الجزء 4 من روايـــــــة // عـــــوبـــــار// تـــألــيـــف: // زيــد العــرفـــج//

عدم اتباع المحاضر عياد أسلوب التطبيقات العملية في التاريخ

وفي السنة الثانية بدأنا نتحضر للدراسة العملية، وكما حدث في الدراسة النظرية فاجأنا الأستاذ عيّاد بعدم اتباعه أسلوب التطبيقات العملية المتبع في جامعاتنا، فالبرامج التدريبية العملية تعتمد على البرمجيات التقنية الضخمة المطبقة في الجامعات، فطلاب التاريخ مثلاً كانوا يمارسون التطبيق العملي من خلال البرامج الوثائقية التي تنقلهم عبر الأثير للأحداث التاريخية المصورة دون الرجوع للمناطق الأثرية ودراستها والاطلاع على المخطوطات القديمة التي عفا عليها الزمن، فالتاريخ لا يعتمد على الآثار العمرانية والمكتوبة، ولكن المحاضر عيّاد رفض الاعتماد على تلك البرامج الوثائقية ودفعنا نحو التشكيك بصحتها من خلال أبحاث قام بها بنفسه متضمنة دراسة مئات المخطوطات وعشرات المواقع الأثرية، وبناءً عليه فقد طلب منا الأستاذ عيّاد الخروج في رحلة بحثية نحو مناطق الآثار القديمة لننكب على دراسة مخطوطات الأجداد ونمحصها ونعيد دراسة التاريخ من جديد.

مجال استخدام التقنيات الأثيرية في الجامعات

والتقنيات الأثيرية التي تبرمج التطبيقات العملية لطلاب الجامعة متطورة جداً، فمثلاً في كلية الطب، ولو أن دراسة الطب لا تستهوي أبناء العرب، ولكن ضرورة شغل بعض المناصب الإدارية يحتم على بعضهم ممن لم يحصلوا على درجات مدرسية عالية الدخول لكلية الطب، فإن التطبيق العملي لطلاب الطب لا يتعدى مراقبة العمليات الجراحية وكيفية استئصال الأورام، فالتصوير الأثيري الدقيق يحدد الخلايا المريضة وما على التقني الذي يعمل على جهاز العمليات الجراحية إلا برمجة الجهاز على الخلايا المستهدفة ثم يترك المريض بين يدي الجهاز لتتم العملية على أهون سبب ………… وكذلك الحال بالنسبة لطلاب الهندسة فتطبيقاتهم العملية تظهر كيفية رسم مخططات البناء مثلاً ومن ثم برمجة المعدات الضخمة التي تتولى البناء، وحتى تسهيل الطرق ورسم مسارات المراكب الأثيرية جميعها يتم بسهولة ويسر أكثر مما كان يتصوره أجدادنا السابقون.

الحياة عبر التقنيات الأثيرية

فاجأنا الاستاذ عيّاد بطلباته عند حضورنا للجامعة، إذ طلب منا العودة في اليوم التالي دون زر الكف وسوار اللباس الأثيريين، وأن نلبس لباساً طبيعياً تقليدياً من الصوف أو الكتان أو القطن، ونزع السوار لم يربكنا كنزع زر الكف فهذا الزر مزروع في أكفنا منذ الولادة ويخضع للتحديث كلما تجاوزنا مرحلة عمرية معينة، فهذا الطلب خلق لنا مشكلة على الصعيد الشخصي والاجتماعي والحكومي.

