علاج الإدمان والعودة للحياة

د. رأفت عبد الحميد أحمد   

حوار بين الأنا والأنا الآخر حول العودة للحياة 

أقدم لكم همسات عقلية بدلا من مقدمة الكتاب (علاج الإدمان والعودة للحياة) مجسدا فيها حوارا صادما معبرا عن صرخة مدمن، صرخة تعكس ما بداخله من صراع بين وهم الحياة و العودة للحياة ، سيكون حوارا بين مستويين من الذات. حوارا يدور فى إطار معاتبة الأنا للأنا الآخر، أو معاتبة النفس وتوبيخها أحيانا كصفعة على وجه الأنا الآخر، لإنعاش الإنسان في داخله وعودته للحياة. حوارا ليس له علاقة بمحتوى الكتاب، ولكنه إسقاط لمضمون المحتوى والهدف العلاجي للكتاب.

مع شروق الشمس ليوم جديد كهدية من الله، شعر الأنا بحيرة وخوف شديد على أناه الآخرـ فهو كان دائم الوجود معه وقريبا منه، ولكنه تذكر ما كان يفعله أناه الآخر من جرم تجاه إنسانيته، وقد أخذه أناه الآخر معه فى مشوارا طويلا ومظلما أختفت فيه أشعة الشمس وضياء النهار، وأصبح الليل كائنا عملاقا مخيفا، وشعر الأنا بخوفا شديدا، وحينها قرر الابتعاد عن أناه الأخر، ولكن أثناء الابتعاد عنه وسط الظلام الدامس شعر أن شىءُ ما ينقصه، فوقف فى قلق وحيرة من أمره، ورجع إلي أناه الآخر حتى ينقذه من عواقب هذا الظلام، وقرر أن يقف معه وقفة حاسمة محاولا رده إلى أناه. وصرخ فى وجهه قائلا له ألا تدري أن إدمانك هو الموت والعدم. فأنا عدت إليك لكي أنقذ حياتك وأساعدك على أن تخرج من هذا الممر المظلم، وتُميت الموت. فاندهش الأنا الآخر مستغربا قائلا له.. وهل الموت يمكن أن يموت؟!

الإدمان على الملذات هو الموت

نعم، فموت الموت حياة فإدمانك هو الموت وعلاجك سلاحا لقتل الموت والعودة للحياة فالحياة الحقيقية لن تعود إليك ولن تسعد بها إلا بالتغيير وإعطاء معنى لحياتك، فأنت غارقا وغائصا ومهووسا ليس بالمخدرات كما يعتقد الكثيرون بل مهووسا باللذة المميتة للهروب من العدمية المحيطة بك. فلذة اللذة هى إنفصال الإنسان عن الأخلاق، لذة اللذة هى موت للإنسان فى داخلك، وظهورك ككائن بلا عقل، لذة اللذة يا عزيزى جعلتك طائرا في السماء متعاليا على كل ما هو موجود وطبيعي إلى أن أصبحت فى قمة اللذة الجاهلية البدائية، جالسا فوق السحاب طائرا مغرما بالوهم، تعيش حُلما جميلا لكن فى باطنه كابوس وتصنع بيدك الفناء، ويُخيّل لك أن في ذاتك قوة لا يضاهيها قوة، نعم فإنها بالفعل قوة، ولكنها قوة التدمير والعدوان والموت للإنسان فى داخلك، فالتوجة نحو اللذة الدائمة باعتبارها فلسفة حياة جعلتك متضخم الأنا ومتوهم بثقة زائفة، ثقة الجاهل اللامتناهية، فأنت لا تحيوا حياة الإنسان بل تحيوا حياة اللامسؤولية الجذابة تحيوا حياة كائن فاقد أبسط وظائفه العقلية، عاجزا عن إدارة حياته، يعيش فوضى حياتية لامتناهية، واقعا فى العدمية الأخلاقية والوجودية.  فالحياة يا أناى الآخر بدون معنى أو فائدة موت مسبق، ماذا حدث لك ؟! أين أنت من ذاتك؟! أراك بعيدا عنى، منسلخا عن إنسانيتك.

