الأصالة العربية في شعر أدونيس

إن أدونيـس من الشعـراء الذيـن دعوا بقـوة إلى الحداثـة والتجديـد في الشعـر، خصـوصا بعـد أن انفتـح علـى الحيـاة الغربيـة التـي تؤيـد الحريـة وتجاوز القديـم. وإن انفتاحـه هـذا جعـل الكثيـر من النقـاد أمثال إحسان عباس يتهمـونه بكونـه رافضـا للتراث العربـي ومتمردا لا ينظر سوى للجانـب السلبي منه. ونفس الشيء بالنسبـة ل “عائشـة عبد الرحمان” “بنت الشاطئ” التي أظهرت تشبثها بالتراث من خلال حكمها على “أن أدونيس يعمم في الحكم على التراث، وأن هذا التعميم في الحكـم غير مقبـول علـى الإطلاق، فنحن إذا قلنا إن لنا تراثا فلسنا نريـد أن نجمـد عنـد هذا التـراث، ولكـن نريد أن نعترف بهذه الحقيقة أن لنـا جذورا، أننـا لا نستطيـع حتى لو أردنا أن نقتلع ونبتر من هذه الجذور لأن العلم يرفـَض هذا أو الطبيعـة تأباه…”

رؤية أدونيس للتراث تتسم بالإعتدال والجرأة

هكذا نظرت “بنـت الشاطئ” إلـى التراث واعتبرته بمثابـة جذور لا يمكن لنا التخلي عنهـا، مهما كانـت الأسبـاب التي تدعو إلـى ذلك. وإن هذا الرأي حقيقـة الأمر هو رأي متزمـت يدل على محاولـة قوقعـة العقل العربي الإبداعي وحصره في كل ما هو تراثـي وقديـم، حتـى وإن لم يناسب هذا القديم خصوصيـة الحياة الجديدة التي تبنـى أساسا على التجديـد والإبداع. وهذا بالضبـط ما رفضـه أدونيـس، الذي سلك منحـى آخرا مغايرا يأبى الاتبـاع.
جل الآراء التـي انتقدت أدونـيس سلبـا واتهمتـه بالمتمرد على التراث، إنما هي دليـل حقيقـة الأمر على عدم فهمـهم لتوجـه هذا الشاعـر وعـدم استيعابهم لرؤيتـه الفنيـة الجديـدة التـي تمزج بين القديـم والحديث. تلك الرؤيـة التـي كانت تتسم بالاعتدال من جهـة والجرأة من جهـة ثانيـة. فهي معتدلـة مادامت تدعو إلـى الأخذ من التراث شريطـة أن يسهـم هذا التراث في الحداثـة وإضاءة المستقبل. وهي جريئـة، لأنها ترفض رفضـا تاما الاتباع والانغلاق.

أشكال التعبير الجديدة

إن موقف أدونيس هذا موقف صريح لا يحتاج للكثير من التأويلات التي قد تجرده من حقيقتـه. فهو موقـف عقلاني يرفض حصر الفن بأشكال معينة، وفي المقابل يدعـو إلى إفساح المجال أمام المواهب الجديدة. يقول أدونيس: “…إن الأوزان العظيمـة التي صنفها الخليل بن أحمـد الفراهيدي، مستقاة من موسيقية اللغة العربية. إذن، إن موسيقية اللغة العربية أوسـع من الأوزان. وكمـا ظهر نابغـة كبير مثل الفراهيدي يجب الإفساح في المجال لنوابغ أخرى ليخلقـوا من موسيقيـة اللغة العربيـة إيقاعات أخرى وموسيقى مختلفـة هذا من حيث النبوءة الفنيـة، لذلـك لا يحصـر الفـن بأشكال معيـنة. الفن أمامـه لا نهائيـة من التشكيلات والتعبيـرات.

ولا يعنـي هذا أبدا، نبـذ القديـم بما هـو قديم. فمن الممكن التخلي عن بعض أشكـال التعبير لكن لا أحد يستطيـع الانفصال عن النـار وعن الشرر الذي هو وراء هذه الأشكال. فإذا شبهنا أشكال التعبير القديمة بالموقـد الذي تشتعـل فيه النار، فإن التراث الحي كامـن هذه النـار وفي هذا الشرر الدائم. ونحـن قررنا أن نشعـل مواقـد أخرى إلـى جانب المواقـد القديمـة. وهذا بالطبع إضافـة إلى الشعر العربـي وإغناء له. ولم نقل فقط بالانفصال عن القديـم. الانفصال القطعي عن القديم محال. لأن مجرد الكتابـة بلغـة هذا التاريخ القديم يعني أن الكاتب داخل هذا التراث. إنمـا قلنـا: يجـب أن تتاح الفرصـة للمواهـب كلهـا أن تبتكـر الأشكـال التي تراها ملائمـة لهويتها الفنيـة. وبهذا المعنـى شددنا على أشكـال التعبير الجديـدة..”

