الملكة اللسانية ومستقبل البحث في العلوم الإسلامية

تحديات معاصرة

كثيرة هي التحديات التي تعترض سبيل الباحث في العلوم الإسلامية اليوم والتي فرضتها طبيعة الأمانة و الرسالة التي يحملها على عاتقه ، تلكم هي أمانة الدعوة إلى الله عز وجل بفقهها وعلمها والصبر على الأذى فيها: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم” حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات” ولما كان من مقتضيات تفعيل دور الاجتهاد في الشريعة الإسلامية الإحاطة بمستجدات العصر ومتطلبات الوقت واستحضار الرهانات والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر، يبرز سؤال جوهري ويلوح في الأفق مناديا ما دور المسلم وما  رسالته؟ وكيف سيحافظ على هويته في زمن المتغيرات؟ وكيف يمكن للمتخصص أن يضع لنفسه بصمة قد تؤثر بشكل أو بآخر على مستوى مستقبليات البحث في العلوم الإسلامية؟

قد يكون مدخل الملكة اللسانية مفتاحا للإجابة عن هذه الأسئلة وذلك لارتباط  عناصر اللسان والدعوة والبيان وتناغمها  في التصور الإسلامي فقد قال الله تعالى” وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم”. فجعل البيان غاية وسيلتها الدعوة بلسان القوم. وقبل القراءة الدقيقة لتوقعات البحث في العلوم الإسلامية نقف مليا مع المعنيين بإكمال مسيرة البحث فيها بعد أن أفضى الأوائل إلى ما قدموه.علما أن تكريس أفضلية المتقدمين على المتأخرين هي مسلمة مغلوطة لها تداعياتها على مستوى مستقبل البحث في العلوم الإسلامية.

العلوم الإسلامية ومنهج الاكتساب والتلقي

وقد نقول إن الباحثين في العلوم الإسلامية اليوم تفرقوا باعتبار المنهج إلى فريق يعُض بنواجذه على الطرائق التقليدية في تلقي العلوم واكتسابها إذ يبدأ الطالب بحفظ القرآن الكريم ليتدرج بعد ذلك في حفظ المتون العلمية وفق مستويات محددة قد توافق وقد تفوق طاقاته الذهنية.وهذا منهج أصيل في التكوين وحقيق بتخريج علماء بارزين.

ويحاول  البعض من هذا الصنف التشبت بأصالة المنهج المتوارث عن أجيال من العلماء والمعبر عن التراث والهوية والتاريخ، مع الرفض التام لكل معالم التجديد والانفتاح على آليات ووسائل معاصرة قد تفيد في ضبط وجهة العلوم الإسلامية والارتقاء بجودة البحث فيها خصوصا وان هذه العلوم غالبا ما تقترن في عقول عامة الناس بكل ما هو ماض. فإدخال اللمسة التجديدية ليس زخرفة لها بقدر ما هو استجابة لواجب الوقت.

والفريق الثاني أدرك إلى حد ما بعمق نظره وقدرته على تحليل الواقع أن معضلة المنهج تطرح نفسها بقوة في العلوم الإسلامية ، وهذا يضفي قيمة على سؤال مستقبل البحث فيها ،خصوصا بعد بروز تحديات كبيرة للعولمة على الفكر الإسلامي. فكان لابد في نظر هذا الصنف من الخروج من مأزق التيه الذي أضحى يهدد كينونة الباحث وموقعه العلمي في ظل التغيرات الراهنة. وينادي بضرورة تبصير الباحثين بإعادة  ترتيب الأولويات دون إخلال بالمحافظة على الثوابت والمقدسات.

الكفاية اللغوية

لا مفر لمن يحمل صفة الباحث في العلوم الإسلامية من الانفتاح على معارف أخرى والسعي لاكتساب مهارات وكفايات تتقدمها الكفاية اللغوية ،وذلك بإتقان لغات أجنبية بالإضافة إلى اللغة الأم ،وهذا الأمر  قد يبدو صعب المنال في بداية المسار والمشوار ولكن لا مستحيل مع العزيمة والإصرار، وأول خطوة هي الوعي والإحساس بأهمية ما يقدم على تعلمه وكيف يوظفه  في مجال العلوم الشرعية .ويكفي الباحثَ في ذلك أن يكون مميزا عن طريق فهم الخطاب وحسن الجواب علما أننا لا نقارن في المهارة اللغوية باعتبارها درجة إتقان يحصلها المتعلم بعد الاكتساب بين اللغة الأم واللغة الثانية كما يقول ابن خلدون” إن الملَكة إذا سبقتها ملَكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة  …و انظر إلى من تقدم له شيء من العُجمة كيف يكون قاصرا في اللسان العربي … و كذلك البربري و الرومي و الإفرنجي …. و ما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الأخر”[1].

هل يوجد صعوبة في طبيعة الملكة اللسانية؟

وإذا كانت طبيعة الملَكة اللسانية أن تكتنف الصعوبة تحصيلها في البداية، إلا أن الوعي والإدراك لأهميتها في العلوم الإسلامية قد يقلب الموازين ويغير الرؤى لدى صنف كبير من الباحثين إذا علموا أن نسبة كبيرة مما كتب عن الإسلام إنما كتب بلغات أجنبية ، وكيف لمن يجهل هذه المعطيات ويجهل مناهج تدريس التشريعات في الجامعات الغربية أن يدعي مواكبة مستجدات العلوم الإسلامية وتطوراتها في الساحة العالمية.

ألم يأن للباحثين أن تستنير بصائرهم بمدى تأثير اللسان على واقع الحال إذ يستحيل التعامل اليوم  مع ثقافة الحضارات الغالبة دون تعلم لغاتها وإتقانها.وهو لعمري مدخل لاتقاء شرها، فمن المعاني الصحيحة المشتهرة على ألسنة الناس” من تعلم لغة قوم أمن مكرهم”  وإذا كان طلب الأمان على النفس واجبا فماذا عن الدين؟فمال هؤلاء الباحثين لا يكادون يفقهون حديثا.

-الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون ص: 40[1]

فيديو مقال الملكة اللسانية ومستقبل البحث في العلوم الإسلامية

أضف تعليقك هنا