الرئيسية / أدب / قصة / صرت ضحية لأذكى نصابين

صرت ضحية لأذكى نصابين

بقلم: صديق شريف

قصة نصب واحتيال

ما القصة التي جاء بها الرجل الصومالي للبدء بعملية النصب؟

كنت أباشر عملي الروتيني كموزّع بضائع عندما جاءني اتصال من رجل صومالي (نصّاب)، فأخبرني أنه يبحث عن شقة لامرأة لاجئة سودانية ثرية تتاجر بالذهب بعد ما اضطرتها الحرب في جنوب السودان للجوء إلى كنيا.

وبعد شرح طويل لكيفية حصوله على رقمي التي لم أشكّ فيها رغم عدم وضوحها لي جيدا، عرض عليّ مكافئة مالية أغرتني مقابل أن آتي بسكن جميل (شقة فارهة للبيع) وسط حيّ تجاري (اسلي) تحديدا، فوافقت بدون مقدمات، وطلب مني أن أقابله فوافقت، واتصلت بزميلي (سدي) ليرافقني تحسبا لأي ضرر قد يحصل.

سير أحداث عملية النصب

وبعد قليل تقابلنا عند أحد المساجد وكان مع الرجل في السيارة امرأة شكلها سودانية (نصّابة)، كانت لابسة لباس فاخر، وقد وصل الذهب المتدلي من عنقها إلى الصدر، وسواق كنيي يبدو أنه متواطئ معهم في العملية، وأخذنا إلى مطعم قريب من المكان.

بعد التعارف والضحكات هنا وهناك، مع سكوت شبه كامل للمرأة مدّعية أنها مريضة، بدأ يشرح لي قصده وراء الاتصال أنه لا يريد إلا الشقة، ومركز لرعاية الأيتام لهذه المرأة، ولما أردنا أن ننصرف (هنا سقطنا في الشبكة)، قال لنا أنه يريد أن يبيع بعض الأحجار الكريمة مع المرأة؛ لتصرفها في تكاليف الفندق والمستشفى، وطلب منا أن نبقى عندهم لنترجم لهم عندما يبيعون الأحجار لهذا الزبون الكيني (نصّاب آخر) قائلا أن المرأة تريد أن تبيع بخمسين ألف دولار أمريكي، وطلب مني أن أبيع بثمانين ألف دولار، مؤكدا لنا أننا سنأخذ عشرين ألفا، وهو سيأخذ عشرة الآف والخمسين للمرأة، فوصل الزبون، وسلّموني الأحجار لأتعامل مع الرجل، والعجيب أن الزبون (النصّاب الكنيي) جاء بسيارة سوداء فارهة، دخلنا السيارة، بدأ يتساوم وأنا أرفض وأرفع السعر وهو ينزل.

وبعد الاتفاق  على سعر فاجأني بأن عنده الآن فقط نصف المبلغ تقريبا مدّعيا أنه اشترى ذهبا كثيرا اليوم ونفذ ما عنده من المال، وأراني ٢٠ ألف دولار أمريكي، وفعلا صدقّت ما رأيت (مسكين أنا والله كانت مزوّرة)، فقال: هات الذهب، وخذ العشرين، وسأكمّل الباقي غدا، أو نلغي الصفقة، ونتقابل غدا من جديد، فضّلت الخيار الأول؛ لأني ما كنت متأكدا أن ستتمّ دعوتنا إلى الترجمة غدا، قفز الرجل (النصّاب اللي كان مع المرأة)، ورفض، واحمّر وجهه، وتغاضب، وجعل يتهمني بالتواطؤ واستغلاله في هذا الظرف الصعب، فاعتذرت، وألغينا الصفقة.