الغرق في الملذات هو موت للإنسانية

أنا أعلم يا أناي الآخر بمحاولاتك المستمرة للاستيقاظ من هذا الكابوس، والوهم الذي أصبح جزء من شخصيتك، ولكن زوال هذا الكابوس لن يكون بعصا سحرية، فالتعافى لا يأخذ خط مستقيم بل يأخذ شكلا متدرجا، فعليك التقبل لهذا حتى تستيقظ من الغيبوبة العقلية والحلم المزعج فأنت حاولتِ العلاج من هذا الكابوس كثيرا، وكنت تتعرض لكثير من السقوط ولكن فى السقوط الأخير حدث شيء عجيب، غرقت فى قاع الملذات ودخلت في غيبوبة أقوى من غيبوبة حياتك والشىء العجيب أننى رأيت يمشي بجوارك ملائكة الموت أحدهما يمسك بيمينك وآخر يمسك بيسارك ذاهبين بك إلى المقبرة، إلى المكان الأخير والمحتوم بسبب عشقك وسعيك وراء الملذات التي أماتت إنسانيتك وأضعفت قوتك، وجعلتك على طبيعتك البشرية العدوانية بلا غطاء اجتماعي، فأصبحت عاريا متوحشا فاقدا لأبسط الأمور التربوية أو الروحانية التي تجعل مِنك إنسانا مُغطى بالرداء الثقافى أو الاجتماعي. وفي لحظة ذهابك إلى مثواك الأخير وجدتك تنظر خلفك ولكن لا أعرف لماذا نظرت خلفك؟ لماذا نظرت خلفك وأنت مقتحم الموت دون إياب، ماذا رأيت؟ ماذا رأيت وجعلك تقاوم بهذا العنف وترفض الدخول إلى المقبرة؟! مفارقا ملائكة الموت وكنت غاضبا ولاهثا غير مكترث لما يحدث حولك، وفى وجهك ابتسامة غائبة وعينان ملئتين بالدموع، دموع تتحدث عن ماضيك، وتبحث بها عن حياتك وحريتك، ثم نظرت إليّ بعينين غائرتين نظرة عتاب، وقلت أنا الآن عائد من الموت ولكنني تعجبت هل من المعقول أن ينجو الإنسان من مستنقع ملذاته وشهواته ويعود إلى الحياة؟!

العيش في الملذات هو وهم وأسر للذات

وضحك الأنا الآخر ضحكة ساخرة ممزوجة بالندم، كان يضحك ساخرا من نفسه، قائلا له نعم يا أناي، عندما كنت أحاول الاستيقاظ من هذا الوهم، كنت طوال الوقت أنظر خلفي بحنين إلى الشجرة المحرمة، إلى العالم المدمر المُغلف باللذة، فكان قلبي وكياني متعلقان بهذا العالم المجنون الغير معقول والمليء بالإثارة، عالم متعالى على القوانين، وكان يحركني في هذا العالم صورة نرجسية مميتة ممزوجة بلغة بدائية طفولية، لذا كنت كثير السقوط ولم آخذ قرار التغيير ولكن عندما وصلت إلى مثواي الأخير، نظرت خلفي ووجدت أن ذاتي كانت غارقة في لذة مدمرة، رأيت كل أعذاري وحججي الواهية التي جعلتني منجرفا فى محيط الملذات، رأيت أبي وأمي باعتبارهما السبب في ذلك كنت أرى ذلك، كنت أرى أنهما لم يقوما برعايتي وتربيتي وترويض بشريتي، فكنت أعتبر أن هذا يعطيني الحق في الاستمرار أكثر فى الوهم، ورأيت أصحابى الذين كانوا يشاركون معي الملذات، فكان هذا مبررا تدعيميا للاستمرار أكثر فى المحيط المادى الجسدى الفاقد للظل الإلهي، واستطعمت ثمرة الشجرة المحرمة، ومتعتها الساحرة الكاذبة رأيت لذة دماغها الأولى التى كلما أسعى إليها فلا أجد غير السراب إلى أن سُرقت منى حياتي ورأيت الزمن توقف عند عقلية وجنون مراهق، وذهب عمري ومر الزمن دون أن أدرى كيف مر كنت خارج الزمن، والأحداث الحياتية توقفت عند لذة اللذة والهوس بها، فطُردت إنسانيتي واستُبعدت من مسرح حياتى وتصدر الدون وأناى البدائية المشهد. وعندما نظرت خلفي وجدت كل شيء في حياتي المميتة مرتبط باللامعقولية، كنت فى نكوص مستمر لطفولتى الاعتمادية وأدركت أن نفسى الشيطانية مسيطرة على كياني، فخسرت ذاتي وأصبحت منقسما عليها وشيطن الدون حياتي، وجعلني أسير مبدأ اللذة و…

متى تعود النفس لإنسانيتها؟

والأنا فى حالة ذهول مقاطعا حديث أناه الآخر، متسائلا فى قلق وحيرة، ألم تدرك أن هذا درب من الجنون؟ وأن المسيطر على كينونتك العبودية والموت والعري الأخلاقي، ألم تكن تدرك بأنك قررت الانتحار وتميت الإنسان في داخلك؟! ألا تعلم بأنك تحاول قتلي، قتل أناك باسم اللذة؟! ثم نظر فى عين أناه الآخر قائلا له، متى تنتهى من هذا وتستر بشريتك بالإنسانية؟!

