مجالس قرآنية 10 (العصف المأكول)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)”  الفيل. الحمد لله القاهر الجبار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وبعد:أجمع أهل التربية أن من أنجح أساليب التوجيه والنصح طريقة الاستفهام، وهو ما استخدمه القرآن الكريم منذ أكثر من ألف سنة؛ حيث قال:

أسلوب الاستفهام الذي اتّبعه القرآن

“ﱽ ﱾ “مع أن هذه الواقعة وقعت قبل المبعث بزمان طويل، فإن المراد من الرؤية العلم والتذكير، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر، فكان العلم الحاصل به ضرورياً مساوياً للرؤية البصرية، ثم ذكّره بالكيفية فقال: “ﱿ” من باب الإثارة والتشويق، وهي دعوة للنظر والتأمل بالطريقة التي ” ﲀ ﲁ”، فعل إشارة إلى عِظم الحدث؛ فهو خلق  جديد وتغير في الطباع شديد، ثم قال: “ربك ” دون غيره، فهو المهتم بك والمًعتني بشأنك والقادر على نصرك وحفظك، وذكر الكاف هنا من باب التشريف، فما فعلته من أجلك، فاطمئن فأنت في عنايتي ورعايتي، ومن البديهي أن تسأل فعل ماذا وبمن؟

تفسير سورة الفيل

فيأتيك الجواب: “ﲂ ﲃ”!؟روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء، وسماها القُلَّيس، وأراد أن يصرف إليها الحجاج، فخرج من بني كنانة رجل وتغوط فيها ليلاً، فأغضبه ذلك. وقيل: أججت رفقة من العرب ناراً فحملتها الريح فأحرقتها؛ فحلف ليهدمن الكعبة، فخرج بالحبشة، ومعه مجموعة من الفيلة يتقدمهم فيل قوي عظيم، فلما بلغ قريباً من مكة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ جيشه، وقدم الفيل فكانوا كلما وجهوه إلى جهة الحرم برك ولم يبرح، ثم جاءهم العذاب كما ستذكره السورة.

شرح معاني الآيات

ولنبدأ بذكر جريمتهم، لكن بنفس أسلوب الاستفهام  ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ” الكيد هو إرادة المضرة بالغير على الخفية؛ فهم مع سعيهم الظاهر في هدم الكعبة، فهناك إضمار لحسد العرب وإرادة صرف الناس إلى مبناهم الجديد، وبقدرة “ربك ” جعل كيدهم ” ﲈ ﲉ” التضليل الإبطال والضياع،  واختار حرف المصاحبة “في “، أي مصاحبة الكيد مع الإبطال  مصاحبةً شديدةً لا يفارقه، فلم تنفعهم قوتهم ولا أفيالهم. ولعلك تسأل: كيف حصل الضياع والإبطال؟ فيأتي الجواب:

(ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ): إرسال رباني، وهي مُرسلةٌ لهم فقط دون غيرهم، ماذا أرسل؟ “طيراً ” هكذا نكرة، وليس الطير لبيان حقارتها؛ فهي طيور صغيرة، وأيضاً لتفخيم عملها، أتت على شكل “أبابيل “، أي جماعات متواصلة ومتصلة وكثيفة، أما وظيفتها:

إعجاز القرآن الكريم

(ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ) وجيء بصيغة المضارع لاستحضار الحالة وتخليها لدى القارئ والمستمعº فكل طير يحمل حجارة يرمي به أولئك بدقة عالية وبدون خطأ، وتلك الحجارة كانت كافية للقضاء عليهم؛ فهي حجارة من “سجيل “، أي من طين مطبوخٍ في نار جهنم، مكتوبٌ عليها أسماء القوم؛ فهو من السجل، وكان الحجر كالحِمصَّة، وفوق العدسة. والله أعلم.

(ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ) الفاء للتعقيب السريع، أي أن عذابهم لم يستغرق وقتاً طويلاً، فتقطعت أوصالهم؛ فأصبحوا كعصفٍ، وهو ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد تعصفه الرياح فتأكله المواشي ثم ألقته روثاً، ثم يجف وتتفرق أجزاؤه، فشبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث.

لما ردّ الله الحبشة عن مكة، عَظَّمت العرب قريشاً وقالوا: أَهلُ اللَّهِ، قاتل عنهم، وكفاهم عدوّهم؛ فكان ذلك نعمة من الله عليهم، وكان ذلك إرهاصا لبعثة الرسول الكريم r  الذي وُلِد في هذا العام. اللهم احفظنا بحفظك، وثبتنا على دينك، واحشرنا في زمرة نبيك. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

فيديو مقال مجالس قرآنية 10 (العصف المأكول)

أضف تعليقك هنا