أداء الباتشينو المفعَمٌ بالسحر

في معاجم لغة الضاض جاءت كلمة السحر من المصدر الماضي سَحَرَ احتوى هذا المصدر علي العديد من المفاهيم الضمنية التي لاتخلو من طايع بلاغي مثل سحر:- أي جَعَل فلانًا تحت سَيْطرته، أو أحْدث فيه تأثيرًا قَويًّا يشبه السِّحْر. أو جَذَب إليه بِقُوّة النَّظَر.أو حتي أَسَر وامْتلَك بجماله وروعته.

الأسطورة الإيطالية “الباتشينو”

لن نبالغ كثيرا ان اخضعنا أي من المعايير البلاغية سالفة الذكر في وصف الاداء السينمائي المتميز للاسطورة الايطالية “الباتشينو” هذا الذي اثري سينما الغرب بروائع خالدة سيتذكرها التاريخ ويتحاكي بها الاحفاد ارتأينا اليوم الا نبخسه حقه ولو في بضعة اسطر مستعيدين معا نشأته المبكرة واثرها في ولعه بفن التمثيل بالإضافة لتحليلا تفصيليا لأدائه التمثيلي في باقة من أروع مشاهده الخالدة .

حياته المبكرة 

أبصرت عينيه النور للمرة الاولي في الخامس والعشرين من أبريل نيسان لعام 1940 لأبوين أمريكيين من أصول أيطالية لم تسر حياته العائلية علي اكمل وجه فسرعان من انفصل والده عن والدته فعاش وحيدا مع والدته في بيت جدته كان ال هو طريق والدته للخروج من عزلتها وكثيرا ما كانت وجهتهم هي دور العرض السينمائية التي كانت نبض الحياة لكليهم عند انتهاء العرض و عودته الي المنزل.

كان يقف أمام والدته ويقوم بتأدية بعض المشاهد

كان يقف امام والدته ويقوم بتأدية اداء حركيا وتمثيليا لبعض المشاهد التي تركت اثرا به من هنا كنت اولي بذور حبه لفن التمثيل والتي اثقلها بدراسته في المدرسة الثانوية المسرحية الي ان تركها في عمر السابعة عشر فقط حينها تردد علي بعض الوظائف المؤقتة تمهيدا لتحقيق احلامه  بعد بداية متعثرة وبالفعل عاد الباتشينو لدرسه فن التمثيل في استوديو هربرت بريغوف اظهر حينها موهبة فزة رغم اتصافه بالخجل الشديد وشرع في الحصول علي ادوار فعليه مثل دوره في مسرحية “hello out there” للمخرج “وليام سارويان” الي ان جاء عام ستة وستين حينها قبل في استوديو الممثلين وتولي تدريبه حينها المدرب الشهير “لي ستراسبيرغ “حصل بعدها علي دوره في فيلم  “the panic in needle” الذي لفت اليه انظار الكثيرين من رواد الصناعة.

تطور موهبته وقيامه بأدوار فعلية

ونخص بالذكر “فرانسيس فورد كوبولاط مخرج الثلاثية الافضل في التاريخ لرائعة ماريو بوزو “الاب الروحي” والذي اختاره للعب دور البطولة رغم ترشيح شركة الانتاج لكلا من “جاك نيكلسون” و “روبرت ريدفورد “اصر” كوبولا” علي اختياره لذلك الشاب المغمور ان ذاك فأحتدم الخلاف بينه وبين الشركة المنتجة ووصل الامر بينهم الي تهديد الشركة المنتجة بسحب الفيلم وبعد سجالا طويل استطاع كوبولا ان يفرض وجه نظره لايمانه بذلك الشاب الموهوب تم التصوير وبدأ العرض ولم يخب الباتشينو الظن فحقق اول ترشيح للاوسكار وفاق نجاحه كل التوقعات ومن ثم توالات الادوار ..

مسيرته الفنية 

فرض ال نفسه سنمائيا بنجاحه الباهر في الجزء الاول من “الاب الروحي” واستطاع ان يحجز لنفسه مكانة سينمائية خلال سبعينيات القرن الماضي من خلال مشاركته في فيلم “scarecrow” والذي حاز علي ترشيحا للاوسكار تلاه فيلمه الرائع  “serpico” والذي يحكي عن شرطي يصطدم بدوائر الفساد داخل شرطة نيويورك وقد حاز علي اشادات نقدية واسعة عن ادائه لهذا الدور.
لم يغيب الباتشينو كثيرا فعاد في نفس العام ليتحفنا بالجزء الثاني من ثلاثية العراب بمشاركة عظيمة لرفيق الدرب وصديق العمر ومنافس اليوم والغد “روبرت دينيرو” وكما هو المتوقع وكالعادة جائزة الاوسكار لافضل فيلم بعد ذلك عاد البا ليلعب الدور لرئيسي في فيلم “Bobby Deerfield”والذي لم يلقي حينها النجاح المتوقع لم ييأس فعاد بعدها بفيلمه الرائع “And Justice for All” والذي اكسبه مره اخر ترشيح للاوسكار.

