الجسد وإمكانيات تمثيله فوتوغرافياً وسينمائياً عند شيرين نشات

تقدم شيرين نشأت التصوير الفوتوغرافي في شكل أسئلة تدور حول فلك الحضور المادي والأسلوبي المعبر عن الهوية الجذرية الإيرانية فهي لا طالما و بأساليبها المختلفة تبحث عن أدلة واقعية لوجود المرأة و لتخلد لحظات تمكننا من فهم مضمون حضور جسدها كوسيلة تعبيرية تمكنها من تقديم ما تريده للمشاهد طيلة محاولتها البحث عن هوية ذاك الجسد الأنثوي “الإيراني” على وجه التحديد.

شيرين نشأت وإبداعها في الفن الفوتوغرافي

كما أنها لطالما تحاول فهم ذاك التضارب الهوياتي في شخصها وداخلها من جذورها إلى هويتها المغتربة إما عبر الصور الفوتوغرافية ذات القيم الضوئية (الأسود و الأبيض) أو عبر ملامستها السمعية البصرية لأفلام قصيرة أو أفلام طويلة و خاصة عبر مطية الجسد فكان حضوره حضورا متميزا أو فريدا من نوعه و خاصة قويا فتمثيله في الفن الفوتوغرافي أولا أمر أساسي لبناء تلك المعادلة الفنية /الإيديولوجية و علاقتها بالقضايا المعاصرة.

كما أنها تنبش في ثنايا التفاعلات التقنية المتغيرة التي تشكلت بها الأفكار و الممارسات الفنية التي صاحبتها بالتوازي و مع القراءة المتأنية تتضح نوعية الهواجس والتساؤلات التي تطرحها نشأت و مدى مقاربتها للمنظور الأنثوي الشرقي و الغربي معا ”

في بداية الأمر من خلفية التصوير الفوتوغرافي ، أصبح الفيلم والفيديو جذابًا لأنهما كانا امتدادات للتصوير الفوتوغرافي بالنسبة لي ، بحيث أصبحا “صورًا متحركة”. لقد انجذبت حقًا إلى القدرة على إنشاء عمل يروي مفهومه في أكثر من صورة واحدة بدلاً من مجموعة من الصور.

انتفالها إلى الأفلام والروايات

في وقت لاحق، أصبحت مهتمة بالفيلم بشكل أكبر بسبب منظوره السردي والسينمائي – أصبحت أخيرًا قادرًا على الانتقال من شكل بصري بحت إلى رواية.” [1] هذا ما أكدته نشأت ضمن محاورة أجرتها مع الصحفي و الناقد البريطاني ديفيد شابيرو سنة 2007 هذه الإشكالية التي لا طالما أكدت عليها في إطار لقاءاتها و شرحها الفني لأعمالها لتعود بالأساس إلى أنها تخطت بصورها الفوتوغرافية حد النقل الحرفي الاعتباطي للواقع بل أصبحت الفوتوغرافيا وسيطا وجدانيا تعبيريا يخاطب الأحاسيس و ما يجول فكرها و خاصة فيما يتعلق بمعضلة الجسد و تمثلاته.

تجربة شيرين نشأت في الكتابة النسوية

ولإعطاء صورة واضحة وجلية لمشكلات التنقل من الجسد المقنن المتدين إلى فتنة الكتابة المشهدية ذات الحبكة الدرامية التي شغلت شيرين نشأت تحديدا منذ ممارستها الأولى الفوتوغرافية و عن التقاليد الفكرية التي ترتبط بها المعالجة لتلك المشكلات فبدا لنا أن المنهج الأكثر ملائمة هو أن ننطلق من مفهوم الكتابة النسوية، التي صنفت ضمن مصطلحات عديدة، من بينها الكتابة النسائية و كتابة المرأة و الكتابة النسوية.  و التي من خلالها ظلت المرأة الإيرانية تحديدا تصارع بقلمها و جسدها ذكورية المجتمع و قيمه المفرطة في هدم قيمة المرأة.

محاولة التحرر من القيود عليها. وهذه الكتابة التي خاضتها المرأة الإيرانية بجسدها أثار شهيتنا البحثية فحاولنا تناولها و تحليلها عبر بناء مقاربة سينمائية تشكيلية لتجربة شيرين نشأت مع الخوض في الآن نفسه فيها، فاتخذنا نموذجا للكاتبة الإيرانية “شهرنوش يارسي يور” shahrnush parsipur و التي كانت مؤلفاتها انطلاقة لمجموعة من الأعمال الفيلمية لنشات كنساء بلا رجال…إضافة إلى هذا السبب، هناك أسباب عامة شجعتنا على الخوض في هذا الموضوع و منها :