موقف أدونيس من التراث القديم

يظـهر موقف أدونيس ثانية بشكـل واضـح حينمـا أجاب نسيم خوري عن سؤالـه. “حيث قال: “مرة أخرى، القارئ العربـي اليوم لا يقرأ النص الذي أمامـه، بقدر ما يقرأ كاتب النص، أي يقرأ علاقاته معه، ووضعـه في الحياة السائدة، ومن هنا يحدث الخطأ الذي يشوه النص، وهـو الخطـأ نفسه الذي حدث فيما يتصـل بكتاباتي عن التراث… ما من عربـي معاصـر أو قديـم احتضن الشعر العربي مثلا، كما احتضنتـه، فكيـف يقـال عنـي إذن أرفـض التراث؟ إننـي أميز التراث في مستويين: مستوى النظـام الذي ساد أو الثقافـة التي سادت ومستـوى المجالات التي قامت بتجاوز هذا النظـام أو هـذه الثقافـة… المستـوى الأول أسميه اتباعا بشكـل عام، والمستوى الثانـي أسميـه إبداعا، بشكـل عام أيضـا، إذ أن فيـه جوانب اتباعيـة كثيرة… وهذا يعنـي بشكـل واضـح أننـي لا أرفـَض التراث جمـلة وتفصيـلا، كما يشاع… فكيف يقـال بذلك إننـي أرفـض التراث؟ …”

تأثر أدونيس بوالده وفضله الكبير عليه

إن مواقف أدونيس إذن، باتت واضحـة بالنسبـة لنـا، فهـي لا تنبذ الشعـر القديم بقدر ما تدعو إلى الأخذ من المضيء منه. وهي لا ترفضـه بقدر ما تؤكـد على ضرورة الإبداع وأهميـته. وقـد كـان سؤال أدونيس “كيف يقال إذن إنني أرفض التراث؟” سؤالا وجيها يتطلـب من كل ناقد أدلـى برفض أدونيس للتراث أن يقوم بوقفـة عند هذا السؤال، ليعيد النظر في رأيه واتهاماته. ففعلا، كيف يقال: إن أدونيس ضد التراث، وهو نفسـه قد استقـى ونهل منه؟ كيف يقـال إنـه يأبى كل ما هو قديم وهو نفسـه قد أخذ من هذا القديـم وتأثر ببعض شعرائـه؟ بل وكـان من أكثـر الأشخاص قراءة للشعـر القديم، ولعـل هذا يعزى إلـى بيئـة نشأتـه التي فرضـت عليـه أن يتأثـر بوالـده.

فبفضلـه (والده) تعرف أدونيس إلى الشعـر العربي عامـة، والشعر الجاهلـي والعباسـي بشكـل خاص. يقـول في هـذا السياق: “المؤثـر الأول هو، طبعـا أبي، كان أبـي فلاحـا، لكنـه كـان قارئا ممتازا ويكتـب الشعـر أيضـا… بفضلـه تعرفـت، أولا، إلـى الشعـر العربـي وتعرفت إلـى الشعـر الجاهلـي وإلـى الشعـر العباسي بشكـل خـاص. وأتذكـر أن المتنبي والمعري وأبا تمـام وأبا نواس وامرئ القيس كانـوا مـن خبزنـا اليومـي. وأتذكـر، في الليالي، عندما يأتي ضيوف إلينـا كـان والـدي يطلـب منـي أن ألقـي بعضـا من محفوظاتي الشعريـة. لم تكن هناك أحجيـة إعرابيـة، وما أكثر الأحاجـي في العربيـة، إلا أعربهـا. طبعـا نسيت الآن الكثير من القواعـد. لكن أعتقـد أنني لا أخطئ في اللغـة. نسيت علم العــروض، لكننـي لا أخطئ في الإيقـاع أبـدا. هذا هو المؤثـر الأول: جانب الشعـر العربـي…

هل تأثر أدونيس بالشعراء القدامى؟

إن اعتراف أدونيس بتأثره بالشعر العربـي القديم، خصوصا أشعار أبي نواس وأبي تمام وامرئ القيس وأبي العلاء المعري… يجعلنا نتساءل: ما الجانب المضيء الذي لمحـه شاعرنا في التجارب الشعرية لهؤلاء ليتأثـر بهـم رغـم انفتاحـه علـى الشعـر الحديـث؟

