً ، فكانت الثمرة هذا الإنتاج الذى بدأ مدرسة فكرية جديدة ، أخذت تضرب بجذورها حتى أصبحت تنشر اليوم ظلها على الولايات المتحدة باسم ” الفلسفة البراجماتية ” ، بل أخذت تمتد خارج بلادها فيؤيدها المؤيدون ، ويحترمها الناقدون.

ولقد جاءت أداتية ديوى أقرب إلى براجماتية ” تشارلز بيرس ” الذى يرى أن الأفكار الكلية إن هى إلا عادات سلوكية اعتادها الإنسان ليتصرف بها فى المواقف العملية التى تشير إليها تلك الكلمات ، فكأنما الفكرة الواحدة من هذه الأفكار الكلية هى بمثابة خطة تضبط السلوك وتوجهه ، وهكذا ارتأى ” ديوى ” حين جعل الأفكار أدوات توجه السلوك وتضبطه توجيهاً وضبطاً يحقق للإنسان غايته  المنشودة ، فالعقل ليس أداة المعرفة بل أداة لتطوير الحياة وتنميتها.( الخطيب وآخرون،2009م, ص:78)

2- وليم جيمس :

وجاء بعد بيرس فى الترتيب الزمنى، ولكنه كان أوسع منه شهرة وانتشاراً، وتعد الفكرة الرئيسية فى فلسفة جيمس هي نفسها الفكرة الرئيسية فى كل الفلسفة البراجماتية وهى فكرة ” المعنى ” حيث يتفقون جميعاً حول تحديد مقصودها، وقد تأثر به ديوى ، وكان ذلك من خلال كتابه ” أصول علم النفس الذى كان هو الضوء الذى اهتدى به ديوى أخيراً فى تشكيل منهجه فىالتفكير والبحث ، فلم يكن ذلك الكتاب مجرد كتاب فى علم النفس كسائر الكتب ، بل كان فاصلاً بين عهدين فى ذلك العلم ، إذ اعتبر ” العقل نمطا معيناً من السلوك ، يعالج به الإنسان بيئته على نحو يعينه على الحياة ، فالعلامة الدالة على وجود العقل فى أية ظاهرة سلوكية هى أن نلحظ فيها استهدافاً لغايات مستقبلة ، واختياراً للوسائل المؤدية إلى بلوغ الغايات، وعلى ذلك أقام عليها ديوى منهجه وبنى عليها تفكيره بأن العقل ليس كائناً روحانياً غيبياً يختلف عن الجسم الحى الفعال ، لكنه سلوك ذو طابع معين، وأن القيم والغايات التى يعمل الإنسان على أساسها ، إما أن تكون جزءاً من العالم الخارجى فيدركها الإنسان ، ثم يعمل على تحقيقها ، أو تكون من خلق  الإنسان ، يخلقها لتكون له وسائل يوائم بها بين نفسه وبين العالم الطبيعىأو المجتمع الذى يعيش فيه ، وهى على كلا الفرضين ليست سابقة على وجود العالم الطبيعى أو المجتمع ، بل تنشأ نتيجة لازمة لاتصال الإنسان بمحيطه، وأن نشاط الإنسان تجاه بيئته ، يجعل المستقبل هو رائد ذلك النشاط ، بمعنى أن نشاطه لا يكون إلا بالنظر إلى ما يتولد عنه من نتائج من شأنها أن تغير أوضاع الأشياء تغييراً يكون سبباً فىإزالة مشكلاته التى اعترضت سبيله، وبناءً على ذلك فإنه ليست هناك قيم ثابتة بشكل دائم ، وإنما تتغير القيم وفقاً لتغير الحياة ؛ مما يعنى أن القيم ما هى إلا أدوات يستخدمها الإنسان فى توجيه سلوكه . وذلك هو الأساس الذى أقام عليه ديوى  أداتيته.