فنحن لم نتصور أنفسنا يوماً بدون السوار وزر الكف الأثيريين، فالسوار الأثيري يستر بدننا باللباس الذي نرغب فيه منذ ولادتنا ويمكننا تبديله في اللحظة التي نشاء، وكم تخيلنا الصعوبة التي عاناها أجدادنا في ارتداء ملابسهم وخلعها وكم من الوقت أضاعوا في ذلك، وخلع السوار الأثيري شكل لنا مشكلة كرجال أكثر من النساء اللواتي اعتمدن على لباس تقليدي مكون من جلباب يُلبس تحت اللباس الأثيري ومن ثم يتفنن في الموديلات الأثيرية الملبوسة، وهذا الأمر فرضه مجتمعنا العربي القائم على الحشمة والوقار خوفاً من الافتضاح في حالة تعطل تقنية السوار الاثيري بشكل فجائي، أضف لذلك احتواء السوار الأثيري على برمجة خاصة لا تمكّن أي شخص من خلع ملابس الشخص الآخر، فأمر خلع الملابس يعود لصاحب السوار، مما حمى الكثير من النساء حول العالم من جرائم التحرش والاغتصاب وحمى الرجال أيضاً من افتراءات النساء واتهاماتهن الباطلة، فلا يمكن لأي رجل أن يتعرض للمرأة دون رغبتها …… والحقيقة أن اللباس التقليدي سيحرجنا كرجال أمام المجتمع كونه خاصاً بالنساء ولم يرتديه الرجال منذ زمن طويل.

أما زر الكف الأثيري المزروع بأكفنا فله أهمية كبيرة في تواصلنا مع من حولنا، وعبارة من حولنا لا تعني التجمع الأسري ضمن ذات المنزل بل تعني التواصل مع العالم بأسره، فكل شخص على سطح هذه الأرض يمكن أن تجالسه أثيرياً وكأنكما في غرفة واحدة. ونزع زر الكف الأثيري يعتبر مشكلة كبيرة لها حساسيتها مع الحكومة، فالزر هو البطاقة الشخصية التي تمكنهم من التعرف عليك فوراً دون أدنى سؤال، فرجال الشرطة يثبتون في إحدى عينيهم عدسة لاصقة تمتلك خاصية التصوير، فما أن ينظر الشرطي إليك حتى تلتقط تلك العدسة صورة لك وتحولها فوراً للبرمجيات الخاصة بالشرطة فيتعرف فوراً على كافة المعلومات المتعلقة بك، فإذا كنت من المطلوبين فما أسهل اعتقالك، أضف لذلك أن زر الكف الأثيري يعدُّ جهاز تعقب يمكن الشرطة من استخدامه في مراقبتك وملاحقتك، وهذا الزر حدَّ كثيراً من وقوع الجرائم على سطح الأرض، والمجرم أصبح على يقين تام أن ارتكابه للجريمة يعني وقوعه الفوري بيد العدالة.

فقال حيران: أستاذ عيّاد إن سوار اللباس يمكننا أن نتخلى عنه ونلبس اللباس التقليدي من كتان وصوف وقطن، ولكن لا يمكن أن نتخيل أنفسنا بدون الزر الاثيري في الكف، فالأهل يتابعوننا من خلاله، وحتى الحكومة لن تقبل بذلك أبداً، فهو جهاز للتجسس والتعقب. فيرد الاستاذ عيّاد: هناك صديق لي في جهاز المعلومات طلبت منه مساعدتنا في الأمر ووعدني بذلك. فقلت: كيف سيتم ذلك ؟ فقال المحاضر عيّاد: لا عليك يا جراح، إن الرجل يعرف عمله.

العقل البشري قادر على تطوير التقنيات الأثيرية

وهنا فهمت أن التقنية التي نمتلكها مهما كانت متطورة فإن اختراقها والتلاعب بها ممكنٌ، فالعقل البشري لا تحدّه حدود، فكلما تطورت التقنيات احتال عليها ذلك العقل الماكر الداهية وجعلها أضحوكة على مر الزمان، فمقولة الفلاسفة ((إن الإنسان الصانع ظهر قبل الإنسان العالم))، فالإنسان يجرب ويعيد التجربة مراراً وتكراراً حتى يصل لمراده، ثم يأتي العلم ليُقنن هذه التجارب، إلا أنه يمكننا القول ((إن الإنسان المحتال يظهر على أثر الإنسان العالم)) فالتجربة أم الاختراع والعلم ملهم الاحتيال.

