عندما تظهر الكوارث والأزمات أفضل ما فينا

تظهر الكوارث والأزمات أفضل ما فينا، حقيقة بسيطة تؤكدها أدلة دامغة تتجاوز في مداها أي رؤية علمية، لكننا غالبًا ما ننسى والآن وفي خضم هذه الجائحة، من الأهمية بمكان أن نستحضر هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى، لا جدل أن أخباراً وتعليقات تهكميةً تعج بها المواقع الألكترونية من قبيل: (مسلحون يسرقون لفائف من ورق الحمامات في هونغ كونغ) أو (نشوب عراك بالأيدي بين نساء أستراليات في أحد متاجر سيدني)، تدفعنا للاستنتاج أن معظم الناس محض أنانيين ومغرورين.

محاسن الحجر الصحي “مدينة وهان”

الحق أن بين هذا الرأي والصواب بعد المشرقين، إذ أن إزاء كل موتور ذو نزعة عدوانية تجاه المجتمع يوجد آلاف الأطباء والممرضات وعمال النظافة الذين يعملون على مدار الساعة نيابةً عنا، وإزاء كل مكتنز رعديد يسعى جاهداً لحشو عربته بكل ما وضع على رف متجر، هناك 10000 شخص يبذلون قصارى جهدهم لمنع الفيروس من الانتشار، تتحدث التقارير الواردة من الصين وإيطاليا عن كيف أن الأزمات تقرب الناس من بعضهم، فهذه سيدة من سكان مدينة وهان تكتب: “لقد تعلمنا كيف نتقبل المساعدة من الآخرين”. وتضيف: “بسبب هذا الحجر الصحي، اندمجنا ودعمنا بعضنا بطرق لم يسبق لي تجربتها منذ تسع سنوات من العيش هنا”.

ويشجع ملايين الصينيين بعضهم على الصمود بعبارة (“لا تستسلم”)، وتظهر مقاطع فيديو أشخاصًا في ووهان يغنون من نوافذ بيوتهم، فينضم إليهم العديد من الجيران لترتفع أصوات الجوقة ويتردد صداها بين أبراج المدن الصينية الشاهقة، وفي سيينا ونابولي المغلقتان تماماً، يغني الناس معًا من شرفات منازلهم ويملأ الأطفال في إيطاليا الشوارع والجدران بعبارة (كل شيء سيكون على ما يرام)، في حين يتعاون الجيران في ما بينهم. وفي ميلانو يهتف الناس للفرق الجوالة من الشرفات أثناء تواجدهم في الحجر الصحي.

تضامن الناس واللُّحمة البشرية “إيطاليا”

صحفي إيطالي تحدث الأسبوع الماضي لصحيفة الغارديان عما شاهده بأم عينيه قائلاً: “سرعان ما تحولت حالة الهلع التي اجتاحت السكان إلى حالة من التضامن غير المسبوق، ففي المجمع السكني الذي أعيش فيه، حيث تجلب الصيدليات للناس ما يحتاجونه من سلع البقالة حتى أبواب بيوتهم، فإن ثمة متطوعين يزورون الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا في بيوتهم”.
ويعلق مرشد سياحي من البندقية بالقول: “إن الإنسان مخلوق جبل على الخوف، بيد أني لا أكاد أرى ذعراً ولا أنانية”.

جدير بالذكر أن أول من استخدم عبارة – كل شيء سيكون على ما يرام – كان عدداً من ربات البيوت في مقاطعة بوليا، حيث تداولنها على شكل وسم في موقع فيسبوك، وما لبث أن انتشر في جميع أنحاء البلاد، تماماً كما الوباء، ليس الفيروس التاجي العدوى الوحيدة، فالطيبة والأمل والإحسان تنتشر على نحوٍ معدٍ هي الأخرى.

الكوارث فرصة لزيادة التضامن

لم يكن ارتفاع مناسيب التضامن الاجتماعي الذي نشهده ليفاجئ معظم علماء الاجتماع، حيث يمثل الظرف الراهن انعكاساً لا لبس فيه للاستجابة البشرية المتوخاة تجاه الكوارث الطبيعية، والتي جرى دراستها على نطاق واسع منذ عقود، غالبًا ما تهيمن أعمال السلب والنهب والبطش على التقارير الإخبارية التي تعقب الكوارث الطبيعية، غير أننا سرعان ما نكتشف أن هذه الأعمال محض تكهنات مبنية على شائعات لا أساس لها من الصحة.

فمنذ عام 1963، أجرى مركز أبحاث الكوارث التابع لجامعة ديلاوير قرابة 700 دراسة ميدانية حول الفيضانات والزلازل، وفي كل مرة تسفر تلك الأبحاث عن ذات النتائج وهي أن: الغالبية العظمى من الناس يحافظون على رباطة جأشهم ويتعاونون في ما بينهم
ويشير أحد علماء الاجتماع إلى أنه: “مهما كان حجم أعمال النهب والسلب، فإن أهميتها تتلاشى بالمقارنة مع جو الإيثار السائد الذي يفضي إلى تقديم ومشاركة السلع والخدمات بين الناس بشكل مجاني وعلى نطاق واسع” نعم، ربما تضرب موجة ذعر هنا أو هناك، وقد يبدأ بعض الأشخاص بتكديس السلع. لكن عالم نفس اجتماعي بريطاني يشير إلى أنه: “لطالما أسفر عدد من الكوارث والأحداث الجسام عن سلوكيات إيجابية”، وهذه الحقيقة لطالما تكررت عبر الملمات.

