نقطة التحوُّل

بقلم: ميساء عبد الهادي أحمد نصار

القدرة اللانهائية على التطور هي ما يميز البشر عن باقي الكائنات الحية وجعلت منهم كائنات استثنائية لا يمكن دراسة محتواها بدقة إلا عبر الفرضيات المبهمة. في عام 2020 إلتقطت الأقمار الصناعية الأمريكية للحظات فقط إشعاعات مجهولة الهوية ذات ترددات مغايرة تماما عن الموجودة بالعادة, وقد أثرت هذه الإشعاعات على طبقة الأوزون مما دفعها للتغير, وأصبحت حمراء اللون كلون الدم بالضبط, و تحولت إلى طبقة سميكة يمكن رؤيتها بالعين المجردة مما أدى إلى إنعدام عبور أشعة الشمس من خلالها ونتج عن ذلك ظهور الليل بالنهار. (نقطة التحوُّل).

نعود بعد تلك الظاهرة بسنتين للوراء عام 2018 في غابة إسمها “ويسكندا” تقع أقصى غرب الأرض وهي من المناطق الغير مكتشفة, هناك نجد قرية صغيرة الحجم منعزلة عن العالم ولا يعرف عنها أحد لكثافة الأشجار في المنطقة. منازلها بنيت جدرانها من أغصان الأشجار وأسقفها من القش, وسكانها الذين لا يتعدى عددهم المئة وخمسين فردا وبسبب قساوة الحياة هنالك جعلت منهم أقوياء وأشداء و بنيتهم ضخمة. تختلفالطبيعة هناك قليلا حيث أن حجم بعض الحيوانات والنباتات متغير فهي أكبر حجما بقليل من التي نراها.

اجتماع أهل القرية للطعام

إجتمع أهل القرية على وليمة ضخمة مزينة بشتى أنواع اللحوم والفاكهة الغابية ,ليبدأوا في الأكل كالوحوش الضارية التي تأكل فريستها ولا تترك فيها إلا العظام فالقوي لا يترك شيئا للضعيف ومعارك قاسية من أجل قطعة من اللحوم. حتى دخل عليهم زعيم القرية “أوغين” ليعم الصمت والهدوء ذهب وجلس في مكانه ثم نظر إليهم بوجه يرتعد كل من يراه ثم قال لهم: “كلوا وإستمتعوا فغدا مصيركم الجحيم, فمن يريد خلافتي في زعامة القرية فعليه بصيد أشرس مخلوق ويأتيني به .”.

تصارع الشباب من أجل الوصول للخلافة

بدأ الشبان بالصراخ وأيديهم تضرب الطاولات لتصنع صوتا يدب الرعب في النفوس, و عند الغد أشرقت الشمس على وجه كل من يريد الزعامة, وجوه مليئة بالشغف والتحدي وجوه لا تهاب حتى الموت نفسه. جاءهم الزعيم الحالي “أوغين” وقال لهم: “اليوم يومكم لتخرجوا روحكم القتالية ولتتحدوا الموت أعرف أن لا شيئ سوف يوقفكم في أيديكم ثلاثة أيام من يأتيني بالصيد أولا يكون هو الزعيم التالي هيا إذهبوا وافترسوا”.

ما هو الشرط الذي طلبه الزعيم للوصول للخلافة؟

انطلقوا راكضين كل واحد في إتجاه والحماس في أوجه, مرتدين جلود الحيوانات وسلاسل من عظامها وحاملين معهم الرماح وجسدهم مطلي بالدماء كتميمة للحظ بالنسبة لهم. بدأت رحلة الجحيم ورحلة تحديد مصير القرية, وأحد المرشحين المنتظر فوزه الموصوف بالأسطورة من قبل زعيم القرية نفسه الملقب بالإثني عشر إصبع وذلك لأن لديه إصبعين زائدين في أيديه

بحثْء “لاف” عن الحيوان المفترس لنيل الخلافة

“لاف .” انطلق داخل الغابة وهو مقرر من قبل نوع صيده وهو الحيوان المذكور في أساطيرهم أنه الاقوى والأشرس, حيوان غير مذكور في أي سجل ولا أحد يعلم عنه إلا أصحاب القرية فهو ضخم جدا ولديه أربع أنياب تخترق أي فريس ة كانت و تمزيقها بمخالبه الحادة, ولونه الذي يتماشى مع ألوان الغابة والذي يجعله من الصعب الكشف عنه بسبب تمويهه المميز. ولكن وبالنسبة ل” لاف” لن تكون إلا رحلة بحث عن الحيوان لا غير, بجسده الضخم وقوته الإستثنائية وأحاسيسه المشحوذة لن يطول الأمر عليه لصيد فريسته.