عودة إلى ما قبل التقنيات الأثيرية

انطلقنا بسياراتنا الأثيرية خارج حدود عوبار عاصمتنا الجميلة، وتوجهنا نحو الجنوب الغربي، وأخيراً وصلنا لمنطقة هضبية رائعة الجمال ومليئة بالينابيع، فأمرنا الاستاذ عيّاد بعد أن أجرى اتصالاته بنزع زر الكف وسوار اللباس الأثيريين والبقاء باللباس التقليدي، ولا أعلم لماذا شعرت بشعور غريب جداً عند نزعهما، فقد كان مليئاً بالتحدي المشوب بالحزن والأسى.

ثم أمرنا بالسير على أقدامنا لمسافة لا بأس بها، لنقضي ليلتنا بالعراء على سفح أحد الجبال، والمجموعة التي خرجت مع الأستاذ عيّاد كانت مؤلفة من أربعة طلاب وطالبتان، أنا وصمّاد وطوّاد وحيران والطالبتان هما حيرا وفاطمة، وقد فوجئت بحضور فاطمة معنا، فحتى اللحظة الأخيرة توقعت عدم حضورها، خاصة وأنها من علية القوم فوالدها وأعمامها وإخوانها جميعهم يتبوؤون مناصب عالية في الدولة ولهم وضعهم الخاص، فلربما استطاعت الاحتيال عليهم كما احتلنا على زر الكف الأثيري.

في الصباح شعرت لأول مرة بالحرية المطلقة فلم يعد هناك من ينبهك للاستيقاظ في وقت محدد، ولم يعد هناك من يذكرك بمواعيد إفطارك وذهابك للجامعة، ولا حتى بتحديد مسارك اليومي، لقد اشتغل عقلي لأول مرة بطاقته القصوى، نعم لأول مرة أشعر أنني كنت شبه آلة بوجود زر الكف الأثيري وتعاملي مع التقنيات التي كانت تسيّر حياتنا.

جمعنا عيدان الحطب وأشعلنا النار وتناولنا طعامنا المكون من غزال شهي اللحم اصطاده صمّاد وطوّاد، بعد ذلك أكملنا مسيرنا عبر الجبال الخضراء نحو السهول الممتدة، فوصلنا لنقطة معينة كان بانتظارنا فيها بعض الرجال بصحبتهم الجمال والخيول، فاستقبلونا استقبالاً حسناً وقدموا لنا الجمال والخيول لنركبها في سيرنا الحثيث نحو أبحاثنا العملية في التاريخ وعلم الآثار.

يا الله.. ما أجمل الحياة البسيطة! وكم تمنيت أن تكون رحلتنا البحثية أطول من الأشهر الثلاثة المقررة وفقاً لبرنامج الجامعة! سرنا في بطون الوديان.. ارتقينا العديد من الهضاب.. مررنا بالعديد من الينابيع الفوارة.. أكلنا من الأشجار المثمرة، كان هناك البلح والتين والعنب.. جمعنا درنات البطاطا والفطر والكمأة.. طهونا طعامنا على النار.. وأهم من ذلك كله انتظارنا لأول مرة في حياتنا نضوج الطعام لفترات طويلة مما اعتدنا عليه، ففي السابق كنا بضغطة زر نختار الطعام الذي نشاء فيحضر فوراً، أما الآن فتجهيز الطعام له متعة خاصة من تقطيع اللحم وتحضير الخضروات وإشعال النار وغير ذلك…

وتحسباً لأي طارئ تجنبنا المرور في القرى المنتشرة بتلك المناطق كي نبتعد ما استطعنا عن أعين الشرطة، ومن يصادفنا من الناس في الطريق نعلمه أننا في رحلة بحثية لصالح الجامعة، وكانوا يتقبلون لباسنا وركوبنا للجمال وإن كان هناك بعض الاستهزاء والتهكم بعبارات (تريدون أن تعودوا لعصور التخلف والجمود …. ما هذا اللباس …. آه ما أسرع الجمل الذي تركبونه … إنه أسرع من الأثير…. وهكذا..).