3- توماس هكسلى:

حيث جاء اهتمام ديوي بفكرة التطور عند داروين عبر كتاب” علم الفسيولوجيا” لتوماس هكسلي الشارح لمذهب داروين فى النشوء والارتقاء ، فاستمد من دراسته صورة قوية من وحدة الكائن الحى، ومنذ ذلك الحين تشكل لدى ديوي نموذجا لنظرة أشمل وأوسع للأشياء، تلك النظرة الشاملة التى تتميز بها الدراسة الفلسفية، حتى أصبح يعبر عن هذا التأثير مراراً وتكراراً عبر مؤلفاته ، حيث يقول ديوى : ” إن كتاب أصل الأنواع يقدم لنا نموذجاً للتفكير ، أعد فى نهاية الأمر لتحويل المعرفة ومعالجة الأخلاق والسياسة والدين، وبذلك اصطبغت فلسفة ديوى بطابع تطورى ، واتخذ من التغير سمة أساسية لجميع آرائه الفلسفية والأخلاقية ، فالفلسفة لم تعد تبحث عن الثابت اللامتغير بل تخضع للتغير؛ حيث يقول ديوى : ” إن التغير لا الثبات هو معيار حقيقة الوجود الآن، فالتغير موجود فى كل مكان ، والقوانين التى يعنى بها رجال العلم قوانين حركة وتوالد وتتال”.

وبناء على ما سبق ، نجد أن أفكار ديوي الذى تبناها  نتجت فى ضوء مؤثرات عدة أنتجتها ظروف حياتية وبيئية جديدة ، حيث أكد أن الفكر منتج ثقافى مفعم بروح التاريخ والبيئة ، ولا يتحرك فى إطارات المطلق الذى يعتقد أن الحقيقة قد اكتملت قسماتها ولا مجال لإضافة جديد، اعتماداً على أن التغير والتجديد علامة  نقص ، بما لا يتفق مع طبيعة المطلق الكامل.

ديوي وفلسفته التربوية (البراجماتية):

لم يكن ديوى براجماتياً منذ أول نشأته ، ولكنه  تأثر فىأولى مراحله بالفلسفة الهيجلية ، وذلك لأن جميع أساتذته المحيطين به كانوا يؤمنون بتلك الفلسفة وقتئذ وتأثر بهم، وبعد أن تغيرت ظروف بيئته وازدادت تنقلاته وتوسعت أفكاره بعد التعرف على انماط الحياة المختلفة والثقافات المتنوعة أصبح مؤمنا بالفلسفة البراجماتية، وبقي متخذا لنفسه الفكر البراجماتى طيلة حياته، ويعد أول من أدخل الفكر البراجماتي إلى الحقل التربوي وعمل جاهدا على نشره بشكل واسع. وقد كانت الأعوام العشرة ما بين  من 1894 إلى 1904 هي الأعوام التى شكلته من الوجهة الفلسفية تشكيلاً حاسماً؛ حيث كان في ذلك الوقت رئيساً لقسم الفلسفة فى جامعة شيكاغو، وقد أجرى تجربته فىالتربية على مدرسة ملحقة بالجامعة وعندما انتشرت على نطاق واسع نفض يديه من الفلسفة الهيجلية.

ولأن للبيئة تأثير كبير فى تشكيل فكر الإنسان وتحديد توجهاته ، وإن كان من الممكن أن يؤثر فيها بعد ذلك، فإن ذلك ينطبق على حياة ديوى؛ فلقد نشأ فى ولاية فيرمونت ، وهى منطقة ريفية هادئة يعيش أهلها على الزراعة ، بكل ما تقتضيه الزراعة من أخلاق المحافظة على القديم، وإيثار السلامة والأمن والدعة على المخاطرة ، ثم انتقل فى مرحلة شبابه إلى ما يُعرف فى الولايات المتحدة بالغرب الأوسط ، وهو إقليم نزح إليه المغامرون من شرقى الولايات المتحدة الذى كان أول ما عمره الوافدون من أوروبا ، حتى ازدحم . فلقد شهد ديوى فى الغرب الأوسط خلال الستة عشر عاماً التى أقامها هناك حياة اقتصادية تختلف اختلافاً بعيداً عن حياة موطنه الزراعى الذى نشأ فيه ، إذ رأى الثراء الطائل يجمعه صاحبه فى لمح البصر وقد يفقده بالطريقة نفسها ، رأى الناس تغلب عليهم المغامرة  والمخاطرة ، وأميل إلى العمل الجرئ الحر منهم إلى العمل المستقر الثابت الآمن ؛ لأن هذا الثبات وهذا الأمن والاستقرار يكلفهم الخضوع للسيطرة المستمرة للحكومة، ويكلفهم بالتالى الحد من أصالة التفكير وقدرة الابتكار. 