أداءه في دَور تاجر المخدرات

ومع بداية عقد الثمانينيات وصف  اداء “البا “بالعادي في افلام كا “Author”! و “Cruising” لكن الذي لالبث فيه انه  وفي اداءه لدور تاجر المخدرات السيكوبات توني مونتانا في فيلمه الشهير “scarface” لم يكن عاديا البته فقد استطاع هذا الفيلم ان يخترق حواجز اللغة والثفافة وان يظل خالدا الي يومنا هذا رغم مهجمته  من قبل النقاد نظرا لمشاهد العنف المبالغ فيها ان ذاك والتي ابعدته عن دائرة الترشيحات في اواخر هذا العقد عاد “البا” للتوهج مره اخري من خلال اداءه لدور الشرطي في فيلم” Sea of Love”والذي حرفيا اعاد ليه نجوميته.

استمر بعدها في أداء العديد من الأدوار الناجحة

واستمر بعدها في اداء العديد من الادوار الناجحة بنفس الوتيرة “كتتمة الاب الروحي” وفيلم “Dick Tracy” والذي اعاده لترشيحات الاوسكار مرة اخري ثم “Frankie and Johnny” فا “Carlito’s Way” الي ان جاء عام 1993 وكان موعده التاريخي الاول والاخير مع جائزة الاوسكار لافضل ممثل دور رئيسي عن فيلم “scent of a woman” فيلم يتحدث عن كولونيل متقاعد اعمى، انتهى به المطاف الى حقيقة ان الحياة لا يستحق البقاء وذلك بعد ان خرج من الحرب بالعمى،الا انه يريد ان يعيش اللحظات المتبقية، حينما يطلب من مكتب التشغيل الاستعانة بطالب جامعي يساعده على قضاء بعض احتياجاته، ومنها التنقل، بينما يمر الطالب بازمة مع جامعته، حيث المواجهة، فاما ان يوشي بصديقه، او يواجهه الطرد هنا يتدخل ال ويقلب الدفة فيلم عبقري في ادق تفاصيله ولن تمل عيناك من مشاهدة اي مشهدا فيه.

استطاع أن يتعاون مع أحد عباقرة الفن السابع المخرج المبدع “كريستوفر نولان “

استمرت مسيرة ال الناجحة حتي نهاية التسعينات باداء عظيم ومع روبرت دينيرو مرة اخري في فيلم heat لمايكل مان والذي استطع ان يخرج من دينيرو وباتشينوا المشهد الافضل في التاريخ السينمائي حتي الان استمرت الوتيرة الناجحة  بفيلمه الخارق “The Devil’s Advocate” ومع بداية القرن ال 21 بالتحديد عام 2002 استطاع ان يتعاون مع احد عباقرة الفن السابع المخرج المبدع “كريستوفر نولان “في فيلمه “insomnia” ظل “الباتشينو “ناشطا خلال تلك الحقبة من خلال اداءه لبعض الادوار مثل “The Merchant of Venice “عن مسرحية الاديب الانجليزي وليام شكسبير والذي لم يخفي ال ولعه به حيما شارك في كتابة وبطولة هذا الفيلم.
شارك كذلك في عام 2007 في سلسلة “Ocean’s” والذي كان احد اهم عوامل نجاحها بعد ذلك تنوع ظهوره من خلال اداء بعض الادوار الشرفية مثل دوره في  ” jack and jill” ودوره في” once upon a time in hollywood” ” رغم قلة ظهوره ومشاراكته المحدودة خلال العشرية الثانية ال انه عاد مرة اخري مع المبدع “مارتن سكورسيزي “ورفيق الدرب “روبرت دينيرو” والعائد من الاعتزال “جو بيشي” في تحفة فنية اخري تعود بنا لزمن منصرم من عالم المافيا وهي فيلم “الايرلندي” والذي يعرض حصريا علي عملاق البث الرقمي نت فليكس ويحرز مراكز متقدمة كالعادة في ترشيحات الاوسكار.

