أسس تربوية وأخلاقية في إصلاح الفرد والمجتمع

بقلم: صلاح الدين المساوي

(يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه أحمد والترمذي والحاكم.
كان هذا  أول خطاب افتتح به النبي صلى الله عليه وسلم دخوله المدينة ليبسط من خلاله قواعد الاسلام المجتمعي وفق منهج الرفق والرحمة موجها النداء للناس عموما ليشعرهم بأنهم كلهم إخوة “أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة… ” الحديث.

بهذا الخطاب النبوي( الإنساني) أبهر نبي الرحمة العالم بأنه ليس فقط جاء ليدعو الناس إلى التوحيد والقيام بالشعائر الدينية وإنما هو أيضا حامل هم الانسان وعلاقته بأخيه الانسان في هذه الحياة الدنيا ليعيش فيها سالما مطمئنا؛ لأجل ذلك إقتضت الحكمة العقلية والرحمة القلبية  أن يستهل خطابه الدعوي بوصايا ذهبية لصلاح الفرد والمجتمع المختصرة في كلمات: “إفشاء السلام” “إطعام الطعام” صلة الأرحام””صلاة الليل”.

دلالات إفشاء السلام

ليس المقصود من ذلك إلقاء التحية باللسان وانتهى الأمر؛ بل الغاية من إفشاء السلام أن يصبح الانسان يعيش معاني السلم والتسامح والود والوئام في العالم بأسره مهما كان لونه و جنسه ودينه حتى  يسهل بناء جسر التواصل والتحاب بين العباد ولأجل هذا شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم على افشاء السلام وجعله سبيلا للمحبة التي يتحقق بها الإيمان فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ ” رواه مسلم.

مع إفشاء السلام تذوب النعرات القبلية من الإستعلاء والكيد والمكر والخديعة، كما تقل أيضا الأمراض النفسية والقلبية كالحقد والبغض والكراهية… ف” لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا؛ وخيرهما الذي يبدأ بالسلام؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ومن دلالات إفشاء السلام بناء الثقة بين أفراد المجتمع التي تعد من أهم ركائز السلم والاستقرار.
وماأحوج العالم اليوم الذي يعج بالحروب والفتن إلى نشر فلسفة السلام قولا وصدقا.
وماأحوج الإنسان المعذب في الأرض إلى يد حانية تنقذه من أمواج عاتية إلى شاطئ الأمان.

إطعام الطعام وبذل الخير

إنه لامعنى لنشر المحبة والسلام بين الناس دون “الإطعام” بمعناه الواسع لبذل الخير والإحسان والإنفاق على الفقير وذوي الحاجة لغرض التكافل والتضامن الذي يضمن الاستقرار النفسي والمجتمعي.

ولأجل هذا فرضت “الزكاة” لتحمي روح الأخوة من الضياع والهلاك والحد من الفوارق الطبقية حيث الغنى الفاحش والفقر المذقع! . وقد أولى الشرع لهذا المبدإ الأصيل اهتماما بالغا  إذ لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟
قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرَفت ومَن لم تعرف)؛ أخرجه البخاري  ومسلم.

كما أن إطعام الطعام هو برهان صدق لمن أراد أن يقتحم عقبة النفس من الشح والبخل إلى حب الخير للناس أجمعين قال تعالى”فلا اقتحم العقبة وماأدراك  ماالعقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة” سورة البلد/11
“وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا” سورة الإنسان / 8.

صلة الأرحام

وبها يشع نور الأخوة والمحبة على المجتمع فيصبح كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وهذا ما يعبر عنه “بالتماسك الإجتماعي” فلا مجال للعدو لبث روح التفرقة وإشعال فتيل الشك والريبة بين الناس فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. وقد عد القرآن قطع الرحم من الإفساد في الأرض “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم” [محمد: 22-23].
فإذا قطعت الرحم صار الناس أعداء وسفكت الدماء بغير حق وملئت الأرض جورا وفسادا.

الصلاة

وهنا ملاحظة دقيقة جدا؛ لماذا قدم الرسول الحديث عن الأعمال الجماعية وختم بالعمل الفردي؟ لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يلفت أنظار الناس إلى أن الصلاة هو شأن خاص وسر بين العبد وربه وبها يفتح الله على من يشاء من عباده ليدخله في حضرته الإلهية ويذيقه لذة المعرفة والقرب منه سبحانه وتعالى.

ثم إن ختمه بالصلاة هي إشارة منه عليه الصلاة والسلام أن ختم الشيئ لايكون إلا بأحسنه  فالصلاة هي الصلة بين العبد وربه وبها تتحقق سعادة الفرد في الدنيا والآخرة.

كما أن الصلاة  لكونها تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا أقامها الناس وصارت سلوكا ومنهجا للحياة تصبح هي “الضمان” لرعاية سلوك الفرد من التيه والعبث، وبالتالي يصبح المجتمع مصونا من هتك الأعراض والإفساد في الأرض، ومهيئا لتفعيل مبدأ التعاون  و التضامن  الذي يعتبر  هو سر الوجود والغاية من خلق الانسان واختلاف جنسه  “ياأيها الناس إناخلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” الحجرات/13 أي لتعاونوا .

بهذه الخصائص المعنوية والحسية استطاع محمد صلى الله عليه وسلم بناء” مجتمع إنساني  فريد ” إستحق الخيرية بين الأمم بشهادة رب العالمين” كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله” آل عمران/110
وبهذه المعاني الجليلة  تستطيع الأمة  أن تعيد مجدها وتنشر الخير بين الناس ودونها يبقى مطلب السعادة والخلاص ضرب من السراب والخيال. ومما يؤكد ذلك ماختم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه”… تدخلو الجنة بسلام”؛ وإن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة كما ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية رحم الله، بمعنى آخر من عاش من أجل أخيه الانسان خدمة له ورحمة به وتضامنا معه ودفاعا عنه عاش في سلام وبعث في سلام.

بقلم: صلاح الدين المساوي

أضف تعليقك هنا