وصلنا أخيراً لمنطقة مختلفة عما مررنا به، وهي عبارة عن هضبة مستوية ذات تربة خصبة ومياه وافرة، استرحنا خلال الليل في خيمة مصنوعة من شعر الماعز، فالمخيم طبيعي لم تتدخل به تقنيات الطاقة الأثيرية، والخباء كان مقسوماً لثلاثة أقسام، قسم للرجال وقسم للنساء وقسم للطبخ وتناول الطعام، والفواصل بين الأقسام الثلاث كانت مصنوعة من عيدان القصب المجلّل بشراشف جميلة الألوان، وفي قسم الرجال حفرنا حفرة في الأرض وأشعلنا فيها النار وأعددنا القهوة العربية اللذيذة، آه.. يا لصفاء الجو المحيط بنا، لم نعد نسمع الأصوات الصاخبة أو نرى الأضواء المبهرة، وبعد أن تناولنا العشاء نمنا حتى الصباح.

بداية عملنا البحثي ولقاؤنا بمداد

وفي اليوم التالي توجهنا نحو السفح القريب وعبرنا ممرات صخرية ضيقة حتى وصلنا للمنطقة الأثرية وبدأنا العمل البحثي، وصادفنا في بحثنا الكثير من آثار الأقدمين، وكنا نقارن ما نحصل عليه من كتابات أثرية بما هو مدون في التواريخ التي بين أيدينا، فاكتشفنا الكثير من الحقائق عن الأمم السابقة.

ونحن في خضم أعمالنا البحثية جاء إلينا رجل لم أره من قبل مرتدياً ثياباً تقليدية وقد تخلى عن زر الكف والسوار الأثيرين، فاستغربنا منظره وكأنه أحد أعضاء بعثتنا، فاستقبله المحاضر عيّاد استقبالاً حافلاً ورحب به أشد الترحيب، وعرّفنا به فكان اسمه مدّاد، وتبين لنا أنه جاء من مدينة مجاورة وأرسله شخص يسمى هود، ومن شدة تلهف المحاضر عيّاد للحديث مع الرجل وسؤاله عن ذلك الشخص المسمى هود اتضح لي أن هوداً رجل فاضل وله وزنه عند أمثال أستاذنا عيّاد، ثم دعانا هذا الرجل لزيارته في بلدته القريبة وألح عليّنا في الدعوة فقبلناها جميعاً.

وفي اليوم التالي ركبنا الجمال وتوجهنا نحو البلدة القريبة، فإذا هي بلدة ضخمة جداً ومجهزة بكافة الخدمات وتكاد لا تختلف عن العاصمة عوبار، ففيها كافة أشكال تطبيقات الطاقة الأثيرية، ولدى وصولنا لمنزل مدّاد استقبلنا استقبالاً حافلاً ورحب بنا إلا أن منظره كان يختلف تماماً عما جاءنا به ليلة البارحة، فقد كان يلبس السوار الأثيري وأعاد زراعة الزر في كفه، فقدم لنا الطعام المحضر بشكل فوري وكأننا عدنا لما كنا عليه قبل الرحلة فشعرنا ببعض الغم والأسى.

مدّاد والمحاضر عيّاد في جلسة نقاش عن هود

تحدثنا كثيراً مع مدّاد حول العديد من المواضيع فكانت جلسة نقاش ثقافية مفيدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولكن ما أثار حفيظتي الحديث الذي دار بين مضيفنا مدّاد ومحاضرنا عيّاد حول ذلك الرجل المسمى هود، فقد تحدثا عن أفكار ذلك الرجل وأقواله وظهر لي إيمانهما بهذا الرجل واعتقادهما بأفكاره.

ولكوننا ضيوفاً عند مدّاد الذي دعا الكثير من أبناء البلدة لطعامه فقد أجلت كل الأسئلة التي دارت في رأسي حول هود حتى عودتنا للمخيم، وبعد العودة سارعت نحو الأستاذ عيّاد، وقلت: أستاذ عيّاد لاحظت أنكما أنت ومدّاد تحدثتما كثيراً عن الرجل المسمى هود، ما قصته ولماذا كل هذا الاهتمام به؟. فقال المحاضر عيّاد: جراح كنت أتمنى تأجيل جوابي حول أسئلتك حتى نزور ذلك الرجل وتتعرف إليه عن كثب، فترى أخلاقه وأفكاره ومعتقداته، وبما أنك سألتني بلهفة شديدة سأجيبك على تساؤلاتك.
فقلت: إنني ممتن لذلك أستاذنا.