الصراع الذي حصل بين لاف والوحش

أخذ يمشي بإتجاه منطقة معين ة داخل الغابة فغرائزه هي التي تدله وهو يتبعها, و مع حساب وتحليل كل خطوة يخطوها وتفقد كل شيء موجود حوله يلمح” لاف” شيئا خافت يتحرك أمام مرمى بصره ليرمي رمحه بإتجاهه. وما كان إلا أن يصيب فريسته التي كانت مموهة ولولا أحاسيسه القوية لكان هو الفريسة, ولكن رمحه لم يصب أي منطقة حيوي ةليأتي إليه الوحش راكضا ولكن” لاف” لم يهب منه ليركض باتجاهه هو الثاني فتصارع معه بيديه العاريتين. دام القتال بينهم لساعتين كاملتين وفي الأخير إنتصر عليه ” لاف” ولكن الوحش ترك بعض الندوب على جسده.

خيبة أمل لاف بسبب تسليم الزعيم الحكم لباستيا

لم يشعر “لاف” أنه أصيب ولم يحس بأي آلم لشدة فرحه بصيده. رجع” لاف” للقرية وهو يبتسم وأول ما وصل إلى القرية ذهب بإتجاه منزل الزعيم الحالي “أوغين” ولكن حصل شيء لم يتوقعه أبدا, رأى “باستيا” جالسا مع الزعيم نظر إليه وهو يسخر منه :”ماذا يا “باستيا” هل خفت وإنسحبت… !” ولكن إجابة الزعيم جعلته يرجع للواقع ويغادر أرض أحلامه :”باستيا اصطاد “فينوم” وجاءني به قبل فترة من وصولك”. لم يعرف” لاف” ما سيقوله او يفعله وخرج من دون أن يتحدث بأية كلمة ،

ما هي قصة الغابة التي أخبر الزعيم عنها باستيا؟

بعد أن خرج أخذ “أوغين” يتحدث مع “باستيا” و قال له :”سوف أخبرك بشيء مهم عن أحد أساطير القرية والتي لا يعرف عنها إلا زعماء القرية وبما أنك الزعيم الحالي سوف أخبرك بها, يوجد مكان بالغابة بعيد قليلا عن القرية يسمى”فينيس ” هذا المكان لا يجب أن يقربه أحد ومصير اللاعودة كل من يدخل هناك ولكن لا أحد يعلم ما يحصل بداخلها. وعلى حسب الأسطورة هناك يوجد أشياء لا يمكنك حتى تخيلها أو تحلم بها.”. خرج ” باتسيا ” من عندالزعيم والابتسامة تعلوا وجهه بسبب فضوله الذي لم يتركه حتى أقنعه بالذهاب.

الفضول الذي أصبح ينتاب باستيا لرؤية تلك الغابة

وصل إلى منزله ثم تمدد على فراشه وراح يجوب في أفكاره ويتساءل :”ماذا حصل للأشخاص الذين دخلوا هناك ولماذا لم يستطيعوا الخروج…؟”. الكثير من التساؤلات ولكن ولا إجابة واحدة بداخل رأسه, لم يستطع النوم من شدة الفضول والحماسة ليتوجه إلى هناك في الصباح الباكر دون علم أحد ودون الاهتمام بتحذيرات الأسطورة وفكرة الرجوع للخلف غير موجودة برأسه.

ذهاب باستيا لتلك الغابة

مشى لساعات وأيام ولم يكن يعلم أنه فعلا بداخل “فينيس” حتى لاحظ أشياء غريبة جدا, منذ مدة لم يلحظ ولا حيوان واحد أو أي حشرة, وبالنهار يكون البرد قارسا لدرجة أن أسنانه تطقطق مع أنه مرتدي أسمك جلد وبالليل حرارة عالية ومن شدتها ينتزع كل ثيابه. وبعد ذلك إلتقى بأشجار متلونة بثلاث ألوان ولكن ما أذهله أكثر هي ثمارها الضخمة, لم يأبه لشكلها وحاول أن يأكل منها لأنه كان جائعا جدا فهو لم يأكل منذ يومين, وحين أمسكها صغر حجمها بيده لتصبح بحجم الثمار العادية ولكن شكلها كان مختلفا كليا كانت مدببة وبأشكال مخربطة غير مفهومة.

الفاكهة والأشياء الغريبة التي وجدها هناك

أكلها “باستيا” ووجدها حلوة وذات طعم رائع وليلحظ بعدها بمدة تغير لون بشرته إلى لون الفاكهة, رمى الفاكهة مباشرة وبعد ما رماها رجع لون جسده الطبيعي تدريجيا ففهم أن جسده امتص لون الفاكهة لذلك صغر حجمها. شبع “باستيا” بعد أكله الكثير من الفاكهة ولكن عطشه الشديد لم يزل ليذهب ويكمل طريقه بحثا عن الماء, لينصدم وينذهل بتغير لون الغابة تدريجيا كل ما تعمق بداخلها من الأخضر إلى الأصفر إلى الأحمر وهكذا. وبعد البحث قليلا لمح بركة فركض بإتجاهها ولكن ما وجده سائل أسود اللون, لم يعرف إذا بإمكانه الشرب أو لا فقرر أن يتذوق منها قليلا ويرى طعمها ولما وضع فمه ليأخذ رشفة تجمدت البركة في لحظة ولم يستطع الشرب منها.