وقد كانت الحياة كما شهدها معرضة للمخاطر ، ولكن بلوغ النجاح كان كبير الاحتمال ، ولم يكن ” البحث عن اليقين ” أو ” طلب اليقين ” جزءاً من حياة الناس . ومن هنا انعكس الأمر على تفكير ديوى ، حين أخرج فيما بعد كتابه ” البحث عن اليقين” ليسخر من طلب اليقين فى حياة الفكر وحياة العمل على السواء؛ فكان سكان الغرب الأوسط جميعاً ممن نزحوا حديثاً  وقلما تجد العائلات المعمرة والأكثر ازدهاراً قد امتدت إقامتها هناك لأكثر من جيل أو جيلين انحدرا من الرواد الذين استقروا فى البلد ، دون أن يُبقوا على شئ من موقف أجدادهم من العرف الموروث ، فلم يعد أحد يهتم بعادات الماضى وثقافته ، واعتقد الجميع أن التقدم مؤكد وسيكون سريعاً، ذلك هو طراز القوم الذى جاء ديوى ليعلم أبناءهم ، فى تلك البيئة المفعمة بالحركية والبحث عن الجديد ، فأى شباب نتوقع له أن يتعلم ؟ شباب كالآباء يريدون العلم الذى يعين على العمل ، يريدون الفكر الذى يرسم طريق النجاح.

فما كان لفيلسوف حساس لما حوله ، إلا أن يأتى فكره متأثراً بهذا الجو الجديد، أن يأتى تفكيره ليوائم بين الفكر والعمل. فكان لابد له أن يتأثر بالواقع وقوته ، وأن تأتى فلسفته مرتبطة بهذا الواقع ، وأن يكون مقياس الصواب عنده هو النتائج. ( العاني،2003م, ص50)

إن كل شئ فى حياة الإنسان قابل للتغير، ولا مفر من تغييره إن دعت الضرورة لذلك ، فلا يجوز لشئ أن يقف حائلاً فى طريق الإصلاح الاجتماعى، وتوفير العيش الرغد للإنسان العامل. فلابد من تغيير قواعد الأخلاق ذاتها إن اقتضى الإصلاح هذا التغيير، وكذلك لابد من تغيير أسس السياسة والاقتصاد والتربية وكل ما يُظن به الدوام والثبات، فى سبيل تغيير الحياة تغييراً يجعلها أكثر ملاءمة لظروف العصر الجديد، من هذا المنطلق جاءت فلسفته لتأخذ بكل جديد ، وكل تغير يهدف إلى صالح الإنسان ، وجاءت لتعكس حياة المجتمع الأمريكى بكل آرائه وتقلباته ومناهجه ونظمه المختلفة.   

هكذا أثَّرت البيئة التى انتقل إليها ديوى فى تشكيل رؤيته الفلسفية ، مما يؤكد دينامية فكره وقابليته الاستجابيةكلما اقتضت ضرورة الإصلاح ذلك، فلم يكن دوجماتيا فىأفكاره أو فى نظرته للأمور، بل كان التغيير والبحث الدائب عن الجديد هو منهجه ، إذ أننا نجد أنفسنا بإزاء فيلسوف لا يعنيه أن يقدم حقائق بعينها بقدر ما يريد أن يقدم منهجاً صالحاً للتطبيق فى كل  موضوع ، ففلسفته فىحقيقتها منهج لا يدعى امتلاك الحقيقة ، لكنه يوجه الناس نحو الحياة الأفضل ،القابلة بدورها للتغيير والتجديد.

آراء ديوي التربوية :

في القرن العشرين انتشرت آراء الفيلسوف التربوي المشهور جون ديوي عن التربية التقدمية حيث كان أشار في كتابه “المدرسة و المجتمع” أنها هي التربية الوظيفية و أن الأهداف الحقيقية للتربية ينبغي أن تنشأ و تؤخذ من المشكلات التي تنطوي عليها مظاهر النشاط العادية، وهي سلوك فطري في الطبيعة  البشرية تتم بصورة لا شعورية من خلال المحاكاة والتقليد حيث يقوم الطفل بتقليد والديه دون قصد حتى يصبح هذا التقليد سلوكا دائما لدى الطفل، أو بصورة شعورية مقصودة وهادفة تبنى على أساس المعرفة بنفسية الطفل وحاجات المجتمع ومطالبه، كما أنها عملية مستمرة ومتطورة وليست مجرد إعداد لحياة مستقبلية، ولابد أن تكون حياة الجماعة المدرسية – من وجهة نظره – حياة حقيقية يتم فيها الحصول على الخبرة بشكل مباشر، وأن تتشابه في واقعها مع حياة الطفل في البيت وتتم وفق منهج محدد وتستخدم وسائل مناسبة وعادة ما يتم هذا النوع من التربية في المؤسسات التربوية كالمدرسة، كما وتتميز التربية عند ديوي باهتمامها بالطفل من النواحي الجسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية ككل.
يقول جون ديوي “الطفل لا يتعلم إلا إذا كان لديه سؤال و انهمك في البحث عن الوسائل التي تساعده في الاجابة على هذا السؤال