“من القبول إلى التساؤل: هذا هو الخط الذي ترسمـه الحساسيـة الشعرية بين امرئ القيس وأبي العلاء المعري. في القبـول رضى وطمأنينـة ويقين، في التساؤل تمرد ورفض وشك. القبول فرح بالأصل والنبـع، والتساؤل قلـق عليهمـا، إنـه المسـار الذي يمتد بين حتميـة الابتعاد عنهما والرغبـة في العـودة إليهما والبقاء فيهمـا، القبـول علامـة الثبات، والتساؤل علامـة التحـول…” كانت هـذه كلمات أدونـيس التي عبر بهـا عن وجود رغبـة في التحول عند الشاعر القديم، وإن كانت هذه الرغبـة مصحوبـة بنوع من القبول والثبات. إلا أنها لا تنفـي ذلك الشعـور الطاغي عند الشاعر الذي يرغب في الاستحداث والتجديـد على المستوى الإبداعي.

أما على الصعيد الاجتماعـي، فحاول الشاعر أن ينفصل عن مجتمعـه، بعدما اعتبره كتلة كثيفة معتمة تحول بينه وبين الضوء، فازداد شعوره بأنه منبوذ، محاصـر مخنوق، مما أنتج ردة فعل قوية تتراوح بين العزلـة والتعالي والرفض. (على حد تعبير أدونيس). “وفي هذا كلـه كان يشعـر أنه يعيش في ‘زمان القرود’ كما يعبر أبو نواس، وكان في الوقت نفسـه يحس أنه سابق لعصره ولمعاصريـه…”

تغير أهداف الشعر لدى بعض الشعراء

أمـام هذا الوضع تغيرت أهداف الشعر من كلاسيكية ترتبط بالسياسة والأخلاق والعادات، إلـى أخرى ترتبط بالتطور الحضاري والتعبير عن الأنا الشاعرة التي خلقت هوة مع الآخر، والتي أصبحت تعيش شتى أنواع الغربـة والأسى. وهذا ما نلمسـه بالضبط في الكثير من أشعار (أبي نواس وأبي تمام وأبي العلاء وغيرهم). يقول أبو تمام في الغربـة والفراق:
مَا الْيَوْمُ أَول تَوْدِيعٍ وَلَا الثانِي الْبَيْنُ أَكْثَرُ مِنْ شَوْقِي وَأَحْزَانِي
دَعِ الْفِرَاقَ فَإِن الدهْرَ سَاعِدُهُ فَصَارَ أَمْلِكُ مِنْ رُوحِي بِجُثْمَانِي
تولـد عن هذا الشعور المليء بالغربة عند هذا الشاعر (أبي تمام) نشوء تجربة إبداعيـة متمردة على ما هو سائد. فهي تجربـة غامضـة لا يرقـى مستوى الجميـع لفهمها. حتـى أنه سئل (أبو تمام) مرة: “لماذا لا تقـول ما يفهـم؟” فرد قائلا: “لماذا لا تفهـم ما يقـال؟”. وفي هذا دلالة بأن الشاعر أصبح يتخطى ويتجاوز ما هو في متناول فهم العامـة، وأصبح يعبر عما في ذهنـه بأسلوب غامض “صادر عن صفاء ذهنه وشفافيته وعن بعده التأملي، لا عن تشوشه الروحي أو ضعف تعبيره” . وهذا من سمات التجديـد والتحول في أشعار أبي تمام التي تحررت من الشكل الجاهز.

تجربة أبي نواس في التغيير

إذا كان أبو تمام قد حرر الشعر العربي من الشكل الجاهز، فإن “أبا نواس حرره من “الحياة الجاهزة” مستلهما “جدة الزمان” حسب تعبيره. فشعره شهادة على التغير، وتعبير عنه في آن. كانت صرختـه الأولى (ديني لنفسي). هذه نفسهـا صرخـة العالم الحديث منذ بودلير. أبو نواس بودلير العـرب.
يقـول أبو نواس:
إِني عَشِقْتُ وَهَلْ فِي الْعِشْقِ مِنْ بَاس مَا مَر مِثْلُ الْهَوَى شَيْءٌ عَلَى رَأسِي
مَالِي ولِلناسِ، كَمْ يَلْحَوْنَــنِي سُـفْهًا دِينِـي لِنَــفْسِي وَدِيـنُ النـاسِ لِلــنـاسِ
دينـي لنفسي، تعنـي انفصـال الشاعر عن الآخرين وعن الخارج، ودين الناس للناس تعني انفصالهم عن الذات الشاعرة. وهذا دليل على انقطاع الصلـة بين العالم الداخلي للشاعر وبين العالم الخارجي.

