“الدختور مازال أبخص” ج2

مثل “الدختور أبخص” إنموذج للاستلابات المعرفية، فقبل فترة ليست بعيدة – أو قد ما تزال – بمقياس التاريخ البشري، شاع مثل شعبي وتداولته الألسن، حاملاً في طياته دلالات ومضامين المشهد الثقافي والاجتماعي …..الخ، والتي ترى في جميع السياسات والإجراءات ما يقوله ويقرره “الدختور أبخص” هو الأصح على الإطلاق دون تحفظ أو مجرد سؤال.

قصة المثل “الدختور أبخص” 

ومناسبة هذا المثل، والأمثلة كثيرة والعهدة على الراوي، أنه أُصيب إنسان في ريعان الشباب بحالة إغماء  – وليس موتًا دماغيًا، لنبتعد عن الجدل الحجاجي التداولي المنطقي الطبي؟- وعلى الفور تم استدعاء الطبيب العربي البطل، وبعد القاء النظرة الإكلينيكية وتم تشخيصه سريريا بأن المدعو توفيا وكانت أسباب الوفاة Cause of Death  -السبب الأولي أو الاساسي -، قرحة في الاثني عشر، تفاقمت إلى سبب أخر السبب الثانوي أو السابق – ونتج عنها التهاب حاد في الغشاء البروتوني Antecedent cause (Peritonitis)، وتطورت الحالة إلى السبب الأخير إلى انفجار الغشاء البروتوني- السبب الأخير-  الذي قاد إلى الوفاة،

الشاب الذي مات في ريعان الشباب

وهذه الأسباب المؤدية للوفاة لا تحتاج إجراء Autopsy، لأن لديه حدس يُغنيه عن تشريح الجثة من جهة والخلاف الشرعي من جهة أخرى، حينها أعلن الطبيب في مؤتمره الصحفي مترجلاً وواثقاً، وقال بكل جرأة بأنه وبناءً على البراهين الطبية أن هذا الإنسان، قد انتقل إلى رحمة ربه مُنذ نصف ساعة وأربع دقائق وثلاثة أجزاء من الثانية، ودعا لذويه بالصبر والاحتساب لأمر الله، والإيمان بالقضاء والقدر، لنجد في مجمل الأحداث أيها السادة مضاعفات وليست أخطاء، ليتم منح ذوي المتوفى شهادة وفاة، لتقديمها إلى من يهُمه الأمر دون أدنى مسؤولية، ليبكي الجميع على لحظات الفراق، وكأني بمحبيه ينـزل عليهم خبر وفاته نزول الصاعقة، وهم بين مُصدق ومكذُب، كما قال المتنبي:

طوى الجزيـرة حتى جاءني خبر      فزعـت فيـه بآمالي إلى الكــذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه كذباً        شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

عندما أرادوا دفنه ماذا شاهدوا؟

بادر ذوو المتوفى إلى إكرامه ودفنه على وجه السرعة ، وما أن مضت دقائق، حتى لحظ أحد الحاضرين من أصحاب الرؤية التدقيقية آثار إشارات حركية تصدر من المتوفى عنوة، وأخذ يلتفت يمنة ويسرى ومن الإمام إلى الخلف – وفي نفس الوقت مرعوباً من الموقف وألم الفراق – لعله يجد أحدا يشترك معه فيما لحظ ويشجعه على أن يتكلم، لكنه تذكر سريعاً المثل الشهير (الدختور أبخص)، فتجاهل الأمر، وكأن شيئاً لم يكن، بعدها تم نقل الجثمان إلى المغسلة.

هل تحرّك الميّت وهم يغسّلونه؟

وعندما بدأ المُغسل برش الماء على جسد الميت الحي، بدأ الجُثمان بردة فعل طبيعية، ينتفض من برودة الماء- كما انتفض العصفور بلله القطر-، واستغرب صاحب المُلاحظة الأولى، بينما بقية الحاضرين، لم يُدركوا ذلك لحُسن الظن المُطلق بـ”الدختور أبخص”، عندها قرر هذا الرجل أن يقول: (توقفوا يا جماعة إن صاحبنا لايزال حياً)، ومع ذلك لم يتوقفوا، واستمروا في استكمال مراحل تغسيلهُ، وقاموا بلفه بالكفن مما أدى إلى خنقه، وأدوا الصلاة عليه، وأثناء توجههم نحو القبر، تحرك (الميت الحي).

تُذكر القصة أن  الميت الحي قفز من على النعش وسقط على الأرض من هول الخطب هاريا يريد أن يعيش، وتبعه أقاربه يركضون خلفه في مشهد كاريكاتيري ضاحك، يُذكر ببطل بديع الزمان الهمذاني في المقامة المضيرية، إلا صاحبنا أبو المُلاحظة، الذي  انفجر مصدوماً من التصرفات التي لا يبررها المنطق الفطري، قائلاً: “مهلاً يا قوم إن صاحبنا حي، إنه يتكلم”.

حاول الميّت الصراخ ولكن لا حياة لمن تنادي

لكن لا حياة لمن تنادي، وصرخ الميت الحي قائلاً: “أيها الناس، ماذا تفعلون بي؟”، ولم يُعره أحدٌ انتباهاً، ومن شدة الركض والحالة الهستيرية من مواجهة الموت، (إلهي أنت يا من جاد مده)، ومع تصميم وقناعة ذويه والمشاركين لهم، وحرصهم على القبض عليه، تعثرت إحدى قدمي “الحي الميت” بحافة القبر وسقط داخل القبر، واستطاع ذويه من دفنه حياً بطريقة يعتقدون أنها أمر شرعي، ولم يحاولوا الاستماع لصاحب الملاحظة، وهو يصرخ فيهم: “لا تدفنوه إنه حي، إنه حي، اتقوا الله”، وعلى وجه السرعة رد أحد العقلاء الذين شاركوا في دفنه بقوله: “يا أخي تراك ازعجتنا (منتب أبخص من الدختور).

هل فعلاً تحققت هذه القصة في الواقع!؟

إنها قصة عجائبية تحققت على أرض الواقع. بحادثة مماثلة للطفل “الميت الحي” قبل حوالي سنة تقريباً أي عام 1429هـ، حينما صدرت شهادة وفاة لطفل، وهو على قيد الحياة، بيد طبيب المستوصف الخاص، دون أدنى اعتبار لكرامة الانسان، ودون إتباع للمعايير المُنظمة لتقرير الوفاة، إن وُجدت… يتبع ج 3.

فيديو مقال “الدختور مازال أبخص” ج 2

أضف تعليقك هنا