فن القص في النص القرآني بين الوحي الإلهي والإبداع البشري ( 3)

بقلم: محمد راضي الشيخ

إنَّ النص القرآني نصٌ ديني وتشريعي في المقام الأول وقيمه الدينية والتشريعية هي المقدمة على كل ما عداها.

 الفروق بين القص القرآني والبشري

ينبغي أن تتسع النظرة إلى القرآن الكريم وتصبح أكثر انفتاحًا وتوسعًا، فلابد أن يضع الباحث في النص القرآني في الاعتبار، أنه نص لغوى ، يحوى ما تحويه اللغة ، ولا يمكن أن نغفل القيم التاريخية والعلمية والأدبية، لأنَّ النص القرآني سيظل معينًا لن ينضب على كثرة البحث والدراسة فهو نص ثري بكل أنواع القيم التي يعرفها الإنسان والتي لم يصل إليها حتى الآن، وأرى أنَّ هذه خصوصية للنص القرآني لم تتوفر لغيره من النصوص الدينية وغير الدينية على مدار التاريخ الإنساني كله، ولا غرو في ذلك فلم يعهد لكتاب غيره أن بنى حضارة وأسس لثقافة أمة صالحة لإصلاح حياتها من وقت نزوله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لذا كان اشتماله على قيم لا تحصى أساسًا من أسسه القوية المتينة.

براعة الحبك القرآني في القصص

إذن فالقصة القرآنية “ليست عملًا فنيًا مستقلًا في موضوعه وطريقة عرضه وسير حوادثه – كما الحال في القصص الفني – إنما القصة فيه وسيلة من الوسائل الكثيرة التي استخدمها لغرضه الأصيل وهو التشريع وبناء الفرد والمجتمع وإنَّ القصة التي ترد فيه لا تختلف في غايتها عن المثل الذي يضربه الله للناس”([1])، (التعبير الفني في القرآن الكريم، بكري شيخ أمين، دار العلم للملايين، ط 1، 1994م، ص 217 )، هناك فروق كثيرة بين القصص القرآني والقصص الفني خارج النص القرآني لأن القصص القرآني ” أسلوب دعوة يتجاوز في رسم شخصياته وعرض أحداثه كل مقياس تقاس به الفنون”([2]) ( أحسن القصص بين إعجاز القرآن وتحريف التوراة، زاهية الدجاني، دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، بيروت، ط 1، 1993م، ص 261) ، فشتان ما بين كلام الخالق وكلام المخلوق ولكنَّ التعرض لمثل هذه الموضوعات يكون للإفادة منها والنسج على منوالها، واستنتاج أطر حاكمة للإبداع البشري.

أغراض القصص القرآني

نتج عن اجتماع الغرض الديني والغرض الفني في القصة القرآنية مجموعة من الفروق الجوهرية التي تميزها عن القصص الفني الحديث على مستويات عدة منها رسم الشخصيات، وجريان الأحداث، والحوار والسرد إلى غير ذلك من التقنيات الفنية، وفي هذا المقالات القصيرة أحاول أن أجمل بعض الفروق الجوهرية بين النوعين لأن كل جزئية من هذه الجزئيات تحتاج إلى دراسة مستقلة، حتى تستوفي جميع أركانها ومن هذه الفروق – على سبيل الإجمال – ما يلي:

أولًا

القصة في القرآن الكريم تؤدي غرضًا دينيًا في الأساس صيغ في شكل بياني فني رفيع، وأما الغرض من القصة الفنية الحديثة فهو غرض فني طليق، فالتعبير القرآني يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني([3]) (انظر: التصوير الفني في القرآن الكريم، سيد قطب، دار الشروق، ص 143)

ثانيًا

القصة في القرآن الكريم قصة واقعية حقيقية في شخوصها وأزمانها وأمكنتها، تأملات ونقلها للأحداث وواقعية في معالجتها لمشاكل الحياة؛ لذا “فالقارئ لقصص القرآن سيقف على تاريخ الحضارة وتاريخ الإنسان وتاريخ النفس والاجتماع وما أطلق عليه وحدة التاريخ ووحدة الإنسان واكتشاف الإنسان لذاته في خضم تراكمات المادة والأشياء وإبراز ما تمثله حياة الإنسان في هذا الكون”([4])( علوم القرآن، عدنان زرزور، المكتب الإسلامي، بيروت ودمشق وعمان، ط 3، 1991م، ص 370: 371)، على أثر هذه الحقائق يمكننا أن نقول إن القصص القرآني “وثيقة تاريخية من أوثق ما بين يدى التاريخ من وثائق فيما جاءت به من أشخاص وأحداث وما يتصل بالأشخاص والأحداث من أمكنة وأزمنة”([5]) ( القصص القرآني منطوقه ومفهومه، عبد الكريم الخطيب، ص 39) ،  أما القصص الفني فهو قصص خيالي وهمي، على مستوياته كلها الزمان والمكان، والشخوص، والأحداث ولا غرابة في ذلك فالإبداع البشري كله قائم على ملكة الخيال، وكلما كان الخيال قويًا ومبدعًا، كلما زاد  العمل الأدبي تألقًا وبهاءً.

ثالثًا

الشخوص في القصة القرآنية شخوص حقيقية واقعية كانت بأسمائها وصفاتها وبيئاتها وزمانها وملامحها وهى الرموز البشرية الأولى التي حملت شعلة النور للإنسانية جمعاء، ورسمت لها الطريق الصحيح للحياة وثبتت النموذج الأمثل للإنسان على وجه البسيطة في كل شيء وضربت أروع الأمثلة للمثل العليا التي يجب أن تحتذى ويرسم على منوالها وفي ذات الوقت ذكرت النماذج الشاذة أيضا سواء كانت شخصيات سياسية مثل رمز الطاغية فرعون، ورجل الأعمال الظالم الذي ظنَّ أنَّ ما اكتسبه بعقله  وجهده فقط وطغى مثل قارون، ورمز الوزير الخانع هامان

ورمز السياسي الناجح ذو القرنين، إلى غيرها من النماذج الأخرى التي ذكرت في القرآن الكريم، مثل الشخصيات التاريخية والاجتماعية والأنبياء والصالحين، وذكر أمثلة للمرأة الصالحة مريم ابنة عمران، وآسيا زوجة فرعون، والمرأة الطالحة، مثل امرأة نوح عليه السلام، وامرأة لوط عليه السلام، وعلى هذا فالقصص القرآني “رسم شخوصه بطريقة لا تتناقض وطبيعتها الإنسانية، والشخصية الإنسانية بشكل عام، وهذا يدل بشكل واضح على أن شخوص القصص القرآني يمثلون النزوع الأول في الفكر واكتشاف الذات وسعيها نحو الوصول للحقيقة التي تجمع ما بين الروح والمادة

وتتجاوز أخطاء الحياة الدنيا وتسمو نحو سوامق الأمور، وتجعل من الإنسان عنصر خير وسعادة، وصاحب رسالة سواء أكانت بالتكليف الرباني أو باتباع رسالة ربانية بعد الاقتناع والإيمان، إن علاقة الأرض بالسماء هى علاقة المادة بالروح والانسجام المتكامل بينهما”([6]

بقلم: محمد راضي الشيخ

أضف تعليقك هنا