فالتربية الصحيحة كما يراها جون ديوي تقوم على اساس الاحتكاك المباشر بين الفرد و بيئته. و هذا الاحتكاك يؤدي على أن يواجه الانسان مشكلات تتطلب الحل. “

وكان يرى أن التربية هي نفسية واجتماعية معا؛ حيث إنها نفسية باعتمادها في مبادئها على فهم نفسية الطفل واستعداده، واجتماعية بتهيئتها للطفل ليكون عضواً صالحاً في المجتمع الذي يعيش فيه، وأن الهدف من التربية من وجهة نظره هو إكساب الفرد عادات ومهارات واتجاهات تناسب المجتمع الذي يعيش فيه من ناحية، والعمل على رفاهيته من ناحية أخرى، ومساعدته على الاستمرار في التعلم والنمو، وتربية ذاته، وتكيفه مع بيئته،  فالتربية الديوية  هي إعداد للحياة حيث قسم ديوي الحياة إلى ثلاث أقسام وهي: الحياة الدنيا والحياة البرزخية والحياة الآخرة، لذلك فإن التربية عند جون ديوي تتميز بشموليتها من حيث اهتمامها بالطفل من النواحي الجسمية و العقلية و الخلقية و الاجتماعية ككل، إلى جانب تركيزها على توفير كل الفرص الممكنة التي تشبع حاجات الطفل للنمو، و تمكنه من التعبير عن كيانه. (إبراهيموآخرون، 2002، ص:105)

إن التربية كما أكد ديوي تنطلق من الحياة الاجتماعية التي تمثل المجال الحيوي لعملها وكما أسلفنا فإنها تسعى إلى إعداد الفرد ليكون إنسانا اجتماعيا يتوافق مع مجتمعه ، ولأن التربية تتصف بالتجدد والتغيير، فإن على التربية أن تطور أساليبها لتواكب هذا التغير، ويرى ديوي أن التربية ليست إعدادا للحياة بل هي الحياة نفسها، فالإنسان يعيش الموقف التربوي كجزء مصغر من الحياة يكتسب فيه القيم ، وتصقل نفسه بالاتجاهات التي تجعله مقبولا في مجتمعه ، فالتربية يعيش خلالها الفرد في الوقت الحاضر ليصبح إنسانا صالحا لبيئته ومجتمعه، كما ركز ديوي على  المدرسة وطرائق التدريس والمعلم والمتعلم والمنهج الدراسي في فلسفته التربوية،  وفيما يلي سيتم عرض آراء ديوي حول كل منهما:

1- المدرسة:

وهي مؤسسة اجتماعیة وظیفتها توفیر بیئة تساعد الأطفال علي فهم الحیاة الاجتماعیة، وهي إحدى وسائل الإصلاح والتقدم الاجتماعي ، وهي مسئولة عن تحقیق الوحدة والتماسك والتفاھم من خلال كونها بوتقة تنصهر فيها الأفكار والعادات والتقاليد ضمن إطار واحد لذا فهي مسئولة عن توحید نفسیة الفرد حتى لا تتجاذبه طوائف الأمة وانقساماتها ، كما نادى جون ديوي بإتاحة التعلم للتلاميذ عن طريق العمل والخبرة المباشرة، وذكر ديوي أنه يجب على المدرسة أن تعكس مستوى التطور الاجتماعي، ومن أهم وظائف المدرسة كما يرى ديوي:

1- تبسيط وترتيب عناصر ميول الطفل التي يراد إنماؤه.

2- تطهير المتعلم من العادات الاجتماعية المذمومة وتهذيبه.

3- تحقيق الانفتاح المتوازن للناشئين كي يعيشوا في بيئة مصغرة فيها مشاركة وتآلف وتكاثف.

