البعد الفلسفي في أشعار أبي العتاهية

في أفق إبداعي متميز أسس أبو العتاهية ¹ رؤيته الفنية والفكرية. فكان يمزج خيال واستعارات الشعر ببراهين وحجج الحكمة والفلسفة. وإن كان هذا الأمر ينتج لنا جنسا خلاسيا هجينا على حد تعبير بعض الرافضين لهذا النمط من الكتابات الحامل الوجهين (الوجداني والفكري) مبررين ذلك بقولهم: “إن الشعر دفق وجداني وفيض شعوري وتجنيح في سماوات الخيال، وانزياح في العبارة والاستعارة وتكثيف للايقاع،وانتقاء الألفاظ الموسيقية.

في حين أن الفلسفة هي في المقابل قول برهاني وبناء مفهومي، وصياغة للمتواليات الحجاجية والتماس للبداهة في المنهج، واستخدام للغة الواصفة…”² وإن العائد لأشعار أبي العتاهية سيكشف أن طرح هؤلاء وإن كان على قدر من الصواب إلا أنه لا ينفي إمكانية تلاقي هذين النقيضين (الفن والحكمة) في صعيد واحد يشي بوجود علاقة قرابة بينهما، واضحة أحيانا وخفية أحيانا أخرى. ولعل أبلغ ما جسد لنا هذه القرابة هو الحوار الذي أورده الكاتب أمين الريحاني في كتابه – أنتم الشعراء- بين الشاعر والفيلسوف.

إذ يقول: “قال الفيلسوف للشاعر: إني أعلم ما تراه. وقال الشاعر للفيلسوف: إني أرى ما تعلم..” ³ مبينا أن رؤية الشعراء والفلاسفة لا تختلف وإن اختلفت طريقة تعبيرهم عن هذه الرؤية. ومن ثمة إن توسل الشعر بالفلسفة أو العكس هو أمر ممكن لا يحمل من الاستحالة شيئا. ولنا أن نستدل على ذلك ببعض أشعار أبي العتاهية.

حكمة الحياة والموت عند أبي العتاهية

إن موضوع الحياة والموت من أهم المواضيع التي حضرت عند الفلاسفة والشعراء على حد السواء وأسالت حبرهم على مر العصور. وإن استحضار هذا الموضوع له هدف أساسي هو التوصل إلى ذلك البعد الفلسفي والمنطقي المسكوت عنه في أشعار أبي العتاهية. انطلاقا من العمل على عرض مختلف أشكال التناص أو التوافق النصي بين ما جاءت به أشعاره وفلسفة سقراط.

يقول أبو العتاهية:

لعمرك ما الدنيا بدار بقاء

كفاك بدار الموت دار فناء

فلا تعشق الدنيا أخي فإنما

يرى عاشق الدنيا بجهد بلاء

حلاوتها ممزوجة بمرارة

وراحتها ممزوجة بعناء

ويقول:

ما زالت الدنيا منغصة

لم يخل صاحبها من البلوى

دار الفجائع والهموم ودا

ر البؤس والأحزان والشكوى

ويقول سقراط: “هكذا هي الحياه لا يوجد إنسان بلا متاعب ولا نجاح دون عقبات” ويقول: “الحياة دون عقبات لا تستحق العيش..”

فهذه النظرة المبثوثة في ثنايا أقوالهما (أبي العتاهية وسقراط) تبين لنا اتفاقهما على كون الدنيا مجرد دار زائلة تنغص صاحبها بالمتاعب والبلاء. وأن النعيم الحقيقي رهين بتركها والتخلي عن حبها. ولنا في قولة سقراط ما يؤكد ذلك. “قد يكون الموت أعظم نعمة على الإنسان” والشيء نفسه في قول أبي العتاهية:

يا ساكن الدنيا أمنت زوالها

ولقد ترى الأيام دائرة الرحى

وكذلك:

لا تأمن الموت في طرف ولا نفس

وإن تمنعت بالحجاب والحرس

إن هذا التوافق الفكري الوارد بين أبي العتاهية وسقراط لا ينحصر في طريقة نظرتهم للحياة فحسب بل يتجاوز ذلك ليشمل مختلف جزئياتها وموضوعاتها، فنلمسه مثلا في طريقة مقاربة كل منهما للحكمة والشهوة والحقيقة والصداقة والحب…الخ وغيرها من الموضوعات التي تبرهن على وجود نزعة فلسفية قوية في إبداع أبي العتاهية.