التجديد في أبيات المتنبي

لا ينحصـر التجديد عند هذين الشاعرين (أبي تمام وأبي نواس) بل حضر كذلك في أشعار عظيم عصره “المتنبـي”. الذي عرف بتمرده وتعاليـه في وجه الآخريـن وضدهـم. فهو في باطن أشعاره يعظم ذاتـه ويحدثهـا بنبرة العظمة والكبرياء، دون أن يبلغ سقفها أو يقف عندها. “لقد خلق المتنبي طبيعـة كاملـة من الكلمـات، في مستوى طموحـه: ترج، تتقدم، تجرف، تهجم، تقهر تتخطـى… كأنها جواب كيانه الداخلي وامتداده وتكملته. هذه الكلمات تخلق بدورها من خيال المتنبي وطموحه المعجز كونه أسطوريا تعبره الأصداء والأصوات، ويملأه الضجيج والصراخ”. حتـى أنـه بلغ الأمر عنده أن يشكـو من ضياع كلماتـه بيـن أناس عصره ومن كونه من رجـال زمنـه.
يقــول المتنبي:
أَذِم إِلَى هَـذَا الزمَــان أُهَيْلِه فَأعلمهم فدم وَأَحْزَمُهُمْ وَغْـدُ
وَأَكْرَمُهُمْ كَلْبُ وَأَبْصَرُهُمْ عم وَأَسْهَدُهُمْ فَهْدُ وَأَشْجَعُهُم قِرْدُ
هي أبيات في التعبير عن محنـة الشاعـر في حياته، هذه المحنة تعزى إلى الفرق الشاسع الموجود بين الشاعر وأهل عصـره. وإن وجود هذا الفرق أمر بديهـي مادام الشاعر يريد من عصره ما لم يرد العصر نفسه من نفسـه.

هل الشعر اكتسى صبغة حداثية منذ القدم؟

من خلال هذه التجارب الشعريـة الثلاث (تجربة أبي تمام وأبي نواس والمتنبي) يتضـح أن الشعر اكتسى صبغـة حداثيـة منذ القدم، فهي اعتبرت الشعـر فنا يتطلـع ويتخطـى. واعترفت بأن الشاعر ينشئ طريقته الخاصة التي تعبر عن تجربته وحياته، ولا يرث طرقـا جاهزة. كمـا أنها قدمت للقارئ شعرا بأسلوب مغاير لا يعرفه الجميع. فبالتالي ينبغي للقارئ أن يرقـى إلى مستوى الشاعر وليس العكس. صبغة التجاوز والتخطي هذه في مواقف هؤلاء الشعراء هي التي جعلت شاعر التجديد “أدونيس” يتأثر بها وينغمس في أعماق حداثيتها حتى أنه اعتبرها تجارب فريدة من نوعها، تجارب تحمل القبس المضيء والمشرق من شعرنـا القديم.

أدونيس لم يتخل عن أصالته العربية

وهكذا أصبح واضحا بالنسبة لنا أن شعر أدونيس ليس إلغاء لكـل ما هو قديم، بل هو اختيار للأفضل والأنسب منه. ومنه نقـول:
“إن أدونيس لم يتخل عن أصالته العربيـة، ولم يدع إلى طمسها وإنكارها بقدر ما كان مصرا على أخذ الجيـد والحداثي منها”. وهكذا يكون الإشكـال الأساسي (هل حداثية أدونيس تلغي وجود الأصالة العربية في شعره) الذي بنيت عليه دراستنا قد حل وأصبحت الإجابـة عنـه واضحـة…
لا يمكـن الولـوج في المغامـرة الشعـرية لأدونيس والإيغـال في المناخ المتلاطـم لقصيدته وفي أفقها اللانهائي، من غير امتلاك معرفة لغوية وأدبية عميقة وثقافـة راسـخة في التاريخ والتراث والتصوف، وذائقـة شعريـة راقيـة، فضلا عن الاتكاء على المعارف النظريـة والفكريـة المعاصرة” لأن العالـم الشعري لدى أدونيس عالـم يشوبـه التعدد والاختلاف، فهو متعدد الجوانب والرؤى، ومختلف لأنـه يجمع بين المتناقضـات. إنـه عالم أسطوري لا يسعـى إلى جعل الإبداع انعكاسا للواقع، بقدر ما يسعى إلى بناء واقـع جديد يتجاوز ما هو كائن إلـى حدود الممكن.

فيديو مقال الأصالة العربية في شعر أدونيس

أضف تعليقك هنا