الأسباب التي دفعتها لهذه التجربة

  • الوقوف على طبيعة العلاقة بين ذات المرأة و كينونتها من جهة و بين جسدها و شهوتها من جهة ثانية .
  • إن الجسد الأنثوي من الطابوهات التي لا يتناولها إلا قلة من الباحثين في البيئة الفنية الإيرانية، لذا أردنا أن نحدد بعض تمثلات الجسد الأنثوي عند نشأت على وجه الخصوص و يطرح هذا الجزء العديد من التساؤلات حول: كيف تمثلت صورة الجسد الأنثوي في أفلام نشأت القصيرة ؟ هل كان حضور الجسد مغايرا لحضوره فوتوغرافيا ام كانا ضمن نفس الخلية و المدار الجمالي ، الإيديولوجي و الفني؟

إن البحث في التراث النظري أو البصري للجسد من منظور أنثوي شرقي و رصد أوجه التشابه و الاختلاف بينه و بين المنظور الغربي هو محاولة بالنسبة لنشات في الوصول لبناء علاقة مستحدثة معاصرة تجسد مشاعر المرأة و صورتها في عالمها المصغر و البحث في الطرق التي مثل بها الجسد على مدار ممارسة نشأت الفنية مسارا لاستكشاف مجموعة من العلاقات التقنية أولا ما بين الفوتوغرافيا و السينما و بين تفسيرات الهوية و الثقافة و التراث و علاقتها برؤيتنا لذواتنا.

مثّلت شيرين نشأت قضايا مجتمعها

تعتبر نشأت نموذج الفنانة المعاصرة بامتياز التي قدمت بثبات قضايا مجتمعها خاصة و أنها قد شهدت التحولات الثقافية و السياسية بعد ثورة 1979 و عاشت أحداثا أليمة و متناقضة و استخدامها للتصوير الفوتوغرافي هو تعبير عن وضع المرأة الإيرانية داخل فضاءها الضيق مستفيدة بطريقة ضمنية من تجربتها الشخصية و تستقي صورتها الفنية من تاريخ بلادها المظلم لتعالجها و تعيد خلقها وفقا لتصورها الذاتي.

فاستخدمت نشأت التوثيق التاريخي إلا أن أعمالها لم تلقى بالترحيب و القبول في القانون الإسلامي بعد الثورة لا بل لاقت الرفض التام. لكنها تضمن هيئة عصرية في بعض الصور و هو ما يشير بشكل صريح للصدام الثقافي القائم في المجتمع و التساؤلات حول تأثير التقدم على التقاليد و العكس فتبرز من خلال بناء اللقطة إشكالية الماضي و الحاضر و ربط الصور الذهنية الاسترجاعية للمرأة الإيرانية عبر ثقافة الجسد.

الخصوبة السينماتوغرافية

الجسد الأنثوي و أصل الخلق الفني : الخصوبة السينماتوغرافية ” إن الجسد هو أولا قبل كل شيء شكل يؤطر أشكالا أخرى ، حدودا ، دوائر ” [1]من الصعب العثور على تصورات أكثر مركزية و أهمية في أعمال نشأت من تلك الأحداث السياسية و الأسباب الإيديولوجية و المتغيرات الموضوعية أو التقنية و الحالات النفسية و التي من الممكن ان نطلق عليها بتصورات بنية الحدث داخل الصورة الفوتوغرافية أو داخل الفيلم على حد السواء.

المواقف التي رسّخت فكرة الكلاسيكية والموضوعية

كانت هذه المواقف تقوم على ترسيخ فكرة الكلاسيكية و الموضوعية لكونها مبدءا مركزيا و يقوم على بعدين أولهما مفهوم الجسد و مسالة العري و هنا تتعمد إخفاء أجزاء من جسدها أو جسد شخوص أخرى و إبراز مناطق أخرى أما البعد الثاني : “النص” آو الرواية فنشأت لا يصعب عليها إيجاد حكاية أو قصة فمجمل أعمالها تنطلق و ترتبط بذاكرتها أو طفولتها فكما سبق و أوضحنا ما بين ثنائية الجسد و النص تقوم ثنائية الستر و الكشف في الآن نفسه و التي بطبيعتها تطرح التساؤلات و تعيد صياغة المفاهيم حيث لا نستطيع وضع تأويل مألوف لمثل هذه المسالة.

فوضع إيران ضمن فضائها الفوتوغرافي مع إضافة عناصر من الهوية الفارسية كالبندقية و الوشي …. هي مقاربات موضوعية تقليدية في فلسفة الهوية الفنية المعاصرة لدى نشأت و القائمة على المنظور الحسي المشترك ما بين الموضوع الكلاسيكي “الجسد و المرأة” مع التقنية المعاصرة “فعل التقاط الصور ” و التي ببساطة نقلته الى السينما ضمن مسببات و وضعيات فنية متحركة عبرت اولا عن الهوية الإيرانية و تنسحب تحت طائلة الأحداث و الصور الدرامية و خاصة التغيرات      و الحالات السردية السينمائية.

