أحاديث فيسبوكية متواترة

بقلم: عبد العزيز سعدي

أستحْلِفُك بالله أن ترسلها … أمانة في عُنُقك إلى يوم الدين… أرسلها وسوف تسمع خبرا مفرحا… إنشرها ولك الأجر؛ بمثل هذه العبارات يُراد ابتزازك عاطفيا ودينيا لترويج أدعية مأثورة وأحاديث “نبوية” لتصبح من رواة الحديث دون أن يجد اسمُك طريقه إلى سلسلة السَّنَد خاصة إذا كان من الأسماء المستعارة أو أسماء الإناث حيث يصعُب على الرَّاوِيات من النساء اقتحام “عِلْم الرجال”.

الأحاديث والأذكار المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي

إنها أذكار وأحاديث “شريفة” ظهرت مع ثورة المعلوميات؛ بدأت بِسُيولة ضعيفة عن طريق البريد الالكتروني والمُدَونات ثم تعددتْ رِواياتُها سنَدا ومتْنا على شبكات التواصل الاجتماعي. رُواتها ثِقات، بل في منتهى الثقة، لا يزيدون ولا ينقصون، ينشرون كل ما يصلهم بأمانة؛ ومن فرط إيثارهم يستعجلون اقتسام كل ما بحوزتهم، خاصة إذا أرفقها وضّاعُو الحديث بتحذير من الضلالة إذا تجاهلوا الرسالة، وتبشيرٍ بالخيرات إذا أرسلوا منها المئات؛ يتَملّكهم شعور بالذنب ونقص في الإيمان إن لم يطبقوا الحديث الشريف “من سألكم بالله فأجيبوه”؛ فلا يمر عليها الليل إلا وقد رُفِعت على كل المِنصات واستأنفت مسيرها في كل الاتجاهات.

هل يصح أن ننشر مثل هذه الأحاديث الموضعة؟

ومع الممارسات السهلة التي وفّرتها التقنيات الحديثة: “اضغط زر الإعجاب”، “شارك”، “انسخ وألصـق” صارت أحاديث الآحاد متواترة على كل الشاشات؛ وغدتْ كل الطرق مشروعة أمام الأحاديث الموضوعة. وبما أن هؤلاء الرواة الجدد يبدون طيبين للغاية ويحسنون الظن بالجميع، فهم ينشرون دون تمحيص كل شاردة وواردة، منها الرسائل التي تأتي في هيئة رؤى منامية مليئة بالعجائب والغرائب لأحد رجال الدين مع تفاسيرها الغيبية الجاهزة (رؤية ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ وطلب التبليغ عنه)، ومنها الأحاديث “النبوية” التي تتضمن عبارات مستحدَثة مثل “وأنا بدوري” أو “إن دل هذا على شيء فإنما يدل على” وغيرها من المؤشرات التي لا تخفى على طالب علم مبتدئ فضلا عن أهل صناعة الحديث.

وبما أن الدال على الخير كفاعله، فلا عجب إنْ خَتَم دعاةُ الفضيلة هؤلاء منشوراتهم بعبارة “ولا تنسونا بخالص الدعاء”، وكأنهم فرَّجوا عنك كربة من كُرَب الدنيا. حتى إن المتأثرين بهم، في تضرعهم إلى الله، لا يسمحون للكلمات أن تخرج مرتجلة من أعماقهم، بلهجتهم وأشواقهم، فهم لا يدْعون الله إلا من خلال ما يجدونه مسطورا من الأدعية المختارة، يرددونها بجفاء دون أن تُجاوز حناجرهم.

لماذا لا نقرأ الرسائل التي تصل إلينا؟

ومِن منطلَق حرص رواة العالَم الافتراضي على التعجيل بالبر ومضاعفة الحسنات ينشرون المحتويات دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءة ما يصلهم من أدعية مأثورة وختمها كما هي عادتهم بتمرير الكفَّيْن على الوجه وتقبيلهما. فالنقر على الهاتف أو الحاسوب قد يمحو الذنوب، والترويج على الفايس والواتساب يجلب الأجر والثواب، فطوبى لمن كانت لديه لائحة اتصالات طويلة!

والحق يقال، اتخذ بعض الناس شبكات التواصل الاجتماعي أدوات جديدة للتدين الاستعراضي الذي يُميت مكارم الأخلاق وينشر النفاق الاجتماعي إلى أبعد مدى؛ فهذا منشور من مجهول أراد أن “يزلزل” الفيسبوك بِحَمْلة جمْع مليون صلاة على النبي وكأنه يطلب توقيع عريضة، وهذه رسالة “جمعة مباركة” أتت من صديق لا يصلي أراد تذكير الغافلين!

إذا استمر الوضع على هذا الحال، حيث يفوِّض كل شخص التفكير لغيره ويترك أمر التحقق من صحة المنشور لمستقبِله رغم أن هذه العملية لا تتطلب إلا دقائق على محركات البحث، فلا عجب أن نجد الأطفال المجبولين على الحفظ يرْوُون هذه الأحاديث المكذوبة عن آبائهم علما أن هؤلاء الأطفال هم جيل الغد أي الطبقة الثانية من الرواة حسب “علم الرجال”. وقد يكون ما نشهده ونشاهده الآن اختزالا واستردادا تاريخيا لعمليات وصَفها ولخَّصها الإمام مسلم في مقدمة صحيحه حين قال عن رواة الحديث “لا يتعمدون الكذب ولكن يجري الكذب على ألسنتهم”.

يجب علينا التأكّد من المنشورات قبل إرسالها

فنحن، إذْ نتخلص من عبء التأكد من صحة المنشور ونلقيه على عاتق المتلقي، نقوم باستئناف وتحيين تجاوزات نالت من التراث الديني. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول “كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ”، فالمرء المقصود بهذا الحديث، بلغة العصر، هو من ينشر كل ما يصله في فضاء الأنترنيت.

بقلم: عبد العزيز سعدي

 

أضف تعليقك هنا