كيف تكون الحياة بلا ملذات؟

ونظر إليه الأنا الآخر وهو باكِ ومنكسر، نعم، أنت محق فى كل ما تقول، ولكن كنت أعتقد أنني أحيا حياة الفردوس، كنت أرى أنني سئمت من حياتي، وأن ما أفعله ليس له أهمية والآخرين حولي في نيام، وحياتهم حياة موتى وكنت أتساءل كيف يتعاملون مع هذه العالم المحيط بهم بدون السعي وراء اللذة، كيف يفرحون وكيف يحزنون بدون تذوق لذة الثمرة المحرمة فهم بالتأكيد ليسوا طبيعيين لا يدركون سر لذة ومتع الحياة عندما تصبح بلا قيود، كنت رافضا هذه الحياة المملة وأنظر إليها من عدسة مصغرة، وأجد كل شيء بعيدا، كنت عاجزا عن الاتصال بهذا العالم المعقد وشعرت أنني بعيدا عن هذا الواقع، رافضا إياه، شعرت بأن التعايش فى هذا العالم سيجعلني فى عذاب وقلق وخوف أبدى.

الحياة بطعم لذة الملذات

أما الحياة بطعم لذة الملذات كانت تعطيني إحساس بسد النقص والعجز فى داخلي، وتكف عنى القلق والملل وتزيدني ثقة لامتناهية، كانت تجعلني أشعر أنني ملك فى ذاتي، جريء فى سلوكياتي، ولدى رخصة لفعل أى شيء دون أن ينغص علي ضميري. فالهوى تغلغل وسيطر وأعطاني تصريحا لا أخلاقيا بفعل أي شيء، وتصدر الدون الذي لا يرى ولا يحترم أي قوانين المشهد متخذا دور البطولة فى مسرحي الداخلي، جعلني عابدا للقوانين الشيطانية فأصبحت بلا قانون يحميني من نفسي الدون، واللاقانون أصبح قانوني، كنت أعتقد أن هذه هي الحياة والحرية، ولكني أدركت أنها ثقة زائفة وطمأنينة وأمان كاذب، أدركت أنني كنت عاريا بلا ثياب روحاني، نعم، أراها الآن بعد مشوار طويل في سراديب هذا الظلام والعتمة الأخلاقية، بأنها الأسر والعبودية، كنت أسير ذليل فاقد إنسانيتي وحريتي، كنت عبدا لتلك اللذة المخدرة لإنسانيتي، عبدا لشهواتي، فدخلت في صراع مرير بين إنسانيتي وبشريتي، بين نفسى وجسدى بين الموت والحياة.

العودة للحياة

هنا توقفت لكي أتأمل للحظة الأخيرة في هذا الممر المظلم المميت لحياتي وفهمت مدى صعوبة الطريق المؤدي إلى الموت، وأدركت بأنني لم أكن في حاجة إلى فرصة للرجوع عن هذا الطريق، بل كنت في حاجة إلى قرار التغيير، لذا رفضت الدخول للمقبرة التى صنعتها بيدي، لأنني كنت أشعر أن فى داخلى إنسان نعم أنت معى يا أناى طوال الوقت حتى ولو كنت أحاول استبعادك من مسرح حياتى  ولكن كنت ومازال تعافر وتصارع طوال الوقت مع الدون فى داخلى، لذا طلبت العفو من الله للرجوع للقانون إعطاء إنسانيتي فرصة تصدر المشهد وتنفيذ قرار التغيير لكى تعود مرة أخرى كروح عاقلة.. وقتها شعرت بأن الله وملائكته يقدرون ما مررت به فى دنياي من امتحانات ومحن ويتعاطفون معي، ورغم كل هذا لا أنكر وجود الحنين البشري لهذا العالم المجنون الرافض للعقل، ولكني بك أنتصرت على هذا الحنين بالتصالح مع نفسي مستمتعا بسلام داخلى يزيدنى إصرارا على العودة للحياة مستمتعا بلذة السكينة والأمان، تاركا اعتماديتي، عائدا لرشدي، هاجرا للعبودية، ونازعا من قلب الموت الحياة. (شاهد مقاطع فيديو موقع مقال على اليوتيوب).    

د. رأفت عبد الحميد أحمد   

 

أضف تعليقك هنا