بين التفتيش والحصانة

تتبع المطارات حول العالم وخاصة في هذه المرحلة سياسات مشددة فيما يتعلق بالتفتيش الأمني للمسافرين، ويرأس هذه العملية سلطات الجمارك التي لا تهدف في المقام الأول إلى تحصيل الضرائب بل حماية البلاد من الممنوعات التي يمكن أن تسبّب إضراراً بالصحة العامة للمجتمع أو الأخلاق أو الأمن القومي.

ماذا تمثل السلطات الجمركية بالنسبة لبلادها؟

تعدُّ السلطات الجمركية خط الدفاع الأول لأي بلد، ولا يتم الكشف عن عمليات التهريب بمحض الصدفة كما يتراءى للبعض وإنما يتم ذلك من خلال دراسة مفتشي الجمارك لما يسمى بـــ Physiology أيعلم وظائف الأعضاء“.

وهو علم قائم على مراقبة وتحليل طريقة تحرُّك الأشخاص ومظهرهم، وهذا لا يعني أن المفتش أو ضابط الجمارك يسعى إلى تفتيش جميع الرُّكاب أو الاشتباه بهم بصورة عشوائية، بل يقرّر تفتيش شخص بعينه لحظة ارتيابه وإحساسه بالشك الذي يرقى إلى درجة اليقين بناء على معطيات علمية.

ألا ينبغي أن يكون القانون فوق الجميع دون أي تفريق؟

ورغم جميع الاحتياطات والتدابير الوقائية وأجهزة الكشف عن الممنوعات التي تم اختراعها حتى الآن، إلا أن ذلك لم يقف عائقاً أمام بعض من استمروا في محاولة التهريب بصورة غير قانونية، كما أن بعض من ينتمون لفئة الدبلوماسيين الذين يتمتَّعون بحصانة دبلوماسية لايخضعون أساساً للتفتيش كبقية الناس؛ ذلك أن القوانين الدولية تضمن حصانة دبلوماسية وعدم تفتيش أو ملاحقة ومحاكمة الدبلوماسيين حسب ما أقرَّه مؤتمر فيينا للعلاقات الدبلوماسية الذي عقد عام 1961م.

طالما أن الدبلوماسيين معفيُّون في أغلب دول العالم من التفتيش في المطارات، ألا يشكّل ذلك الأمر فرصة لقيام البعض منهم بتهريب الممنوعات التي قد تعود على البلاد والناس بأضرار جسيمة لا تُحمد عُقباها؟ أليست مسؤولية سلطات الجمارك حماية المواطنين مهما كلَّفالثمن؟….

من أين نبعت الحاجة إلى القانون؟

إن الحضارات ما كانت لتقوم يوماً لولا أن الإنسان وضع القوانين والدساتير التي تنظم الحياة بين البشر، ولا شك أن المجتمع الذي يخلو من القانون سيغدو أشبه بغابة يأكل القوي فيها الضعيف ليطغى عليه الاضطراب ويختلَّ توازنه، والعكس صحيح.

كيف أثَّر انعدام المثالية في البشر على حاجتنا للقانون؟

إن الوضعيّين اعتبروا أن حاجة البشر إلى القانون انطلقت من ضرورة تنظيم سلوك الفرد في علاقته مع الآخرين لأن الإنسان مفطور علىالتحرُّك بدافع من رغباته ومصالحه الشخصية، ولا يمكن الاستغناء عن القوانين إلا في حالة واحدة فحسب وهي وصول المجتمع إلى المرحلة المثالية التي يصبح فيها الفرد ميَّالاً إلى تفضيل مصلحة المجتمع على مصالحه الشخصية، وهذا ما بيَّنه بعض الفلاسفة بقولهم: «لو كان المجتمع مثالياً لما احتاج إلى القانون».

بما أن الواقع لم يكن وربما لن يصبح في يوم ما مثالياً إلى تلك الدرجة، فإننا لن نكون بخير تماماً ما دام فينا أشخاص فوق القانون على حد تعبير المثل الأمريكي الشهير: «تشبه القوانين نسيج العنكبوت، تقع فيه الطيور الصغيرة وتعصف به الطيور الكبيرة».

فيديو مقال بين التفتيش والحصانة

أضف تعليقك هنا