تراثي

بقلم: شرين طه

الحرف اليدوية التراثية الشعبية الفلسطينية

“الخزف بين الهواية والهوية”

تعدّ الصناعات التقليدية مظهراً من مظاهر الحضارة، بل الوسيلة الأولى للتعبير عن ثقافة وأصالة المجتمع، حيت تتميز بكونها تراث حضاري يجسم المظاهر الحياتية والمراحل الحضارية لأيّ مجتمع نشأت فيه، فهي إرث حضاري رائع، ووسيلة توثيق حضارية.

والخزف من الحرف والصناعات الشعبية التي عرفت في فلسطين، حيث يعود تاريخ صناعته إلى عام 1919م، أدخلها الأتراك إلى فلسطين من خلال ترميم المسجد الأقصى المبارك على يد الأرمني (ديفيد أوهانسيان) عندما رمم قبة الصخرة، ثم انتشرت في القدس من خلال مصنع الخزف الذي تمّ إنشاؤه عام 1922م على يد عائلتي (بليان وكرشيان)، ولا يزال المصنع يقوم بعمله حتى وقتنا الحاضر، حيث يعمل على إنتاج الخزف اليدوي من خلال عمال ماهرين في تحويل قطع الطين إلى أشكال مزخرفة وملونة من التحف والجداريات لتزيين البيوت والكنائس والمساجد، وتميزت الجداريات بالروعة الفنية وعرضت في متحف (Smithsonian) بواشنطن، ويصدّر المصنع جزءاً من إنتاجه إلى السعودية والإمارات وباقي دول الخليج العربي مما يؤدي إلى الانتعاش الاقتصادي الفلسطيني.

انتقلت هذه الحرفة إلى الخليل عام 1968م على يد عبد الرحيم جلال التميمي الذي كان يعمل مدرساً في مدرسة أسامة والتي حولها الاحتلال لموقع عسكري واستيطاني، بعدما عُثر على فرن قديم في أحد المخازن التابعة للمدرسة، تبيّن فيما بعد أنه كان يستخدم لشواء الخزف.

وفي عام 2004 م تم إعادة تأهيل المدرسة الفنية لتعليم الخزف التابعة لوزارة التربية والتعليم بالتعاون مع الحكومة الإيطالية وبلدية الخليل؛ لتكون المدرسة الأولى والنواة الأساسية في فلسطين التي تستقبل طلبة المدارس وتطعيمهم هذه الحرفة كفن وعلم في آن واحد، حيث تستقبل هذه المدرسة قرابة (450 طالب في الفصل الواحد) من مدارس محافظة الخليل، لذلك تعتبر هذه المدرسة  منشأ الخزف المعاصر ونواة فنانيه، وهي الفريدة في فلسطين التي تعمل على تزويد طلبة المدارس بأسرار وخفايا هذه الحرفة من الصفر إلى الحرفية، بالإضافة إلى كونها مصدراً أصيلاً في حفظ التراث الذي يمتد جذوره في عمق التاريخ، فمن خلال هذه المدرسة تم انبثاق جميع مصانع الخليل.

تعتبر مدينة الخليل حالياً الأولى في إنتاج الخزف حيث تطورت هذه الصناعة على مدى العقود الماضية وأصبحت خليل الرحمن إحدى أهم مراكز هذه الحرف التي زودت الأسواق السياحية والمهرجانات والمعارض بأجمل التحف والهدايا وأواني الطعام والشراب بعد حصول بعض مصانعها إلى شهادة الجودة في نهاية القرن العشرين.

وبالرغم من التطور الذي وصلت إليه هذه الحرفة، إلا أنها تواجه عقبات تهددها بالتراجع وأهمها إجراءات الاحتلال التعسفية التي تشكل عائقاً أمام نمو هذه الحرفة وانتشارها، فالحواجز والقيود الإسرائيلية تحدّ من حجم التسوق، وتمنع شراء المنتجات وإدخالها بشكل طبيعي إلى المعابر، فضلاً عن تعرضها للتلف والكسر نتيجة التفتيش المتكرر، بالإضافة إلى الضرائب المفروضة على هذه الحرفة .

ومما لا شك فيه أن ما يميّز هذه الحرفة، أنّها وثيقة الصّلة بتراث الفلسطينيين وتاريخهم الإسلامي والمسيحي، وفيها روعة الفن مع عبق التّاريخ، فكل تحفة فنية تحاكي معالم ومدن وآثار فلسطين التاريخية والدينية الخالدة.

بقلم: شرين طه

 

أضف تعليقك هنا