صراع الإرادات والوطن الغائب

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية بمسؤوليتها المباشرة عن قصف لألوية في الحشد الشعبي العراقي تحديداً لكتائب حزب الله لأول مرة منذ بدء عمليات التحالف الدولي ضد داعش؛ رداً منهم على مزاعم استهداف هذا الفصيل لقاعدة K1 التي يتمركز فيها الجنود الأميركان دون أن تقدم الإدارة الأميركيه أدلة واضحة تدعم مزاعمها أو حتى توجيه اتهامات محددة للفصيل المقصود، لكنها نفذت ضربات نوعية كان ضحيتها عشرات من الشهداء في ظل تصاعد حدة التوتر الأميركي الإيراني الذي يتخذ من العراق ساحة للصراع من أجل النفوذ والسيطرة على مقدرات البلد والمنطقه برمتها.

 الأجندات الأمريكية الإيرانية و أثرها على الحراك الشعبي

العراق الذي يعيش في ظروف حرجة وصعبة للغاية من تاريخه حيث المطالب الشعبية والمرجعية المنادية بالإصلاح الشامل لجذور العملية السياسية هذه التظاهرات التي خرجت بشكل عفوي تعبر عن نقمة الشارع على الأداء الحكومي والسياسي؛ بشكل عام لم تُترك وشأنها بل زادت من حدة الصراع الأميركي الإيراني إلى أبعد حد ممكن حيث تحاول المؤسسات الأميركية استغلال الغضب والنقمة من أداء أحزاب تقاسم السلطة والنفوذ القريبة من إيران أو المرتبطة بها لتوجيه زخم التظاهرات في هذا الجانب، متغافلةً عن المطالب الإصلاحية والخدمية الأخرى في المقابل وجدت إيران أن تظاهرات تشرين هي تهديد واضح لحلفائها ومصالحها في العراق المكتسبه بعد ٢٠٠٣ فعملت على إضعاف دور التظاهرات بواسطة أجهزتها الإعلامية أو من خلال تصريحات عدد من مسؤوليها، عُدَّ بعضها تدخلاً في الشأن العراقي حتى من قبل مرجعية النجف.

لا يتوقف صراع النفوذ عند هذه الجزئيات فهو يمتد إلى مدىً بعيد حيث يسخِّر طرفا الصراع كل أدوات صناعة الرأي العام من الفيسبوك والمحطات الفضائيه والكتاب والمدونين والشخصيات العامة المؤثرة في الرأي العام العراقي، لخدمة أجنداتهما المتحاربة مستغلةً تدني مستوى الوعي والثقافة لدى الطبقة المتوسطة العامة التي تشكل الأغلبية وسط غياب دور النخبة الوطنية العراقية أو ضعفها على أقل تقدير.

انتشار ثقافة التخوين بين الأطراف

وسط هذه الفوضى يقف العراقي حائراً بين مطالب الإصلاح الملحَّة وبين صراع النفوذ المتأجِّج، حيث يصعب صياغة خطاب وطني خالص أو اتخاذ موقف بهذا الصدد لأن ساحة الوطن تبدو الأضعف برغم التظاهرات التي حققت نقلة نوعية على مستوى التعاطي السياسي والحزبي مع شعاراتها، ولكنها كانت ضحية للخطف أو التوجيه السياسي الحزبي لجهات تحاول الإستفادة حزبياً من زخم المظاهرات لإقصاء غريم سياسي أو إبعاده عن القرار.

هذا التدافع الداخلي لا يخرج هو الآخر عن صراع النفوذ الخارجي بل هو جزء منه، ولكن الخطر يكمن في إفرازات هذا الواقع المجتمعي للثقافه والوعي العراقي الذي يُسجل له أنه يقظة لشباب لم يتأدلجوا بالأفكار الحزبية أو الدينية العابرة لينادوا بدولة وطنية، ولكنه في ذات الوقت عكس مستوى من الهبوط القيمي والأخلاقي والوطني ؛حيت الإتهام بالتخوين والتبعيه أو “الذيلية” أو “أبناء السفارات ” كل هذه المصطلحات التخوينية يتبادلها عدد ليس قليل من الناشطين أو المدونين عبر الفيسبوك وغيره.

ثقافة التخوين ليست غريبه على الواقع السياسي العراقي فهي مرتبطة بتاريخ النظم السياسية العراقية عموماً وفترة جمهورية البعث خاصة فقد استخدم نظام البعث صفه “التبعية” لترحيل عدد كبير من أبناء القومية الفيلية بحجة أصولهم الإيرانية، من المؤكد أن الساحة العراقية لا تخلو من أذرع مرتبطة بمحوري الصراع تنفذ إملاءاتها ولكن ليس من الصحيح إشاعة هذه التهم والتهم المقابلة وتعميمها، كذلك لا أعتقد أن من الصحيح إسباغ هذه الصفات على الأطراف العراقية الداخلية التي تمتلك جمهوراً لأنها تشكل خطراً على السلم الأهلي ولأن الصراع معقد متغلغل في الثقافة والتاريخ وله أبعاد دينيه يعتقد بها مريدوه.

ارتباط العراق بكل من أمريكا و العراق

ولأننا كعراقيين لا يمكن لنا في اي حال من الأحوال التخلي عن أميركا الدوله العظمى أو عن إيران التي نشترك معها بآلاف الكيلومترات من الحدود؛ الإشكال هو في صياغة خطاب وطني عراقي يتخذ من المصلحة العراقية نقطة انطلاقه ويستطيع التعامل مع المصالح الأميركيه الإيرانيه بروح عراقية، لا تستفز الطرفين ولا تنبطح لها هذه الرؤية التي فشلت الحكومات والأحزاب المتعاقبه بالسلطة بتكوينها هذه الإستراتيجية.

هل يمكن صياغة خطاب وطني عراقي يجمع كافة أطياف الشعب؟

فشلت حتى النخب الثقافية والفكرية العراقية أن تصوغ منها خطاباً موحداً اليوم بسبب تأثر هذه النخب بصراع الإرادات، مالم نصل إلى مرحلة الوعي الذي يمكننا من رؤية هذه الحقائق، فلا مستقبل وطني أمامنا وسنبقى نقدم القرابين والضحايا ونخون أنفسنا إلى حد الإختلاف بوجهات النظر حول أبناء الجلدة والوطن الذين تقتلهم طائرات أميركية دون مسوِّغ قانوني أو شرعي أو حتى إنساني؛ لأن القصف الأميركي لم يستند إلى أي ماده قانونية حتى مواد الإتفاقية العراقية الأميركية لم تُتَح إلى الجانب الأميركي قتل جنود عراقيين وإن كانوا متهمين بالإرتباط مع إيران.

فيديو مقال صراع الإرادات والوطن الغائب

أضف تعليقك هنا