كورونا والتضامن الاجتماعي أعاد للأذهان “أحداث 11-9-2001”

وفقا لرواية شاهد عيان، عندما بدأت تايتانك بالغرق، “لم يكن هناك علامة على الذعر أو الهستيريا، لا صرخات خوف ولا أناس يركضون جيئةً وذهاباً” وليست أحداث 11-9-2001 عنا ببعيد. إذ عندما اندلعت النيران في برجي مركز التجارة العالمي، نزل الآلاف سلالم البرجين بصبر “لقد كانوا يقولون لبعضهم: “كلا، كلا، أنت أولاً”، بحسب رواية أحد الناجين لاحقاً، والذي يضيف قائلاً: “لم أستطع أن أصدق أن في ظرف كهذا ثمة من يقول: “كلا، كلا، أرجوك خذ مكاني” إنه بحق موقف تقشعر له الأبدان”.

نحو تصحيح افتراضاتنا عن الطبيعة البشرية

ربما كان من الصعب تصديق روايات شهود العيان، ولكن هذا يرجع في الغالب إلى الصورة السوداوية للطبيعة البشرية التي احتلت مركز الصدارة في العقود الأخيرة. كيف لا والإنسانية في أكثر جوانبها قتامةً هي ما يطغى على مجمل معالجات بني البشر لقضاياهم على مر السنين. يقول جوردون جيكو، الشخصية الرئيسية في فيلم وول ستريت 1987: “المهم، أيها السيدات والسادة، إن الجشع، لعدم وجود كلمة أفضل، هو أمر جيد الجشع صحي، الجشع يؤتي أكله الجشع يفسر ويخترق ويستحوذ على جوهر الروح التطورية”.

عامًا بعد آخر، أقر السياسيون ما لا حصر له من التشريعات على افتراض أن معظم الناس أشرار بالفطرة، والجميع يعلم إلى أي قدر من انعدام المساواة والانعزالية وانعدام الثقة أفضت تلكم السياسات، على الرغم من كل ذلك، فإن العشرين سنةً الماضية شهدت حدوث شيء غير عادي، حيث اعتمد العلماء في جميع أنحاء العالم، على اختلاف تخصصاتهم، نظرة أكثر تفاؤلاً للطبيعة البشرية.

وبهذا الصدد يكتب عالم الأحياء الهولندي البارز فرانس دي وال: “إن الكثير من الاقتصاديين والسياسيين يشكلون المجتمع على هيئة كفاح متواصل، من ذلك النوع الذي يعتقدون أنه يسود الطبيعة، ولكن هذا الاعتقاد قائم على الإسقاط فحسب” ويضيف: “إن افتراضاتنا حول الطبيعة البشرية في حاجة ماسة إلى إصلاح شامل”.

نبتعد اليوم لنقترب غداً

لا شيء مؤكد، ولكن من يدري فربما ساعدتنا هذه الأزمة في تحقيق تقدم ولربما جاء يوم نشهد فيه بزوغ وعي قوامه الثقة بالآخر والتضامن المجتمعي. كتبت طبيبة نفسية هولندية على تويتر ما نصه: “لا أعرف ماذا ترى، لكنني أرى أشخاصًا يريدون المساعدة في كل مكان. باتباع التوصيات الرسمية تارة، أو بالقيام بشيء عملي مثل التسوق لشراء البقالة لشخص ما تارةً أخرى.”
ويتحدث محرر ألماني للكاتب عن ملاحظة تم نشرها في مبنى سكني هذا نصها: “جاري العزيز، إذا كان عمرك يزيد عن 65 عاماً، وكان نظامك المناعي ضعيفاً، فإنني أرغب بمساعدتك، ولأنني لست عضواً في أي من فرق الطوارئ، فإن بمقدوري مساعدتك في الأسابيع القادمة من خلال القيام بالأعمال المنزلية أو أداء بعض المهام، إذا كنت بحاجة إلى مساعدة، فاترك رسالة برقم هاتفك على الباب، معًا يمكننا اجتياز المرحلة أياً كانت، فأنت لست وحدك”!

لما كان بني البشر في الأصل حيوانات تطورت لتتواصل وتتفاعل في ما بينها، فمن الغريب كبح جماح هذا الميل الفطري، يستمتع الناس بلمس بعضهم ويسرون لرؤية بعضهم وجهاً لوجه، ولكن علينا الآن الإبقاء على تباعدنا الجسدي قائماً. ومع ذلك، فإني أعتقد أننا سنقترب من بعضنا أكثر في نهاية المطاف، وأن هذه الأزمة ما هي إلا فرصة لنتعرف إلى بعضنا عن كثب، وكما قال مؤخرًا جوزيبي كونتي، رئيس الوزراء الإيطالي: “دعونا ننأى بأنفسنا عن بعضنا اليوم لكي نحتضن بعضنا بحرارة […] غدًا”. المصدر

فيديو مقال عندما تظهر الكوارث والأزمات أفضل ما فينا

أضف تعليقك هنا

عمار الحامد

كاتب ومترجم حر وأستاذ لغة إنجليزية من العراق