ما أخبرنا به المحاضر عيّاد عن هود (النبي)

فقال المحاضر عيّاد: إن هود رجل فاضل وهو من أعز الناس وأوسط العرب، فهود ينتمي لقبيلتنا قبيلة عاد ويعتبر من رؤوسها، ويتصف بأخلاقٍ حميدة، كما أنه يمتلك نظرة بعيدة المدى، فهو يرى الأمور برؤية مختلفة عما نراه جميعاً، إذ يعتبر ما توصلنا إليه من حضارة ورقي مادي قد جاء على حساب أخلاقنا وعلاقاتنا الاجتماعية بل جاء على حساب معتقداتنا، بل أثر في علاقتنا بإلهنا الواحد – الله سبحانه وتعالى – وجعلنا نبتعد عن عبادته الصحيحة ونتعبد لأصنامٍ صنعناها بأنفسنا، وتعرف ماذا أقصد … نعم اقصد الآلهة (صدا وصمودا وهرا)، هذه الآلهة التي نشركها مع الله في عباداتنا..

عبادة الآلهة المتعددة والإله الواحد

يضيف الأستاذ عيّاد قائلاً: أقول لك يا جراح إن هود أستاذي، وهو نبي مرسل من الله سبحانه وتعالى ليهدينا إلى الصراط المستقيم، ويعيدنا لنعبد الله كإله واحد أحد فرد صمد …. تعلمت من هذا الرجل الكثير، فهو يوحد الله عز وجل ولا يتعبد للأصنام الثلاثة التي فرضها علينا ملكنا الغشوم الظالم عاد بن عرّاد.

فقلت: ولكن يا أستاذ عيّاد نحن نعبد هذه الآلهة لتقربنا إلى الله زلفى.. فنحن لا ننكر ألوهية الله سبحانه وتعالى.
كذبوا والله … قالها الأستاذ عيّاد مقاطعاً حديثي ومضيفاً: إن هذه الآلهة لدليل قطعي على تراجعنا فكرياً وروحياً، فلا يغرنك التقنية الكبيرة التي وصلنا إليها، إن إرادة الله نافذة في أرضه وفي عباده.. إن أخطر ما تكلم به النبي هود كان ما تنبئ به حول الحضارة التي وصلنا إليها، إنه يرى فيها مدنية متهالكة على شفا الانهيار ما لم نصلح أحوالنا قريباً.

منذ أن عدت لخيمتي وأنا أفكر بكلام الأستاذ عيّاد … يا إلهي كأنني أسمع هذا الكلام لأول مرة ((إن إرادة الله نافذة في عباده)) ولكن أين إرادة بقية الآلهة الثلاث، أليسوا هؤلاء هم المساعدون له في إدارة هذا الكون. نفرت قليلاً من الأستاذ عيّاد إلا أن كلام حيران وحيرا أزال حيرتي، لقد حدثاني كثيراً عن وحدانية الله، وأن هذه الآلهة الثلاث صدا وصمودا وهرا ما هي إلا آلهة اصطنعها الملك عاد بن عرّاد وكبير الكهنة عتّاب بن سجّاح، وأن المعتقد الذي عليه هود ومن يتبعه هو نفس المعتقد الذي كان عليه أبونا آدم وبقية رجالنا العظماء أمثال شيث وإدريس ونوح، وأن الطوفان العظيم جاء بسبب الوثنية البغيضة التي كان عليها الناس أيام نوح إذ تعبدوا لخمسة آلهة هي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فلما رفضوا ما جاء به نوح أخذهم الطوفان الشامل العارم، ونخشى يا جراح أن يصيبنا ما أصابهم.

