العناصر التداولية في قصيدة الإمام علي الهادي عليه السلام للخليفة المتوكل

من دواعي العلم خدمة الدين المتمثل بكلام الله تعالى ورسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم صحبه وآل بيته الكرام ، وبعد أهمية الدراسات اللسانية في بيان وكشف معاني الكلام فقد ارتأيت أنْ أكتب عن عناصر التداولية عند إمام من أمة آل البيت عليهم السلام ألا وهو  الإمام علي الهادي عليه السلام ، أمَّا عن سيرته فقد جاء في وفيات الأعيان  هو ”  أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا – المقدم ذكره – وهو حفيد الذي قبله، فلا حاجة إلى رفع نسبه، ويعرف بالعسكري؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية.

قصة الإمام علي الهادي عليه السلام مع الخليفة المتوكل

كان قد سعي به إلي المتوكل وقيل إن في منزله سلاحاً وكتاباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنه يطلب الأمر لنفسه، فوجه إليه بعدة من الأتراك ليلاً فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط ألا الرمل والحصى.

فأخذ على الصورة التي وجد عليها وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ولا حالة يتعلق عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني منه، فأعفاه وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، قال: لابد أن تنشدني فأنشده (3) :[البسيط ]

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل

واستنزلوا بعد عزٍ من معاقلهم * فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخٌ من بعد قبروا *أين الأسرة والتيجان والحلل

أين الوجوه التي كانت منعمةً * من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا * فأصبح بعد طول الأكل قد أكلوا

قال: فأشفق من حضر على علي وظن أن بادرة تبدر إليه، فبكى المتوكل بكاء كثيراً حتى بلت دموعه لحيته وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب ثم قال: يا أبا الحسن، أعليك دين قال: نعم أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرماً.

لمحة عن حياة الإمام علي الهادي

وكانت ولادته يوم الأحد ثالث عشر رجب، وقيل يوم عرفة سنة أربع عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائتين. ولما كثرت السعاية في حقه عند المتوكل أحضره من المدينة وكان مولده بها، وأقره بسر من رأى وهي تدعى بالعسكر، لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره، فقيل لها العسكر، ولهذا قيل لأبي الحسن المذكور العسكري لأنه منسوب إليها، فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر. وتوفي بها يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة، وقيل لأربع بقين منها وقيل في رابعها، وقيل في ثالث رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره، رحمه الله تعالى( وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان 3/ 273 -274 ) .

بماذا تمثلت عناصر المداولة في قصيدة أبي الحسن؟

أمَّا التداولية فيقصد بها المداولة بين المتكلم والسامع وإظهار عناصرها عن طريق السياق وجاءت في قصيدة الإمام علي الهادي عليه السلام وتمثلت في :

الإشارات :

توجد الاشارات في كافة لغات العالم ؛ لتعبير عن المعنى الإشاري للكلمة ، ومن هذه الاشارات المكانية في قوله ( قلل الأجبال )والمقصود به قمم الجبال ، أى : حكمهم فهم على القمة موازنة مع عامة الناس ، و الإشارة الثانية ( واستزلوا بعد عز من معاقلهم ) أى ، أنزلهم الله تعالى من الحكم إلى القبر ، أمَّا الإشارة الزمانية ( قد طال ما أكلوا دهرا )و ( بعد طول الأكل قد أكلوا) أى : بعد رفاهيتهم أكلهم التراب ، وهذا هو دين التراب عليه فالإنسان يأكل ويشرب من خيرات الأرض ، وحينما يرجع إلى أصله يقوم التراب بأكل لحمه وشرب دمه .

الافتراض المسبق :

ويقصد به أن المتكلم يحدّث السامع بأشياء ستكون مستقبلاً ، أى أنَّ الكلام الذي ذكره الإمام علي الهادي عليه السلام معلوم لدى الخليفة المتوكل في ( ناداهم صارخ إلى آخر الأبيات ) فالصارخ يذكرهم بأيام العز والرفاهية ، والمخاطب يستطيع أن يعدل عن عمل السوء في الدنيا لأجل الآخرة .

الاستلزام الحواري :

والمقصود به أن النص فيه كلمات ظاهرة وواضحة ، وقصد من هذه الكلمات ، فالقصيدة كلماتها واضحة ، ولكن المعنى الذي أراده الإمام علي الهادي عليه السلام هو إيصال الفكرة للخليفة وحاشيته حينما رآهم ما هم عليه ، والفكرة هي قرب انتهاء حكمهم واقتراب أجلهم ، وما يفعلونه سيحاسبون عليه .

السلالم التداولية :

ويقصد بها مراحل الكلام في اقناع الأشخاص عما يريده المتكلم فالبيت الأول والثاني يذكرهم بحالهم الذي هم فيه ، أما الأبيات الأخيرة فيخبرهم فيما سيحل بهم في قبورهم .

الأفعال الكلامية:

وهي تؤدي أفعالاً بعد الكلام ؛ لأسباب اجتماعية ، ويمكن تقسيمها عند اوستن إلى إخبارية وهي تحتمل الصدق والكذب ، أمَّا في هذا المقام فالأخبار تحتمل الصدق والكذب ؛ لأنَّ الإمام علي الهادي عليه السلام يروي ما ذكره القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عن طريق الشعر ، أمَّا الإنشائية فهي لا تحتمل الصدق والكذب وتقسم إلى طلبية مثل النفي ( فما أغنتهم ، وما شربوا ) ، والاستفهام في ( أين الأسرة ، وأين الوجوه ) ،أمَّا الإنشاء غير طلبي فيتمثل في ( يا بئس ما نزلوا ) .

الروابط التداولية :

وهي وجود روابط بين الكلمات أو الجمل مثل حروف العطف ، أو أدوات السبب مثل إذن  وإذا وحروف التعليل  كالفاء السببية ولام وكي التعليل ، نحو الفاء في ( أودعوا ) والواو في( الكلل وشربوا ).

بقلم: أ.د.صباح علي السليمان

أضف تعليقك هنا