لقد نظر إلى فيلم “نساء بلا رجال” كمجموعة من التصورات التي بنيت على حدث تعلق بالأساس بمسالة التقليد ذي النزعة الموضوعية باعتبارها مركزية و تأسيسية في سينما نشأت و هذا يعني أن تصوراتها المرتبطة بقضية الهوية الأنثوية الذاتية و الجماعية تتصور استعاريا انطلاقا من مفاهيم أكثر تخصصا.

(مثل الحركة المندفعة و القوة المسلطة من الشخوص) لتتكامل فيما بينها و تتفاعل فالاستعارة الجسدية لمفهوم الجنس على سبيل المثال يدخل في تكوين كل تصورات بنية الحدث فيسيطر على مجموعة من الأحداث المتتالية لتصبح الشخصية “زارين” تحديدا منطلقا لعدة مواضيع متصلة كالتمرد ، الجنس، الانفلات ألقيدي، الحرية ،….لتصبح شخصية تتمحور حول فكرة “الازدواج” لتسيطر بشدة على انتقالية الصورة عند نشأت من فوتوغرافي صامت الى سينمائي حركي حسي.

طريقة الكاتبة في تصوير الموضوع

بإيجاز ما نسعى إلى توضيحه عبر الأسباب و الأحداث يشبه إلى حد بعيد ما قلناه عن الزمن و علاقته بالحركة فتصور الموضوع مع الحدث السينمائي لدى نشأت ليس فقط مجرد انعكاس فطري لصورة فوتوغرافية على محمل متحرك سمعي بصري فقط بل نلاحظ بالأساس كيف يدعم الجسد كل حركة  و يرسخ لمعانيها جانب حرفي و لكن يعيرها استعارة تطرق باب الدال و لا يمكن التغاضي عنها أو المرور العابر حولها.

كما في حال الزمن / الحركة فان المنظور الذي سنتوصل اليه فيما يتعلق بالاحداث و انعكاسها على الخطاب السينمائي فهو تحليل الحدود الفنية و الجمالية للصورة الفيلمية التي خرجت من حدود إطار الفوتوغرافي إلى اللاحدود عبر الجسد و بالتالي فان السؤال هنا هو العثور على الربط او النقطة الحاسمة لتلك اللحظة المتحركة التي تلي سكون الصورة الفوتوغرافية نحو”كمون” السينما حيث يتم تشغيل محركات الجسد و يدعمهه بالكامل .

كما سنلحظ في انسقتنا التصورية لانتاجات نشأت عددا هائلا من التصورات المتباينة للجسد و لكل منها منطق و وجه مغاير عما ألفناه فزارين ،مونيس، فائزة، مهدخت و فروخ هي هيئات متباينة و لكن لكل منها منطقها و وجهها المغاير لتعبر في النهاية عن نماذج فنية بصرية ، سردية و سينمائية.

سينما الواقع عند شيرين نشأت

تحملنا هذه الأفكار إلى حضور مفهوم سينما الواقع عند نشأت حيث أن مختلف نظريات الجسد المقترحة منذ الصورة الفوتوغرافية تعكس البنية الرمزية للتراث الثقافي حتى تصبح شفافة بعبارة أخرى كل ما تقدمه يشهد ظهور طبيعة حسية عاطفية ناتجة عن ظهور ذهن متجسد في جسد فوتوغرافي معاد سينمائيا.

انطلاقا من هذا النقاش فان نساء نشأت لسن على الهامش بل نستطيع أن نرى انبثاق نظريات مختلفة تتخطى الحدود الاجتماعية و الحيوية و لكن تذهب بها إلى ابعد من إطارها المكاني و الزماني و السردي عن جماليات الإطار السينمائي و هو بالضبط من أثار التجاوز و التفاعل.

التأطير المستمر الذي يعطي للفيلم  معنى هو التعبير الحساس لعدم الحاجة الى العثور على الهوية الفنية الضائعة بل التعرف على شخوص ينتمون إلى هذا العالم و قادرين على التكيف مع الرواية في الآن نفسه إذا لم يتم اقتطاع الرموز    و المعان الاستعارية الملازمة للصورة فان نظرية التفاعل صحيحة و لا تغدو كاذبة فحسب بل تصبح ذات رؤية تقنية جمالية فهاته الأجساد الأنثوية تعطي خصوبة للصورة السينمائية.

  • [1] “Le corps est d’abords une forme .une forme qui encadre d’autre formes, les limites , les cernes. » Jean –Louis Camolli : corps et cadres .Cinéma , éthique et politiques ,Editions Verdier 2012.P17
  • [1] – مقابلة بين شيرين نشات و ديفيد شابيرو youtube.com

بقلم: جيهان القارة

 

أضف تعليقك هنا