4- وضع المنهج الدراسي مع مراعات الفروق الفردية في التدريس.

 2- المعلم:

ويرى ديوي أن المعلم يعمل كفرد في جماعة حيث يساعد طلابه على اختيار الخبرات المثيرة لدوافعهم وإطلاق طاقاتهم وظهور قدراتهم وتنظيم استجاباتهم لتلك المثيرات والمؤثرات، وليس لفرض سلطته وآرائه عليهم أو لجعلهم يعتادون عادات معينة يريدها؛ فالمعلم بما له من خبرة أوسع ومعرفة أكبر وحكمة أنضج، يمكنه مساعدة الذين يقوم بتربيتهم وتعليمهم في كيفية فهم الحياة الاجتماعية من حولهم، والاستفادة من المعرفة والخبرات التي يحصلون عليها في تطوير أنفسهم وحل مشكلاتهم وتقدم مجتمعاتهم.( الخطيب،2009،ص:65).

3- المتعلم :

أما بالنسبة للمتعلم فقد رفض ديوي الأنظمة التقليدية التي  اعتبرها غير مجدية كونها تجعل المتعلم مجرد آلة يستقبل المعلومات، ويحفظها دون أن يكون له أي نشاط أو فاعلية، ونادى ديوي بدلا من ذلك  بضرورة مرور الطالب بالخبرة وممارسته لما يتعلمه  ودعا إلى التعلم بطريقة المشروع التي تجمع بين النشاط البدني والعقلي والاجتماعي للطالب وتساعده على التعلم بشكل أفضل مع بقاء أثر التعلم، وفيها يعتمد الطالب على نفسه، يتعاون مع غيره، يستكشف ويبتكر، وينظر ديوي للمتعلم على أنه محور العملية التعليمية، حيث أكد على أهمية وضع المناهج الدراسية واختيار الوسائل التعليمية التي تناسبه، ويرى ديوي أن طريقة التعامل مع محتويات المنهج أكثر أهمية من محتويات المنهج نفسه؛ لذلك نادى بضرورة اختيار المدرسين لطرائق التدريس التي تتلاءم مع درسه، ومستوى تلاميذه, وظروفهم النفسية  بدلا من التقيد بطريقة تدريس محددة، كما دعا إلى ضرورة الالتزام بمبدأ مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين وتفهم ميولهم ودوافعهم الطبيعية واستثمارها بشكل جيد في العملية التربوية، ولابد للمعلم أن يعمل على تنظيم وتوجيه هذه الميول والدوافع وفق خطة مدروسة لتحقيق الأهداف التربوية المرجوة. وبذلك يكون ديوي قد أكد على إيجابية المتعلم  ودوره الفاعل في العملية التعليمية. ويرى ديوي أن التعليم يصبح أكثر فعالية عن طريق العمل والتطبيق والممارسة؛ لذلك فقد أطلق على المدرسة مصطلح مدرسة النشاط، حيث تتطلب  النشاط من  جانب المتعلم في ممارسة ما يتعلمه و تطبيقه عمليا، و يسمي هذا الأسلوب منهج الخبرة.  

4-طرائق التدريس:-

نادى جون ديوي بضروة التعلم عن طريق مرور المتعلم بالخبرة المباشرة وتطبيقه لما  يتعلمه، ومن أهم طرائق التدريس التي دعا إليها ديوي التعلم بطريقة المشروع والتعلم بطريقة حل المشكلات، وفيما يلي توضيح لتلك الطريقتين.

1- طريقة التعلم بالمشروع:

وفيما يتعلق بطريقة المشروع فقد وردت بعض التفاصيل من المفكر التربوي كلباترك تلميذ جون ديوي، إذ ذكر أنها تمر بأربعة مراحل وهي: وجود الغرض و رسم الخطة وتنفيذ الخطة وتقويم الخطة.(الحصري والعنزي،2000، ص:194)

ومن الأمثلة الحية على توظيف طريق المشروع في العملية التعليمية  أن يقوم الطلاب باختيار أحد الموضوعات الدراسية ودراسته من عدة جوانب، فدرس الزراعة مثلا، أن يقوم المتعلمون بتطبيقه بأنفسهم كأن يذهبوا إلى مزرعة وفيها يمارسون الزراعة ويتعلمون كيف يزرعون النباتات المختلفة في بيئة حقيقية ويستمعون إلى تاريخ الزراعة في تلك البيئة ويتعاون كل طالب منهم بتنفيذ جزء من المشروع، وأثناء القيام بتنفيذ المشروع يجمع الطالب البيانات المطلوبة من المكتبة أو مقابلة المعلمين.

