العيش في زمن كورونا… حقائق وتطلعات

بقلم: الأمين الحداد المرابط

حياتنا مع الكورونا ستكون قصة وعبرة للأجيال القادمة

هذه الحياة التي نعيشها الآن هي ليست مسلسلا دراميا على قناة mbc، ولا رواية يحكيها دوستويفسكي في كتبه، ولا قصة يحكيها الجد لأحفاده، ولا حتى مسرحية نشاهدها في  السينيما، هذا وباء نراه أنا وأنت والعالم بأم عينيه، ما نراه هو ليس وباء الحياة، بل هو جزء من وباءات القرن 21، هذا الوباء نفسه الذي نشاهده اليوم، سيصبح غدا مسلسلا تنتظر فيه الحلقة الأخيرة بعنوان قيامة كورونا بدل قيامة أرطغرل، ويصبح رواية يحكيها الكاتب تنتظر فيها الصفحة التي تخبرك من البطل الذي لا يموت، ومن الضعيف المستهدف، وتنتظر فيها برنامجا وثائقيا يكشف لك اللغز وكأنك في برنامج من سيربح المليون.

لكن هذه الدراما التي نعيشها الآن هي ليست بغريبة على من عاش في هذا القرن الذي شاهد فيه هذا التطور العلمي والتكنولوجي، فمن صدق عقله هذه التكنولوجيا سيصدق كذلك أنه شارك في لعبة كورونا، وأنه عاش حياة استثنائية أجبرته على أن يكون أحد شخصياتها، ومن عاش في زمن استثنائي كهذا، ينتظر أن يرى كل شيء لم يكن في حسبانه أن يراه، ولا في مخيلاته أن يحلم به، إنه العقد الثاني من القرن 21 .

كورونا يغرس قيم الحب والتعاون 

العيش في زمن كورونا صنع منك مالم يصنعه فيك الدهر كله، وأعطاك صورة لم يصورها لك حتى خبراء الفوتوغراف، لأن المشهد مغاير والصورة تتطلب فن وصباغة كورونا بذاتها.

كورونا غرست فيك قيما لم يغرسها فيك حتى فارس الدعوة طوال حياتك، نعم ! إنها حقيقة، أصبحنا مع كورونا نعيش مع قيمة الجود والتطوع، قيمة الحب والتعاون وكأننا نعيش مع الأنصار وقت الهجرة، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان وهم على قرابة خوض غزوة بدل كورونا، هكذا بدا في الأفق رمز العطاء يتسابق من أجل خوض هذه المعركة، حتى تُحسم قبل أن تتمدد إلى من كان لا يتوقع أن تصل إليه.

كورونا جعل الناس أكثر حذرا وخوفا على نفسها

كورونا صنعت من العالم سجنا، نعم ! أصبحنا وراء قضبان المنزل دون ارتكاب أي جريمة، ندور في دوامة المنزل وكأننا محكومون بعشر سنوات نافذة، كل واحد منا يتفقد هواه، يبحث عن رفيق جديد وأنيس حميم، وخليل صادق، لكن الصديق والأنيس في زمن كورونا يختلف، لأن السجن مغاير عما تعود السجناء عليه، فسجن كورونا جعل من الصديق سلاحا يمكن أن يدمرك بالعدوى، ومن الخليل قنبلة يمكن أن تنفجر فيك… هكذا في زمن كورونا بدأ التخلص من البشر والبحث أن يكون الصديق كتابا نافعا تغني به حياتك، أو لعبة الكترونية تنسيك الجائحة، أو قرآنا تعود به إلى ربك.

كورونا جعلت الزوج وزوجته والابن وأخته وحتى الرضيع يعرف قناة الجزيرة ليشاهد عدَّاد الإصابات أين وصل، هل اقترب منه أم ليس بعد، هل سيكون أحد ضحاياه أم أن القدر سينتقل إلى غيره، هكذا كانت المراقبة وكأننا ننتظر دورنا لمرور الصراط.

كورونا كشف حقيقة الغرب الكاذبة

كورنا جعلت الغرب لا يستطيع أن يهضم ويتفهم وضعية أن المغرب الذي ترك فيه ريحه الاستعمارية قد ينجح في المباراة، حتى وإن كان لا يمتلك على أدوات طبية تكفيه، إلا انه امتلك فكرة طبية نبوية وقَتهُ من انتشار الوباء، ليس انه استفاد من دول دخل إليها الوباء قبله فقط، وإنما استفاد من حديث نبوي له 14 قرنا، يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في شأن الوباء «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقَدُمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ.

كورونا بين للعرب أن الغرب الذي انخدعنا بتقدمه البارحة بحضاراته المشكوكة، أصبح مكشوف الظهر، عاري الثغر، لم يعد قادرا على إيهامنا مرة أخرى ولا قادرا على أن يملأ آذان التاريخ كذبا من جديد، لأن العالم عرف الحقيقة ورآه يستغيث في فتنة كقطع الليل المظلم، وكأن تنبأ الكاتب باتريك جيه بوكنان بموت الغرب أصبح شبه حقيقة.

كورونا أظهر عجز وضعف القوى الحاكمة المسيطرة 

كورونا جعلت من بعض العرب أن يتطلعوا إلى تدشين مرحلة جديدة عبر بناء نظام جديد يُبنى قواعده على منهج عادل ضابط يضبط الهوى البشري من الجور والظلم، وأن يفكروا في إعادة حضارتهم من جديد، وهذا التفكير ليس من وهم الخيال، بل من دراسة تاريخ الأوبئة، فمن درس تاريخ الأوبئة عرف أن كل وباء كان نهاية لعصر قديم وبداية عصر جديد، نهاية لحضارة وبداية لأخرى، نهاية لإمبراطورية وبداية لأخرى، وعلى غرار هذا ينتظر العالم هل ستقوم الصين بسحب بساط العرش من أمريكا، بعدما رأى العالم سيطرتها على الوباء ومساعدتها لدول أخرى، بينما أمريكا حاكمة العالم الآن، وقفت مكتوف الأيدي تفكر في أن تطلب المساعدة من الصين، لكنها تخشى أن تفقد عرشها.

كورونا جعلت العالم بتقدمه العلمي والتكنولوجي بجميع خبراته وعلومه، صناعته وتجارته، ومن بعد ما كانوا قريبا من التأله، وأنهم قادرين على تدبير الدنيا والتحكم فيها، أصبحوا يعترفون بضعفهم وقصور علمهم وأن كل شيء إذا ما تم فهو نقصان، وأن لا يغتر بطيب العيش إنسان، وأن الله قوي عليم حكيم خبير، يمهل المتكبرين والمتآلهين حتى يظنوا بظنهم المزعوم والكاذب فيأتي العقاب، وهي عين الحقيقة التي أخبر عنها q في كتابه إذا قال:  حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَاهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ.

بقلم: الأمين الحداد المرابط

أضف تعليقك هنا