الحكمة والشهوة في فلسفة سقراط وأشعار أبي العتاهية

إن نيل الحكمة بالنسبة لسقراط مرتبط بكبح الشهوة والتغلب عليها. فيرى أن الشخص الحكيم لا يخضع لهواه، والشخص الذي يخضع لهواه لا يمكن أن يكون حكيما. يقول: ” لا يكون الشخص حكيما حتى يتغلب على شهوته” وإن المتأمل أشعار أبي العتاهية سيلحظ أن نفي اجتماع الحكمة والشهوة هو أمر مصرح به كذلك في أبين عديدة.

يقول (أبو العتاهية):

وكيف تريد أن تدعى حكيما

وأنت لكل ما تهوى ركوب

وفي بيت آخر:

خالف هواك إذا دعاك لريبة

فرب خير في مخالفة الهوى

فالتقيد بالشهوة إذن سهم يصوب الحكمة، وإن التغلب على هذا السهم ليس بالامر الهين كما قال أبو العتاهية:

أشد الجهاد جهاد الهوى

وما كرم المرء إلا التقى

الأغراض الفلسفية في شعر أي العتاهية

يواصل أبو العتاهية الإتيان بأغراض فلسفية ومعان منطقية في قصائد عديدة، هذه الأغراض تنسجم إلى حد كبير مع ما جاء به سقراط، ولنا فيما يلي ما يثبت ذلك:

شعر أبي العتاهية:

1- ولم أر في الأعداء حين خبرتهم

عدوا المرء أعدى من الغضب

*فلسفة سقراط*: “الغضب مفتاح كل شر”

2- طالما طاوعت جهلي وعقلي

طالما نازعت صحبي الشرابا

*فلسفة سقراط*: “لا يهمني أن أكون مثلكم لا أملك شيئا من العلم، ولكنني لا أريد أن أعاني ما تعانون من جهل.

3- أشد الجهاد جهاد الهوى

وما كرم المرء إلا التقى..

*فلسفة سقراط*: “النصر الحقيقي هو انتصار المرء على نفسه.

4- الصدق  يعقد فوق رأ

س حليفه تاجا

والصدق يثقب زنده

في كثل ناحية سراجا..

*فلسفة سقراط* ” ليس من الضروري أن يكون كلامي مقبولا، من الضروري أن يكون صادقا..”

ختاما، إن أبا العتاهية بالرغم من كونه شاعرا فإنه استطاع أن يلبس شعره لبوسا فلسفيا ومنطقيا. بل وجعل الشعر قادرا على مقاربة موضوعات فكرية عميقة. وهنا نلمس العلاقة الجامعة بين الفكر والوجدان. وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد الشيكر: ” إن الفلسفة لا توسع دائرة الشعر فحسب، بل تزيده عمقا، وتسمو به إلى مراق ومدارج قلما تطالعنا في لغته الغنائية التي تخاطب الإحساس أكثر مما تتوجه إلى العقل…”⁴ .

قائمة المصادر والمراجع:

1-  أبو العتاهية: هو إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي، من قبيلة عنزة بالولاء. أبو إسحاق الشهير بابي العتاهية. (130 هـ/ 211هـ) شاعر مكثر، سريع الخاطر، في شعره إبداع. كان ينظم المئة والخمسين بيتا في اليوم. (تراجم الشعراء والأدباء.ابن عباس ص 43).

2- محاضرات الدكتور محمد الشيكر، مسلك الإجازة في التربية -تخصص فلسفة- الفصل الثاني، مادة الكتابة الفلسفية. الحصة 31/03/ 2020.

3- أمين  الريحاني، أنتم الشعراء، مطبعة الكشاف ببروت، لبنان، 1933. ص 32.

4- محاضرات الدكتور محمد الشيكر.

– ديوان أبي العتاهية، داربيروت للطباعة والنشر.

– أفلاطون المحاورات الكاملة. المجلد الأول/ الجمهورية. نقلها إلى العربية شوقي داود تمزار، الأهلية للنشر والتوزيع.

فيديو مقال البعد الفلسفي في أشعار أبي العتاهية

 

أضف تعليقك هنا