ومن أهم مميزات طريقة المشروع كنشاط شامل أنها تشبع حاجات المتعلمين النفسية لأنها تراعي الفروق الفردية بينهم وتشجعهم على التعاون فيما بينهم، واهتمامها بوضع ميول التلاميذ ونشاطهم في المرتبة الأولى، ووضع المعلومات والحقائق في المرتبة الثانية والنظر إليها على أنها وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، كما وتدفع الطلاب إلى التعلم الجماعي، إضافة إلى التحرر من قيود الكتاب المدرسي.

2- طريقة حل المشكلات:

أما طريقة حل المشكلات فتعد من الطرق التي أوصي (ديوي) المدارس باتباعها في التدريس لبناء خبرات التلاميذ بشكل منظم، وتتكون طريقة حل المشكلات من خمس خطوات تبدأ بالشعور بالمشكلة ثم تحديد المشكلة تحديدا دقيقا عن طريق الملاحظة والمشاهدة، ومن ثم  وضع الفروض والبدائل، يلي ذلك اختبار الفروض واختيار الانسب من بينها ، وتأتي تطبيق الحلول كخطوة أخيرة، وجاء ذلك من إيمان ديوي بأهمية البحث والاستقصاء وأن أفضل طريقة للبحث هي المنهجية العلمية، ويستلزم ذلك  أن تتحول المدرسة  إلى مؤسسة تعزز التعلم لدى التلاميذ بالبحث والاستقصاء بأنفسهم  دون أن يقبلوا نتائج أبحاث الغير، وتقوم طريقة حل المشكلات على المبدأ القائل أن التعلم الجيد يقوم على وجود مشكلة تهم المتعلمين وتتصل بحياتهم وحاجاتهم؛ فتحفزهم إلى القيام بنشاط بغية الوصول إلى حل لهذه المشكلة، وقد يكون هذا النشاط عشوائياً، وقد يكون قائماً على التوجيه وهو نشاط عقلي منظم يسير وفق الخطوات الخمس التي ذكرها ديوي في مقاله: كيف نفكر وكيف نحل. ولم يشجع ديوي على أسلوب المحاضرة في التدريس؛ إذ يرى أنه من الأساليب القاصرة في التعليم ومنافعها محدودة لأنها لا تتيح الفرصة للمتعلم ليستكشف الواقع، ويجمع المعلومات، ويقيس الأمور، ويبحث عن الحلول. لذلك فإن أسلوب حل المشكلات القائم على حرية المتعلم أكثر إيجابية وأفضل من الدروس التقليدية القائمة على أسلوب المحاضرة والتلقين. وهكذا فإن جون ديوي ركز على أن يكون الطالب إيجابيا ينجذب إلى المعلومات التي يكتشفها بنفسه بدلا من أن يكون سلبيا تأتي إليه المعلومات في الفصل دون أن ينجذب إليها.

5- المنهج الدراسي:

أما بالنسبة للمنهج فينتقد ديوي المفهوم التقليدي بشدة لأنه يقوم على تقسيم المنهج إلى مواد منفصلة مرتبة ترتيباً منطقياً دون الأخذ بالحسبان المستوى العقلي والعمري للمتعلمين، حيث يرى أن المتعلم ونشاطاته الذاتية وخبراته هو محور ومركز العملية التعليمية  وليس المواد الدراسية المنفصلة المستقلة  وأن المتبعة في تنظيم خبرات المنهج وتدريسها هي طريقة المشروع والتي توجه التلميذ نحو اكتساب الكثير من الحقائق والخبرات والمهارات، ويرى ديوي أنه لابد من تضافر الجهود وتعاون التربويين والخبراء في وضع المناهج الدراسية بحيث تكون مرنة و هادفة و قابلةً للتغيير والتطوير وليس مجرد تنظيم معرفي جامد، وأن تساعد على تزويد الطلاب بأكبر عدد ممكن من البدائل لحل المشاكل التي قد يمرون بها في الحياة.

فيديو مقال المفكر والفيلسوف جون ديوي: رائد البراجماتية في التربية

أضف تعليقك هنا