إلام ترمز الآلهة المعبودة في زمن النبي هود عليه السلام؟

وهنا بدأت رحلتي التفكرية في ذلك، يا إلهي إن الآلهة الثلاث صدا وصمود وهرا التي نعبدها ونؤمن بقدرتها المكملة لقدرة الله عز وجل، ما هي إلا التقنيات الكبرى التي وصلت إليها حضارتنا:

فالإله صدا: رمزه يعبر عن قوة البناء، فهو يظهر لما نستحضره في العبادة على شكل مكعب أثيري كثيف، وعند تأدية الطقوس المخصصة له يبدأ بالتحول في أشكال هندسية مختلفة من متوازي مستطيلات إلى مكعبات إلى مجسمات قصور شاهقة أو أهرامات عظيمة أو بناء نجمي عظيم، بينما تتراقص الأرقام جيئةً وذهاباً في جنبات تلك المجسمات ليأتي عليها الصفر في النهاية فيمسحها، نعم إنه الصفر ذلك الاختراع العظيم الذي كان ومازال من أكبر المنجزات التي اخترعها العرب………. وغيرها من أشكال العمران الهندسية.

أما الإله صمودا: فرمزه يعبر عن التقنيات الأثيرية التي نعيشها، فاستحضاره في العبادة يجعل منه إلهاً مجسماً على شكل أجهزة تقنية متطورة، فتارةً تراه مركبة طائرة أو مركبة سيارة وتارةً تراه جهاز اتصال وهكذا……

أما الإله هرا: فرمزه يعبر عن الترابط الاجتماعي الذي تولد في مجتمعنا بسبب وسائل التواصل الأثيري، فعند استحضاره في العبادة يظهر على شكل برامج الاتصال الضخمة التي ربطت العالم كله برابط واحد، فهو يعبر عن الأفكار المشتركة لأبناء هذا الكوكب من خلال تواصلهم بنفس الأفكار، فالتواصل الأثيري وتوجيهه من قبل أشخاص يسيطرون على العالم جعلنا جميعاً نفكر بنفس الطريقة تقريباً، إن الإله هرا يعبر عن صلاتنا الموحدة عبر العالم من خلال التواصل الأثيري.

ولكن أين الله من كل ذلك فنحن نقر بوجود الله سبحانه وتعالى، إلا أننا نرى فيه إلهاً بعيداً معتكفاً في السموات العلى، وهو يراقب ما يجري على الأرض ويستاء من تصرفات بعض البشر ولكن لا يتدخل بالرغم من عدم رضاه. لم أتمكن من تصور كلام الأستاذ عيّاد عن العقاب الذي ينزله الله بعباده في حالة كفرهم وطغيانهم كما حدث مع البشرية أيام نوح المعمر، فنحن لدينا من الإمكانيات الهائلة ما يؤهلنا لمواجهة أية كارثة تحل بنا في حال قرر ذلك الإله الغيبي معاقبتنا والذهاب بآلهتنا الثلاث إلى الجحيم، وهي التي شاركته الألوهية على بني البشر.

فعلاً لماذا حدث الطوفان العظيم، هل بسبب طغيان البشر وكفرهم بالله عز وجل، أم أن السبب يعود كما درسناه في الجغرافية إلى تغيرات مناخية ضخمة ناتجة عن ارتفاع حرارة الأرض وميلان محورها مما أدى لذوبان الجليديات الضخمة التي آذنت بانهيار عصر الجليد العظيم، أم أن قدرة الله سبحانه وتعالى هي التي أدت لذوبان الجليد وحدوث الفيضانات، أم أنّ سُنّة الله في الكون قد نظمت الأمور تنظيماً دقيقاً بحيث ينتج عن كل طغيان وكفر كوارث طبيعية تودي بحياة البشرية وتعيدها لجادة الصواب..؟

في طريقنا إلى مدينة الرجل الفاضل هود

كنا على وشك الذهاب نحن والمجموعة مع الأستاذ عيّاد إلى المدينة التي يقطنها ذلك الرجل الفاضل هود، كنت متلهفاً كثيراً للقائه، فقد كنت في صراع عنيف بين ما تربيت عليه من معتقدات وما حدثني به المحاضر عيّاد وحيران وحيرا، فحضّرت عشرات الأسئلة لذلك الرجل لأفحمه وأظهر فساد معتقده، ففي النهاية غلّبت أفكاري التي نشأت عليها وثبتها بقوة في نفسي، وطمعت كذلك في إظهار مقدرتي أمام ذلك الرجل لتظهر في النهاية أمام الأستاذ عيّاد والأهم من ذلك كله مناصرتي للفتاة التي أحببتها فاطمة، فهي تعتقد نفس معتقدي الذي يعتنقه غالبية أبناء قبيلتنا العظيمة عاد في تأليههم وتعظيمهم للآلهة الثلاث صدا وصمودا وهرا.