وفي أثناء رجوعنا إلى الحيّ (اسلي) شعر أنه في أنسب وقت لتجربة مدى تأثرنا بعملية التسميم التي هي عبارة عن مواقف جديّة شاهدناها بأم أعيننا (امرأة مريضة غنية، سيارة عادية، سيارة فارهة، أحجار كريمة، زبون جادّ عنده دولارات أمريكية، وتواعد على إبرام الصفقة غدا من جديد)، فطلب منا أن نسلفه ٥٠ دولار لعلاج المرأة ليقضي لنا غدا فوافقنا على الطول بدون تردد، وعلى حياء من قلة طلبهم، فذهب هو والمرأة بالأحجار الكريمة إلى حيّ فاخر بعيد عن اسلي وبقينا نحن في اسلي.

وفي الصباح الباكر لليوم التالي تقابلنا (وتخيّل كم نحن فرحين ظنا منا أنه من المستحيل أن تفشل الصفقة في هذه المرة) جاء الزبون الكيني ومعه رجل لابس لباس رجل الدين (نصّاب آخر)، تصافحنا، ودخلنا السيارة (تذكر أن النصاب الأول والمرأة لس بعد ما جاءو) فقال النصّاب الجديد معّرفا نفسه: أنا مدير هذه الشركة (الشركة كان يمثّلها الزبون الكيني)، وبعد التعارف أخبرنا أن معه الثمانين ألف دولار ليدفع لنا، ويتسلم منا الأحجار، عندها اتصلنا بالرجل ليأتي بالأحجار، لكنه أخبرنا أن المرأة مرضت البارحة وأخذها إلى المستشفى، وباتت هناك، وما زالت فيه حتى اللحظة، وطلب أن نأتي المستشفى وننهي الصفقة بحضور المرأة، ولا خيار أمامنا إلا الموافقة وإلا نخسر مالنا (٥٠ دولار).

اتجهنا نحو المستشفى وقابلنا المرأة ومعها امرأة، قالوا إنها أختها، جاءت من السودان أمس (نصّابة)، وبعد التعارف على أختها أخبرونا أن الأخت تملك نصف الأحجار، ورفضت أن تباع الأحجار حتى تستلم خمسة عشر ألف دولار رهنا لضمان رأس مالها -على أساس أنها لا تعرف الجميع ولا تفهم اللغة- فهزّ الجميع الرأس بنعم، إلا أنا، والعجيب في الأمر أن زميلي عاتبني أمامهم حين طالبتهم بمالنا، وصارحتهم بأننا غير راغبين في هذه الصفقة العقيمة، والجميع صاروا ضدي فسكتّ.

فبدأ الرجل (زميل المرأة المريضة) يطلب من كل شخص مبلغا للرهن ليتمّ ردّه لاحقا بعد إبرام الصفقة، فدفع أحدهم عشرة آلاف دولار، وآخر ثلاثة آلاف دولار، وزميلي وعد بألف دولار، واعتذرت أنا.

فأخذوا زميلي بسيارة إلى حيث قال أنه سيجد منه المال، ولكن الله قدر أن يتأخر عليه الشخص الذي وعده المال فذهب الى امرأة فاستدان منها مائة دولار، وسلمّها للرجل على الطول، حتى إذا شعر أن زميلي ليس عنده مال فقط يستدين ويضيّع الوقت، وممكن يتعرض للخطر؛ نتيجة اتصالاتي المتتالية لزميلي لأخبر أن لا يعطي شيئا وزميلي لا يردّ اتصالي، وما زال واثقا في القضية حتى فارقه الرجل بدون أن يشعر، وقفل التليفون، وراح، وأنا بسيارة أخرى مع أصحاب الشركة (الفريق الثاني الزبائن)، فعندما وصلنا اسلي قالوا لي: انزل، هنا قلت: لا، قالوا: إيش قصدك؟ إحنا جئنا نشتري منكم وما وجدنا شيئا، إذا نحن ننصرف إلى البيوت، وكلمّوا المرأة وتتفاهموا أنتم مع البعض.

ونزلت وأنا في حيرة وكأني أمثّل فيلم وليس أمر حقيقي.

بقلم: صديق شريف

 

أضف تعليقك هنا