وجع الغربة

هذه الكلمة البسيطة لغويًا التي تتكون من ست حروف فقط لا غير، تفوق تأثيرها جميع حروف اللغة العربية مجتمعة من حيث الأسى والشجن وأنين التوجعات، طريق الغربة في الغالب يكون طريقًا إجباريًا وقليل ما يكون إختياريًا ولكن في جميع الأحوال تظل الغربة هي الغربة، بجميع أنواعها تسافر بالجسد وتترك الروح في وطنك الأم.

معاناة الغربة وألم فراق الوطن 

يتغرب المرء هنا وهناك في بلاد غريبة ومقابلة أناس غرباء مختلفون ثقافيًا وإجتماعيًا وقيمًا وتصطدم بواقع أغرب يلتبس بالسواد في البر الثاني، سفينة الوصول إما غرقت وتساقطت الجثث من عليها وسط الأمواج وإما رست علي الشاطىء لا تقدر علي الإبحار مرة أخرى، وتبدأ مرحلة المعاناة والتقلب على الأشواك، وتزداد التحكمات وتضغط بكل قوة على الكرامة، ومن ثم يصبح القلب رفيقًا للحزن والعقل في أجازة مع نفسه شريدا أنهكه التفكير في التدبير، وأصبح المرء يتلقي الضربات الواحدة تلو الأخرى وعندما يقع يحاول أن ينهض من جديد لتكملة المشوار.

البعد والفراق عن الأهل والأقارب والأولاد منتهي العقاب وآخر ما لا يتمناه الإنسان، مادة دسمة في شقي وإدخار وحرمان بقا هو القرار، رحلة لا نهاية لها من يبدأها بيده لا يدري متي ينفك منها ويبقي التأجير للمحطة التالية ثم اللاحقة حتي لا تشعر إلا وأنت تصل إلى محطة العمر الأخيرة وقد ذبلت الورود وتبلدت المشاعر وضاعت الرمانسية وتصلب العقل وأضنتك آلة الزمن وفقدت الأحضان الدافئة، وحينئذ يسري الندم في العروق، حسرة علي شيب العمر الذي ضاع مقابل ثمنًا بخس دراهم معدودة.

نحن نتحمل شقاء الغربة كي نعود لنعيش نعيم الوطن

قد تظن أنك أكلمت الرسالة علي أكمل وجه ووفرت المستقبل المشرق لأبناء لم تسعد يومًا معهم ولم تشاهدهم إلا مرات قليلة خلال عشرات السنين، شوق وحنين عند العودة زائرًا وفيضانات من الدموع عند الفراق لحظة السفر، ما المانع عندما تكتب عليك الغربة أينعم تتقبلها وتقف مثل الرجال من أجل إسعاد عائلتك وبناء المستقبل بحمل الضنا في الوطن الثاني لكي تعود في النهاية للوطن الأول محققًا للأحلام التي كانت عصية وفرضت عليك الغربة فرضًا وملاذًا ، وفي نفس الوقت يغيب التخطيط علي كل متغرب ومهاجر، يشرب شرابًا من كأس الغربة ومذاقها المر العلقم في الحلق

حتى عندما يختتم رحلته ويعود إلي بلده ويرى مالا يعجبه حدث نفسه واشتاق إلى شراب نفس الكأس وكأنه لايستطيع أن يعيش حرًا بعيدًا عن التحكم به من قبل شخص أو شركة أو مؤسسة تطبق إستعبادًا ولي من زمن بعيد ولم تكفه شربة ماء عذبة ورؤية الأحبة قبل رحيل البركاى، لا بد من محاولة تقصير المدة قدر المستطاع فقدان الأهل والأحباب والأولاد حتي ولو كانوا لجانبك فقد افتقدوا معني السير بين دروب الوطن والنشأ بين ربوعه وتعلم تقاليد ومبادىء الوطن الحقيقية ونيل قيم الإنتماء والتضحيات وهضمها هضمًا.

نحن نضحي بفراق أقرب الناس إلينا حين نختار الغربة

إن مشاهدة الابتسامات الصافية التي تخرج من القلب من غير استئذان، الأموال أبدًا لم ولن تساوي وداع أقرب الناس إليك في غفوة من الزمان وما عليك سوى الحزن والكبت بداخلك، وتذكر نفسك أنك مضطر لتلقي الصدمات وأن هذا هو القدر الذي لا فرار منه، وفي سبيل اسعاد الآخرين تقذف نفسك بكل رضا داخل طاحونة الغربة حتي تقطعت كل قطعة من جسدك فتافيت، وذرفت العيون الدموع

ونزفت الأيادي الدماء وعجزت الأرجل عن الحركة، وتاهت العقول وسبحت سبحًا طويلًا في طريق الشهوات وجاءتها الجائزة الكبري بالجنون وبليت بالأمراض كضريبة غربة لا بد أن تدفع مقدما وتسدد ديونها قبل التفكير في العودة، إلى متي سيظل العقل مشغولًا بالفكر في المستقبل الذي هو بيد الله سبحانه وتعالى وليس مطلوب منك سوي الإيمان بالقدر خيره وشره والتوكل عليه، فحتي الطيور ترزق في كل البلاد تذهب بطانًا وتعود خماصًا ، ولكن يصورها البعض أنها أرض جرداء لا زرع ولا ماء ولا أمان وكلها فقط شقاء وحرمان وتوجعات، الحلم بالتغيير ليس عيبًا.

نفحة مغترب

إن بذل الجهد والعطاء والإخلاص في العمل ووجود النية ووجوبها سوف تزول الصعوبات والمعوقات وسوف يأتيك شعاع الأمل وسط الظلمات ينير طريقك الجديد، ويرشدك إلي رضا النفس وإعطاء كل ذي حق حقه، اللهم ارجع كل مغتربًا سالمًا غانمًا معافًا إلي أهله، اللهم ألهمه الصبر علي الآلام والأحزان، اللهم نور بصيرته لما فيه الخير لدينه وأهله ومجتمعه، اللهم إننا استودعنا أهلنا وأبناءنا وأقاربنا وأصحابنا أمانة عندك فاحفظهم لنا يارب العالمين بقدرتك وسلطانك وجلالك ولا ترينا فيهم مكروها يحزن قلوبنا ويدمر عقولنا، اللهم آميين يارب العالمين.

فيديو مقال وجع الغربة

أضف تعليقك هنا