عطشه  الشديد وبحثه عن الماء

جن جنونه وأصبح يركض ويضرب أي شيئ بإتجاهه حتى وقع بحفرة ومن حظه لم تكن عميقة ولكنه وقع على سائل مختلف عن الأول كان أصفر اللون ومن جنونه شرب منه مباشرة ليجد أنه لم يشرب أطيب او أحلى منه. وبعد ما إرتوى وعاد إلى طبيعته أخرج نفسه من الحفرة ليجد نفسه أنه بداخل ضبابة غريبة لونها رمادي ومن كثافتها لم يستطع الرؤية جلس بمكانه وأخذ يحدق بها حتى بدأ رأسه يؤلمه بشدة وسرعان ما فقد الوعي. وبعد مرور ساعات استيقظ ولكن الضبابة لم تزل ولكن هذه المرة مختلفة عن سابقتها كان هناك أضواء تسبح في وسطها على أشكال حروف وأرقام وهو ينظر إليها لكنه لم يفهم أي شيء حتى بدأ ذلك الضوء بالتوجه إلى رأسه والدخول إليه.

في الأول لم يفهم ما حدث حتى انقشع الضباب وحمل قطعة معدنية كانت أمام قدميه ليبدأ عقله بتحليلها. تركيبتها الذرية, حساب مقاومتها للحرارة, صالبتها … ما تحصل عليه من الضباب كان منبع كل علوم الأرض ليصبح “باستيا” اكثر إنسان حامل للعلوم وأذكاهم, تغير تفكيره كليا فقد أصبح مهووسا بالإختراعات وإكتشاف تغييرات جديدة لأنماط الحياة البشرية.

الحيوان الناطق الذي وجده هناك

تحرك “باستيا” من ذلك المكان ليتفاجأ بشيء يمسكه من الخلف ويسحبه, إنه حيوان طوله متوسط ولونه أخضر ولكن من دون أنياب أو مخالب وكان يتكلم مثل البشر وبعدة لغات, أصبح رفيقا ل “باستيا” في رحلته. وبعد ُمُضي عاما عن حادثة الضباب كان “باستيا” قد اخترع الكثير من الأجهزة التي لم يسبق للبشرية وأن إخترعتها وكان حجمها صغير ولكن ما تنجزه نراه إلا في الخيال , وقد حل لغز الغابة وهو ذلك اللغز الذي لم يفلح أي أحد من الخروج منها وما إكتشفه أن الغابة كل فترة زمنية تغير من شكلها وهيكلتها لكي لا يستطيع أي أحد من إيجاد المخرج.

خروج باستيا من تلك الغابة ونجاح مهمته بعد عامين

ولكن “باستيا” وجد طريقه للخروج بإتباع تلك التغيرات, وفي طريقه للمخرج إلتقى مع آخر شجرة والتي كانت مثل آخر حاجز للخروج. بشكلها الذي يسر الناظرين وفاكهتها اللامعة وريحها الزكية, إقترب “باستيا” منها وأمسك أحد ثمارها بنية اللون وأخذ يحلل مكوناتها ليجد أن تلك الفاكهة فيها آنزيم يحول البشر إلى حيوانات ناطقة, وهو ما حصل مع رفيق سفره “جان” فقد كان أحد أولئك الذين دخلوا ولم يخرجوا.

وجد “باستيا” مخرجه ومعه “جان” وهو محمل بأجهزته لينتهي ذلك الكابوس الذي دام عامين كاملين. توجه مباشرة نحو القرية ولكن ولا أحد أراد إستقباله أو التكلم معه وذلك لمخالفته معتقداتهم. ذهب لمنزله ولم يأبه للأمر فقد كان كل تفكيره تجربة أجهزته, ومع تشغيله لأول جهاز إنطلق منه شعاع قوي إتجه مباشرة نحو طبقة الأوزون ليغير من شكلها ويجعلها سميكة وذات لون أحمر لتحجب بذلك أشعة الشمس. وهذا ما إلتقطته الأقمار الصناعية الأمريكية وكان سببها “باستيا” من داخل غابة “ويسكندا.” (اقرأ المزيد من المقالات على موقع مقال من قسم قصة، وشاهد مقاطع فيديو موقعنا على اليوتيوب).

بقلم: ميساء عبد الهادي أحمد نصار

 

أضف تعليقك هنا