تأملات في سورة الكهف

قال الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف (وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ)الى آخر الآية(٢١)
أيها القراء الأعزاء أقدم لكم هذه التاملات التي تهتم “بوعد الله الحق” لأصحاب الكهف و لمن عثروا عليهم بعد يقظتهم قد تمثلت لافكاري حينما كنت أغوص في ذلك الموقف المعجز موقف البعث المؤقت من النوم إلى اليقظة، و أحببت أن اسجلها على ورقتي لتخرج من حيز التفكر والتأمل الداخلي إلى مساحات أكبر فتسكن عقولا أخرى إن كان فيها بعض الصواب .

أولا : في سورة الكهف “وعد الله الحق عندما حفظ الله أولئك المؤمنين به من كل شر يتربص بهم”

مثل حفظهم من الأعداء الطغاة الظالمين الذين كانوا يتربصون بهم ليغيروا دينهم فحفظ لهم دينهم وثبتهم علىه فقال سبحانه وتعالى :

  • ( وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) و أكثر من ذلك وعدهم بنشر رحمته لهم و أنه سيلطف بهم و أعد لهم مكانا آمنا ( فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا) فحفظهم في الكهف و هيأ لهم أسباب النوم الطويل وليس هو الموت بل نوم له صفاته الخاصة فكأنهم أيقاظ إلى حين تنقضي أيامهم التي هي مناط الإعجاز و كذلك حفظهم من البلى والمرض في اثناء النوم الطويل ووقاهم الحشرات والآفات و السباع الموجودة حولهم في كل مكان على الأرض .
  • وحفظهم من الجوع والعطش وما يسببه من وهن للعظام والجسم كله فقد ظلوا لسنوات نائمين ؛ لم يستيقظوا لطلب الطعام أو ألشراب او قضاء حاجتهم كما يظهر حفظ الله لهم من الخرف بدليل أنهم عند استيقاظهم كانوا يسالون (كم لبثنا ؟) وكان هناك جواب عقلاني ( لبثنا يوما أو بعض يوم ) ثم رد عقلاني منطقي إيماني آخر (ربكم أعلم بما لبثتم ) وهي أدلة على بقاء عقولهم بل و معتقدهم و إيمانهم و مشاعرهم حتى ذاكرتهم بقبت سليمة فهم يتذكرون سبب خروجهم من بلدهم و يخططون لسياسة يتبعونها في سبيل بحثهم عن الطعام بعد إفاقتهم و يحددون نتائج الخطأ في حال علم أحد بهم ؛وهذه كلها ادلة على عدم إصابتهم بالخرف بعد كل هذه السنوات الطويلة.
  • أما أجسادهم فالله وحده يعلم كيف حفظها فهل هي كانت شابة أم هرمت وهذا لا يعلمه إلا الله ومن عثر عليهم وشاهدهم بعينه؛ وكلها مظاهر تدل على وعد الله لهم بالرحمة وبالرشد.

ثانيا: في سورة الكهف “وعد الله الحق بأن دينه ووجوده و معجزته سيعرفها الناس و ستنتشر”

فقد تم حفظ القصة نفسها في كتابه فكانت تاريخا يتم قراءته و حكايته و الاعتبار منه وسينتقل هذا الحفظ إلى المستقبل أيضا، فالقرآن محفوظ و القصة حكيت.

ثالثا: في سورة الكهف “حفظهم بأن هيأ لهم آياته الموجودة في الطبيعة”

فكانت فعالة لتعمل على بقاءهم بصحة جيدة (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا(17). فسخر لهم ما في الفضاء (الشمس) بكل ضخامتها و حجمها و طاقتها لتحفظهم و سخر لهم مافي الأرض أيضا

رابعا: في سورة الكهف “إن وعد الله حق للبشرية كلها بأنه سيبعثهم من القبور” 

أن الله قادر على تغيير ما تعارف الناس عليه من الخصائص البشرية بأن النائم يستيقظ خلال اليوم أو ربما بعد أيام ولكن الفتية ناموا قرونا من الدهر وهذا مخالف للخصائص الإنسانية المتعارف عليه ‘ وهنا يظهر وعد الله للناس بالبعث بواسطة بعث مصغر يراه الناس حقيقة ماثلة أمامهم ؛ بتغيير صفات
و خصائص وسلوكات إنسانية ثابتة إلى خصائص جديدة غير مسبوقة وغير مألوفة ؛ ليتفاجأ الناس بحدوثها فتكون لهم آية ؛ فعنصر المفاجأة يجعل العقول تحتفظ بها و تعيها فيتغير السلوك فنعلم أن هذه طريقة ( عنصر تقديم غير المألوف و عنصر المفاجأة ) طريقة من طرق التعليم الكثيرة المتفردة التي يزخر بها القرآن الكريم.

والتي تساعد العقل البشري على التعلم و تغيير السلوك فالنوم كان لسنوات أعقبه استبقاظ من اجل أن يؤمن الناس بالساعة و أنها آتية لا ريب فيها فهذا وعد الله الحق وتم عرضه على الانسانية فهو واقع لمن حضر وماض مؤكد لمن غاب عنه ولم يره ولكنه سمع حكايته من كتاب مبين لم يكتب فيه إلا ااحقيقة .

مما سبق نستنتج التالي من تأملات في سورة الكهف :

  • أن القرآن الكريم فيه كنوز اللغة والمعاني فربما كلمة او كلمتين او ثلاثة تأخذك إلى دروب المعرفة فتغير الفكر وتنشطه و تحثه ليتعرف على المزيد من أسراره .
  • إن وعد الله حق و علينا أن نعتبر من قصة أهل الكهف فنخشى من الله و في نفس الوقت نامل من الله أن يجعلنا في رحمته
    و أن يؤتينا الرشد.
  • أن الحياة ليست واحدة كما يرى بعض الناس و لذلك يتهافتون على تحصيل كل شيء مما جعل الإنسان يلهث وراء المادة حتى طغى و تجبر على أخيه الإنسان و كل ما يريده هو أن يحصل على ما في يد الآخر حتى لو كلفه ذلك القضاء عليه .
  • أن الحياة ليست هي ما يحبط بنا من الزخارف والبنيان وليس ذلك هو دليل حب الاه لك ففد كان الكهف هو المأوى لمن أحبهم الله.
  • كل ذلك بدون أن نناقش اللغة العجيبة، و بناء القصة والانتقالات و الأحداث، و العلاقات الموجودة ببن التفاصيل فهذه تحتاج إلى مقال آخر .

والنتائج كثيرة و يمكنكم استنباطها بمجرد التأمل في الآيات والغوص في معانبها.

المقترح هو الغوص في تأمل آيات القرآن الكريم تسجيل تأملاتكم؛ للمساهمة في تحقيق غاياته ‘ و لتساعد من يرغب في الحقيقة ممن لا يملك القدرة على التأمل فيعرف الطريق إلى الله .

و ختاما فعقلي ما يزال محدودا أمام كلمات الله سبحانه وتعالى و أسرار كتابه.

بقلم: عائشة محمد جلال الدين

أضف تعليقك هنا