نادانا الأستاذ عيّاد إيذاناً بالرحيل، فقمنا مسرعين إلى رحالنا لنسلك الطريق نحو مدينة هود، لولا أن جاءتنا أخباراً سيئة من المحيط المجاور، فحواها حدوث اضطرابات في العاصمة عوبار أدت لأحداث دامية ونتج عنها الكثير من القتلى، هذه الأنباء أشعرتنا بالرعب والهلع، فلأول مرة منذ مئات الأعوام لم تحدث أية صراعات دامية في البلاد، فالنظام والأمن مستتبان لأبعد الحدود بسبب التقنيات الأثيرية العظيمة التي وصلنا إليها.

إلى هنا توقف المسير

فجأة توقفت الناقة … بدأت ترزم بصوتها … ثم فرجت بين ساقيها وتبولت، فشعرت بالخطر لأن حبس الناقة لبولها يساعدها في المحافظة على الماء داخل جسمها، فهي لا تتبول أثناء العطش بل تحتفظ بالبول في المثانة طالما أنها بحاجة الماء، حيث يمتص الدم الماء والبول مرة أخرى ويدفعه إلى المعدة لتقوم بكتريا خاصة بتحويل البولينا إلى أحماض أمينية ومن ثم إلى بروتين وماء، ولكنني أدركت بعد قليل أن تلك إشارة واضحة على وصولها لمورد الماء، فهي لمّا شعرت بقرب المورد المائي طرحت البول فوراً من جسمها لتشرب كميات ماء نظيفة وجديدة.

أنخت ناقتي ونزلت مسرعاً أبحث عن العلامات الحجرية المرسومة على شكل دائرة تحيط بفوهة البئر المسدودة بصفيحة صخرية كبيرة، وقد أبلغني الأستاذ عيّاد أن تلك العلامات الحجرية الدالة على مكان البئر تتكون من حجارة جُلبت من منطقة أخرى لتكون مختلفة عن حجارة المنطقة المحفور فيها البئر، كانت الرمال تغطي المكان فبحثت كثيراً ثم تلمست الرمل بيدي قريباً من ناقتي فلما شعرت بالرطوبة أزحت الرمال لأعثر على العلامات الحجرية الدالة على البئر، وبما أن العلامات موزعة بشكل دائري اتجهت مباشرة نحو المركز، فوجدت الصخرة التي تغطي فوهة البئر، فأزحتها لتنطلق رائحة التراب الرطب عابقة في الجو، ركضت نحو ناقتي فأخرجت دلو الماء المصنوع من جلد الإبل، نعم إنه مصنوع من جلد أبناء جلدتها وربما من جلد ولدها نفسها.

أخرجت الدلو الأول فشربت، ثم بدأت أسحب الدلاء الواحد تلو الآخر لتشرب ناقتي بذلك الجلد، فقلت ((سبحان الله إنها تشرب بجلد ابنها)) (1)، إن الإبل حيوانات عجيبة تختلف عن كافة الحيوانات الثدية اللبونة، وهي من أقدم الحيوانات التي تدب على سطح الأرض، وربما تكون البقية المتبقية من سلالة الديناصورات فهي تشبه كثيراً في شكلها الديناصورات العاشبة.

(1) – هناك مثل شعبي لدى القبائل العربية في شمال الجزيرة العربية وبادية الشام يقول بالعامية: (كم ناقة شربت بجلد ولدها)

فيديو مقال الجزء 4 من روايـــــــة // عـــــوبـــــار// تـــألــيـــف: // زيــد العــرفـــج//

أضف تعليقك هنا