سمات شخصيته وأدائه المميز 

يدين فن التمثيل بالفضل الكبير لهذا الممثل الاسطوري الذي اتسم بالعديد من السمات النادرة التي قلما تجتمع في ممثل واحد والتي جعلته واحدا من اعظم من التقطتتهم كاميرات هوليود فما ان تقع عيناك علي مشهدا اي مشهد يؤديه بعفوية وصدقا منقطع النظير حتي يتملكك شعورا جامح لايغادرك فيسحرك بالانتباه لكل مايقول و يفعل امام الكاميرات هذا الاداء المتفرد الذي لاتكل ولا تمل من مشاهدته استرعي انتباه الكثيرين من النقاد والمهتمين بأصول المهنة بل وصل الامر الي حد دراسته وتحليليه تفصيليا املا في الوصول لاسباب التفرد والامتياز.

أبرز ملامحه في التمثيل

ابرز ملامحه تجلت في تلك الاهات والصرخات الصاخبة التي كان يطلقها ابان اداءه للادوار السينمائية فهي لم تكن عشوائية او وليدة اللحظة وانما كانت مدروسة بعناية شديدة هذا بالاضافة لصوته متعدد الطبقات والقدرة الخارقة علي توظيف نبرات الصوت والتحكم بها ببراعة بحسب تنوع المشهد المؤدي من فرح وحزن الم وسجال وغيرها راجع مثلا مشهد مات الضمير من فيلم ” a scent of a woman” وكيفية تطويع نبرات صوته للحزن والاسي والصراخ والضجيج او حتي مشهد محاكمة تشارلي من نفس الفيلم كذلك الدقة المتناهية لحركة الجسد وقدرته علي نقل العالم الخارجي للشخصية عن طريق الوضعيات والحركة والتي ظهرت في اعظم صورها في اداءه الخالد لمايكل كوريليوني في فيلم” الاب الروحي”.

تحدث البتشينو في حوارته الصحفية عن مناجهه المتبعة في فن التمثيل

وقد تحدث في احدي حوارته الصحفية عن بعض مناجهه المتبعة في فن التمثيل وكيفية اداءه لبعض المشاهد المعقدة كمشاهد الانهيار والتي قال عنها انه يبداء المشهد من الذهول والصمت فالصريخ المكتوم فالبكاء فالانهيار ولا ادل علي عظمة هذا الاداء  من مشهد مقتل ابنته في الجزء الاخير من سلسلة “الاب الروحي” ,في اواخر عام 2019 وقبيل عرض فيلم الايرلندي كانت اخر حوارته التلفزيونية حتي الان علي قناة ال “bbc” اجاب في ذلك الحوار نفس السؤال  المتعلق بمنهجه التمثيلي مع الصحفي.

“حسام عاصي” قائلا:

“أحب أن أفعل أدوارا تتطلب وقتا طويلا، حتى أتشربها وأؤديها. . وهذا ما تفعله طوال الوقت. أيا كان ما تفكر فيه، تقوم بالكثير من الأشياء باستمرار والهدف من ذلك هو أن تصل إلى اللاوعي. وعندما تكون في اللاوعي تكون حراً، لأن اللاوعي يقوم بالعمل لك. وهذا هو السبب الكامل لاجراء البحوث، وما إلى ذلك ثم الانتظار. عليك الانتظار حتى يأتي كل شيء ويتكامل».

إرث البتشينو الخالد الذي لم ولن ينسي

بهذه الكلمات الرائعة اجاب “باتشينو” عن سرا ابدعه وتألقه علي مدار مسيرة فنية حافلة امتددت لعقود عن سر اداءه الاستثنائي الذي وصفناه في بداية حديثنا بالسحر المخلد حتي يقطع لنا الشك باليقين انه موهبة فذة فريدة من الصعب تكرارها, بعد عدة اشهر من الان  بالتحديد في الخامس والعشرين من ابريل نيسان سيتم “البا” عامه الثمانين وايضا بعد عدة ايام من تاريخ كتابة هذا المقال سيتم الاعلان عن الفائز بالاوسكار كافضل ممثل مساعد لعام 2020 والذي أمل كمحب لهذا المبدع ان يكون هو ليبدأ عامه بتتويج تاريخيا مستحق حتي وان لم يكن وحتي لو مضي العمر وتجاوزته السنين والايام ولم يعد هناك الكثير من العمر  ليتحفنا من خلاله باعمال اخري فيكفينا ارثه الخالد الذي لم ولن ينسي ما دام الذوق الرفيع قائم.

فيديو مقال أداء الباتشينو المفعَمٌ بالسحر

أضف تعليقك هنا